من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
من إنشاء الشهاب المراغي [٣] في ذكر العلم
العلم ألهمك الله الهداية إلى سنن الرشد والصواب، وأيدك بمدد الفضائل والآداب، جنّة يتقي بها الجنان وساوس الشيطان، وحلّة يتجمل بها الإنسان بين العوالم والأكوان، والأصحاب والإخوان، وصراط مستقيم على سواء السبيل، وحوض ماؤه تسنيم، يشفي ما بالصدور من أوام وغليل، وسراج وهاج يهتدي بنوره في ظلمات الجهالات، ومنهاج يسلك به مفازات الطاعات، وسواحل العبادات، وسلم يرتقى به من حضيض الأجسام، ومشابهة الأنعام، إلى مقام الملائكة الكرام، وفي ذلك كفاية لمن كان له قلب، والسلام./
ومن إنشائه ما كتب به إلى بعض إخوانه في عتاب الدنيا:
أما بعد، فان الله مؤيد أهل الآداب بالتعظيم والتبجيل وفصل الخطاب، ومطلع نجوم سعودهم في سماء كل جيل على مر السنين والأحقاب، وقد اخترتك بالحكمة والتفضيل للوقوف على هذا الكتاب، وأخبرتك بما جرى بيني وبين الدنيا من أقاويل ورد الجواب، وذلك اني أجريت في بعض الأيام ذكر زخارفها والأباطيل بين خواص الأصحاب، وتذاكرنا كم لها من قتيل وصريع بسهام شهواتها ومصاب وسليم، بسلاسته سلسبيل، لمى ثناياها العذاب، وجلنا في ميادين مخادعتها بخيل التعجب أبعد مجال وولجنا في أبواب مختلفة من مكرها والاحتيال، وكيف تتزين لخطابها بجلابيب جمال المحال، وتجرر ذيول التذلل والاختيال، تلاعب من بنيها الأطفال، وتلهيهم بخشاخيش الانتقال من حال إلى حال، وتجذب بأزمة عقول الشباب والكهول من الرجال، إلى خواص غمرات الأهوال، لبلوغ الكواذب من الآمال، وتطمع الشيب من فسح الآجال، تمطيهم بعجزهم ركائب الحرص، فتراهم بين شد دائم وترحال./
ولم تزل كذلك حتى آذن النهار بالزوال، وأتى أتيّ الليل من جميع الجهات، وسال ومال بنا ركب السهر إلى معرس الهجوع، وهمّ كلّ منا إلى منزله بالرجوع، فلما أويت إلى مضجعي وطفقت سوام العيون في رياض الغمض ترتعي، هتف بي هاتفها من وراء حجاب، وخاطبتني مخاطبة الكواعب الأتراب، وأفحمتني من البلاغة بما يليق من الجواب، وأدارت عليّ حميّ العتاب، بكؤوس من التلطف وأكواب، ثم قالت: يا هذا أتتعرض لشتمي في الملا، وتتودد إلىّ في الخلا، وتذم من تيمك هواها وتسب من سباك على الوصف حسن مرآها، قلبك بفنون جمالها مفتون، وجنانك بليلى حبها مجنون، ما هذا من الإنصاف، ولا يعدّ من المحبين من اتصف بهذا الاتصاف، أما أنت المعرّض في فريضتك بذكري، أما أنت المعرض خدم جوارحك لخدمة قهري، أما أنت المتألم من صدودي وهجري، أما أنت المكنّي بأسماء مقصودك اسمي، أما أنت المتذلل لأوامري وحكمي، ألست القائل والعاذل بسمعك عن طريق العاذل:
أيجمل بي يا جمل طوع العواذلوحبك جار في جميع مفاصلي
ولو ملت يوما عن هواك تجردتسيوف صبابات أصبن مقاتلي
أذود الهوى عني وقلبي يطيعهفما حيلتي يا جمل والقلب خاذلي
وأحمل في حبّيك ما لا أطيقهوما فزت يوما في رضاك بطائل
ومن حكّمت فيه الغواني فانهجدير بحكم جائر غير عادل
ومن ثأره عند الذوائب والطلىفلا يرتجي نصر الظبا والذوابل
ومن راح في أسر اللواحظ لم يزلطليق جفون بالدموع الهوامل
ولا تحسبي يا جمل أنّي عاشقيزول غرامي فيكم بالتواصل
ولكنني أزداد بالقرب والنوىهياما وداء الحبّ ليس بزائل
حرام على قلبي السلوّ لأننيأراه بعيدا عن يد المتناول
وبيت كثير قل من يهتدي بهوغير عجيب أن يفوه بباطل
أيعشق من ملك الهوى رقّ عاشقمشاع لأدواء الغرام القواتل
لسهد ووجد واكتئاب ولوعةوفرط أسى باد وتعنيف عاذل
لقد فاز من حاز الغرام فؤادهلقد حاز أسمى رتبة للفضائل
وما العيش إلا صبوة وصبابةومنزلة العشّاق أسمى المنازل
فلما نفثت فيّ من سحر لفظها الحلال، وملكت لبي بحلاوة/ المقال، جاريتها في الكلام، وناضلتها بما فضل في كنانة فكري من السهام. ثم قلت: قد كان ذلك أيام شبابي، ونشأتي في صهباء التصابي، والآن فقد نهاني رقيب المشيب عن مواصلة الحبيب، أما رأت عيناك يقق لمّتي، وضعف حركاتي وقوتي، وفتور بوادر همّتي، أما سمعت أذناك بديع نسيبي في وصف مشيبي:
كبرت ولم أشعر وشابت مفارقيوفارقت لذّاتي وهنّ عجائز
ولانت قناتي بعد طول صلابةوليس لها يوما سوى الدهر غامز
فلو قيل لي يا شيخ قلت لعلّهسواي الذي يدعى وقلبي قافز
وكم رضت خيلا للأماني سوابقالها من تصاريف التصابي مهامز
وجلت بميدان الشباب إلى مدىله الشيب عن نهج الغواية حاجز
وبارزت أيامي ببطش وإنهاتشير إليّ الآن أين المبارز
وجدّت بي الآمال حتي كأنّهاركاب وحرصي تحتهنّ مفاوز
وما ذاك من جهل ولا من سفاهةولكنه حكم على الشيب جائز
تفرقت الآراء والحرص واحدوكلّ امريء عن باحة السر عاجز
وما العيش إلا بالحظوظ فكادحشقيّ وراض بالزهادة فائز
وعزّ جهول كالبهيمة هاملوخير خبير للفضائل حائز
وفي الشهب آيات فجار إلى مدىوللبعض منها في البروج مراكز
فقالت: نظمك صحيح، ولسان بيانك فصيح، ولكن تملقك بالمقال قبيح، أما علمت أن الشّيب والشبان، والكهول والصبيان، ما منهم إلا من ورد ماء مدين محبتي، وقرت عمرة عمره من ميقات محجتي، وهجر أسرته بالمسارعة إلى هجرتي، ولو كشفت التراب عمن درج من الأتراب، لأخبرك لسان حالهم بما يغنيك عن سؤالهم، إن الجميع غدوا إلى جنابي، وراحوا ونصبوا حبائل نصبهم طلبا لمواصلتي وما استراحوا، وأعلنوا بسرّ هواي حين لاح لهم علم زخارفي وباحوا، وقضوا نحبهم، وأعينهم تفيض من الدمع حسرة عليّ، وتلهفا على ما خلفوه لديّ، ولكن الأجل محتوم، والرزق مقسوم، الطفل يتلطف في بكائه على فطام لبانه، واليافع يتأسف على مفارقة معاشريه وأقرانه، والكهل يتلهف على ما خلف لبنيه وعشيرته، والشيخ يندب زمان صبوته وشبيبته، والكل منهم كالنائم وإن كان يقظان، أو كالواقف في الماء وهو عطشان، ومثلي مضروب في القرآن، متلو في كل وقت وأوان: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
،/وتمام الآية معناه: قد اشتهر، والآن فقد حذرتك سطوتي، وخوفتك في غيرك ببطشي، فاجعل نصب عينك وصيتي، وكن من مصائد مصايبي على حذر، وفرّ إلى الله ما أمكن المفرّ، وإذا وردت موارد اللذات، ومناهل الشهوات، فاحسب المصدر، والأمل يطول، والزمان عثور عجول، وعثار الليالي والأيام تدرّ بحليب التبعات، والأنام على التمادي والدوام، والسعيد من الأنام من عوّد نفسه الزهد في هذا الحطام، ولجمها بلجام الصمت والصيام والسلام.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع