من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
في تاريخ الصلاح الصفدي
حكى ابن صاحب الصلاة عن بعض الصالحين أنه رأى أبا بكر محمد بن محمد اليعمري الأبّذي في النوم بعد موته، فقال له: كيف حالك وما لقيت من ربك فأنشده بيتين لم يسمعا قبل، وهما:
من سره العيش في الدنيا بخلقة منيصور الخلق في الأرحام كيف يشا
فليحزن اليوم حزنا تحت سطوتهمعلّلا يمتطي جمر الغضا فرشا
قال القاضي أبو القاسم محمد بن محمد بن نوح الغافقي قاضي بلنسية مات سنة أربع عشرة وست مائة:
لا تغبطنّ كلّ موفور الغنىمشتمل ملابس العظمه
يلمز لا يستنّ إلا بمايحويه من أكياسه المفعمه
فالله قد أخبر عن مثلهقال في آياته المحكمه
يحسب أنّ ماله أخلدهكلا لينبذنّ في الحطمه
نظم الصاحب تاج الدين حنا يوما:
توافي الجمال الفائزيّ وإنهلخير صديق كان في زمن العسر
وأمر السراج الوراق باجازته فقال:
فيا ربّ عامله بألطافك التييكون بها في الفائزين لدى الحشر
قال بعضهم في عدم الشماتة بالموت:
تشفّى بشيء لا يصيبك مثلهوإلا فشىء أنت وارده فلا
جمع بعض المجالس نفرا من الفضلاء، فقالوا لأبي الحسن محمد بن أحمد بن رامين:
أجز قول مجنون بني عامر:
أقول لظبي مرّ بي وهو راتعأنت أخو ليلى فقال يقال
فارتجل على النفس:
فقلت يقال المستقيل من الهوىإذا مسّه ضرّ فقال يقال
فعجب القوم من حدة ذهنه وإسراعه في تجنيس القافية. ووقف على ذلك بعض المتأخرين فقال:
فقلت أمن ظلّ الأراكة بالحمىيقال ويستشفى فقال يقال
بعضهم:
لا تطلبنّ معيشة بمذلّةفليأتينّك رزقك المقدور
واعلم بأنّك نائل كلّ الذيلك في الكتاب محبّر مسطور
والله ما زاد امرأ في رزقهحرص ولا ضرّ امرأ تقصير
وقال ابن الرومي واسمه علي بن العباس، وكان شاعر وقته، هو والبحتري:
ومستقر على كرسيه تعبروحي الفداء له من منصب تعب
رأيته سحرا يقلي زلابيةفي رقّة القشر والتجويف كالقصب
كأنما زيته المغليّ حين بداكالكيمياء التي قالوا ولم تصب
يلقى العجين لجينا من أناملهفيستحيل شبابيكا من الذهب
قال الصلاح الصفدي: أحسن الحشو ما في قول المتنبي:
وتحتقر الدنيا احتقار مجرّبيرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا
وقول أبي بكر بن اللبانة:
ويرتاح عند الحمد حتى كأنهوحاشاه نشوان يلذّ له شرب
وقول أبي حسن الجزار:
ويهتزّ عند الجود إن جاء طالبكما اهتزّ حاشا وصفه شارب الخمر
وقال محمد بن غالب الأصبهاني الكاتب:
ثمن المعروف شكرويد الأنعام ذخر
وبقاء الذكر في الأحياء للأموات عمر
وقال القاضي أحمد بن كامل: ما جمع أحد من العلم ما جمع محمد بن موسى البربري، وكان لا يحفظ إلا حديثين، حديث الطائر، وحديث أن عمارا تقتله الفئة الباغية، مات البربري سنة هـ. يقال: إن العاضد خليفة مصر رأى في منامه أن جرت إليه عقرب من مسجد في مصر معروف فلدغته، فقال له عامر: ينالك مكروه من شخص مقيم به، فأمر باحضار من به، فأحضر إليه صوفي، فرآه بصفة العجز عن إيصال مكروه إليه، فأطلقه، فلما استولى السلطان صلاح الدين بن أيوب استفتى الفقهاء في خلع العاضد، فكان أكثرهم مبالغة في الحطّ على العاضد، وأشدهم حضا على خلعه ذاك الصوفي، وكان هو الشيخ نجم الدين الخبوشاني الشافعي الزاهد المشهور، مجير الدين محمد بن يعقوب الأسعردي:
أطالع كلّ ديوان أراهولم أزجر عن التضمين طيري
أضمّن كلّ بيت فيه معنىفشعري نصفه من شعر غيري
وقال:
انظر إلى الروضة الغنّاء حين بدتواعجب إذا الغيم فيها أسبل المطرا
بينا تراه خيوطا عند ناظرهحتى تراه على غدرانها إبرا
قال محمد بن مناذر الشاعر البصري، يرثي سفيان بن عيينة:
إنّ الذي غودر بالمنحنىهدّ من الإسلام أركانا
يا واحد الأمّة في علمهلقّيت من ذي العرش غفرانا
لا يبعدنك الله من ميّتورّثنا علما وأحزانا
قال الصفدي: محمد بن وهيب البديهي حضر مجلس بعض الفقهاء في عقد نكاح، فقال له الفقيه: لو كتبت هذا العقد لشاركتنا في الحسنة، فقال له: نعم، كيف تريد ذلك، نظما أو نثرا، فاقترحوه نظما، فقال هات كاتبا، فأملى عليه نظما. ذكر الشروط، والتاريخ، وكل ما له علاقة بالصداق، لم يتردد فيه ولا أبطأ، كأنه يتلوه من حفظه، فبهت القوم، وقال له الفقيه: أمرك والله عجب، كاد لولا المشاهدة لا أصدقه، وركب إلى المنصور بن أبي عامر، فأخبره بالمجلس، وأراه الشعر، فعجب من ذلك، وأمر له بصلة، حملت إليه، وكان عدة ما ارتجله ثلاثين بيتا، منها:
لأصدق عبد الله نجل محمدفتى أمويّ زوّج البكر مريما
وأمهرها عشرين عجّل نصفهادنانير يحويها أبوها مسلّما
وأنكحها منه أبوها محمدسلالة إبراهيم من حيّ خثعما
وباقي صداق البكر باق إلى مدىثلاثة أعوام زمانا متمّما
مؤخّرة عنه يؤدي جميعهاإذا لم يكن عند التطلّب معدما
ومن شرطها أن لا يكون مرحّلالها أبدا عن دارها حيث يمّما
وأن لا يرى حتما بشىء يضيرهايصرّف فيه الدهر كفا ولا فما
وقال البختري:
شكرناك للمعروف والشكر واجبومن يشكر المعروف فالله زائده
لكل زمان واحد يرتجى لهوهذا زمان أنت لا شكّ واحده
في كتاب نزهة الندماء: زعمت العرب أن أشد الناس حقدا أشدهم شكرا، وله شاهد من القانون الطبي، فاذا كان المزاج حارا يابسا، أو باردا يابسا، قليل الرطوبة والسيالة، ارتسم فيه الحال الذي يتعلق به، فلا يخرج منه.
الحظيري:
أنت في الديوان لا تفرغ من شغل الإمام
وإذا جئت إلى الدار فممنوع الكلام فالذي يبغي مناجا
تك يأتي في المنام
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع