تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

ذكر مستحسنات انتقيتها من كتاب الغرر من الأخبار

تأليف أبي بكر محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد المعروف بوكيع، قال:

حدثني أبو اسماعيل العلوي إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل طباطبا، حدثني عمّي حسن بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن، عن يحيى بن عبد الله بن حسن عن أبيه قال: العلم أكثر من أن يحصى، فخذ من كل شىء أحسنه.

وأخرج عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: الحق نتف. وأخرج عن علي بن ربيعة قال: صارع علي بن أبي طالب ﵁ رجلا فصرعه، فقال:

ثبّتك الله يا أمير المؤمنين، قال: على صدرك. وأخرج عن الشعبي قال: كنية الدجال أبو يوسف. وأخرج عن الليث بن سعد قال: قال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة. وأخرج عن الأصمعي قال: لا يوجد للرجال شعر جيد إلا وللنساء مثله.

وأخرج عن الشعبي قال: الكلام مصائد العقول. وأخرج عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال، كان يقال: من لم يصلحه الخير أصلحه الشر. وأخرج/ عن إبراهيم بن زياد سبلان قال: سمع أعرابي رجلا يقع في الناس فقال: قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس، إن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها.

وأخرج عن محمد بن مسلم الطائفي قال، كان يقال: إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيّض له من يظلمه. وأخرج عن أبي معاوية الغلابي غسان بن المفضل قال: حدثني رجل من أهل الجزيرة قال: مكتوب في الحكمة: اشكر من أنعم عليك، وانعم على من شكرك. وأخرج

عن معاوية قال: إني لأكره النكارة للسيد، وأحب أن يكون عاملها متغافلا.

وأخرج عن محمد بن الحنفية قال: من كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينه.

وأخرج عن ثعلبة بن سهيل قال: ما تداوى من جاز الأربعين سنة بمثل الحمّام. وأخرج عن سفيان بن عيينة قال: أراد النبي ﷺ الكلام فاعتاص عليه، فقال: (إنّا معاشر الأنبياء يعترينا البكاء) يعني قلة الكلام. وأخرج عن الأحنف قال: ثلاث خلال لا ينبغي للعاقل أن يدعهن، ومن أطاعه: علم يحثه على عمل يتزوده، وطب يذب به عن جسده، وصنعة يستعين بها على أمر معاشه./

وأخرج عن خالد بن صفوان قال: استصغر الكبير في طلب المنفعة، واستعظم الصغير في ركوب المضرة. وأخرج عن الأحنف قال: أربع يسود بهن الرجل، العلم، والأدب، والعفة، والأمانة، وقال: أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل. وقال: ثلاث مجالس لا عيب فيهن على الرجل أن يجلسها، انتظاره الجنازة، وانتظاره إذن السلطان، وطالب العلم، وثلاثة لا عيب فيهن على الرجل: أن يخدم أباه، وضيفه، وفرسه. وأخرج عن الربيع بن برّة قال: الأمثال أقرب إلى العقول من المعاني. وأخرج عن ليث قال، قال لي طاووس: تعلم ما تعلمت لنفسك، فان الناس قد ذهبت منهم الأمانة.

وأخرج عن قرة بن خالد قال: قلت لمحمد بن سيرين: أكانوا يتمازحون، قال: كان أبو هريرة يمازح ابن عمر. وأخرج عن سلم بن قتيبة قال: على اللبيب أن يعرف زمانه، فيعمل على قدر ما يرى منه. وأخرج عن الشعبي قال: تعايش الناس بالدين زمنا طويلا، حتى ذهب الدين، ثم تعايش الناس بالمروءة زمنا طويلا حتى ذهبت المروءة، ثم تعايش الناس بالحياء زمنا طويلا حتى ذهب الحياء، ثم تعايش الناس بالرغبة والرهبة، قال: وأظنه سيأتي بعد هذا ما هو أشد منه.

وأخرج/ عن مالك بن أنس قال: إذا لم يكن للرجل في نفسه خير، فليس لأحد فيه خير. وأخرج عن ابن سيرين قال: من كان ذا لحية عظيمة فلم يتخذ لحية بين لحيتين، فاعرفوا ذلك في عقله. وقال: حدثنا علي بن حرب، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس.

وأخرج عن ابن أبي ذئب قال: سمعت سكينة بنت الحسين تقول: الزعفران صبا، والعصفر طيب، والبياض ملك، والمشق فقر. وأخرج عن الحسن قال: كنا في قوم يخزنون ألسنتهم، وينفقون أوراقهم، وبقينا في قوم يخزنون أوراقهم ويرسلون ألسنتهم. وأخرج عن سفيان الثوري قال: بلغني أن الغلام يثغر في سبع سنين، ويحتلم في أربع عشرة، وينتهي طوله في إحدى وعشرين، وينتهي عقله في ثمان وعشرين، ثم هي التجارب.

وأخرج عن طريق أبي عميس، عن القاسم قال: مدّ الفرات فجاء برمانة مثل البعير، فكان الناس يرون أنها من الجنة. وأخرج عن مصعب عن أبيه قال، كان يقال: لا يفهم الملح إلا عقلاء الرجال. وأخرج عن قسامة بن زهير قال: روّحوا

القلوب تعي الذّكر. وأخرج عن أبي غزية قال، كان يقال: يستحسن الصبر عن كل شىء إلا عن الصديق. وأخرج عن أبي سعيد الخدري/ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا فاطمة كوني له أمة يكن لك عبدا، واعلمي أن أطيب الطيب الماء وأحسن الحسن الكحل).

وأخرج عن طاووس قال: قم للقرد في زمانه. وأخرج عن الحسن قال: أصول الشر ثلاثة: العجز، والحسد، والحرص. وأخرج عن عائشة ﵂ قالت: البياض نصف الحسن. وأخرج عن أبي الدرداء ﵁، قال: إني لأستجم بالشىء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق. وأخرج عن عبد الله بن هبيرة: أن سلمان سئل عن السيئة التي لا تنفع معها الحسنة، قال: الكبر.

وأخرج عن عدي بن حاتم قال: كان حاتم يقول لنا في الجاهلية: إذا كان الشىء يكفيكه الترك فاتركه. وأخرج عن معاوية قال: لا تستحيي من القليل، فان الحرمان أقل منه، ولا تجبن عن الكثير فانك أكثر منه. وأخرج من طريق منّة البرمكية، قالت: سمعت بنت شهدة تقول، قلت لمعبد: ما أطيب الأصوات، قال: الصوت الأجش وقت السحر.

وأخرج عن أبان القارئ قال: سألت معبد المغني عن دواء الأصوات، فقال:

حدثتني أم جميل الحدباء، أنها سألت الجن عن ذلك فقالوا: الكدّ. وأخرج عن طريق سفيان عن ليث عن طاووس عن ابن عباس: ويأتيك بالأخبار من لم تزود، كلمة نبي./

وأخرج عن أبي الزناد قال: لا يزال في الناس بقية ما تعجّب من العجب. وأخرج من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: جاء ناس إلى رسول الله ﷺ فكانوا في المسجد في القرآن، فأقبل كعب بن مالك ينشده الشعر، فقيل: يا رسول الله، قرآن وشعر في مجلس، قال: (هذا مرة وهذا مرة).

وأخرج عن سفيان بن حسين قال: قدم الأعمش بعض السواد، فاجتمعوا عليه فلم يحدثهم، فقيل له في ذلك، فقال: ومن يعلق الدرّ على الخنازير. وأخرج عن الحريش بن موسى قال: قيل لرجل: ما بلغ من نسيانك، قال: أؤذن في رقعة. وأخرج عن أبي خالد الوالبي قال: كنت أجلس في الحلقة مع أصحاب محمد، فلعلهم لا يذكرون إلا الشعر حتى يتفرقوا. وأخرج عن عبد الواحد بن زيد قال: قاعدوا أهل الدين، فان لم تقدروا عليهم فقاعدوا أهل المروآت من أهل الدنيا، فانهم لا يرفثون في مجالسهم.

وأخرج عن محمد بن الحنفية قال: المروءة الصبر على النوائب. وأخرج عن أبي العالية قال: انبذوا بين الكلام لا إله إلا الله. وأخرج من طريق الشعبي، عن محمد بن الأشعث، قال: إن لكل شىء دولة، حتى ان للحمق على الحلم دولة. وأخرج عن ابن شوذب قال: إن الله من رحمته حرم الإياس على الناس. وأخرج عن أبي عمرو بن العلاء قال:/ لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يضع كتابا.

وأخرج عن المدائني قال: قيل للأحنف: من السيد؟ قال: الذي إذا أقبل هابوه، وإذا ولّى شتموه. وأخرج عن قتادة قال: في التوراة مكتوب لا تستبدل أخا حديثا بأخ قديم. وأخرج عن محمد بن سلام، قال، كان يقال: لا يلام الرجل على أن لا يعرف الصواب في كل شىء، إنما يلام من سمع الصواب فلم يعرفه. وأخرج عن الحنظلي قال، قال لقمان لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلا فاغضبه قبل ذلك،

فان أنصفك عند غضبك، وإلا فاحذره.

وأخرج عن أبي نعيم الطبري قال: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز، فيهم غلام، فذهب الغلام يتكلم، فقال له عمر بن عبد العزيز: الكبر يا غلام، فقال الغلام: لو كان الأمر بالكبر ما جلست هذا المجلس، إن في الناس من هو أكبر منك، قال: فتكلم إذن يا غلام، فقال الغلام: يا عمر، إن الله لم يرض أحدا من خلقه فيجعله فوقك، فاجتهد أن لا يكون لله في أرضه من هو أطوع له منك.

وأخرج عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: قيل لابن المقفع: ما البلاغة؟ قال: التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها. وقال: أنشدني محمد بن سعد الكراني قال، أنشدني أبو خلدة:

يروى حديث عن نبي الهدىيحكيه عن أسلافنا حاملوه
إن رسول الله في مجلسقال وقد حفّ به آهلوه
إذا سألتم أحدا حاجةفالتمسوها في حسان الوجوه

وأخرج عن الأحنف بن قيس قال: إني لأدع كثيرا من الكلام، مخافة الجواب.

وأخرج عن الأعمش قال: أتدرون ما قالت الأذن، قالت: لولا إني أخشى الجواب لطلت كما طال الكساء. وأخرج عن بلال بن أبي بردة قال: رأيت عيش الناس في ثلاثة أشياء، امرأة تسرك إذا نظرت إليها، وتحفظك في غيبك إذا غبت عنها، ومملوك لا تهتم معه قد كفاك جميع ما لزمك، فهو يعمل على ما تهوى، كأنه قد علم ما في نفسك، وصديق قد وضع مؤونة التحفظ عليك فيما بينك وبينه، فهو لا يعمل في صداقتك ما يرصد به عداوتك، ويخبرك بما في نفسه، وتخبره عما في نفسك.

وأخرج عن المدائني قال: كان يقال: كفى بالحلم ناصرا. وأخرج عن عمر بن عبد العزيز قال: اطلب العفو من الله، بالعفو عن الناس. وأخرج عن أبي قدامة قال: لا تحتقروا حملة العلم، فان الله لم يحقرهم، حيث وضع علمه عندهم. وأخرج عن أبي وائل قال: إن أهل بيت يوضع على مائدتهم رغيف من حلال لأهل بيت غرباء. وأخرج عن

عبد الواحد بن أبي عمرو الأسدي، قال: جاء الزبرقان بن بدر بابن له يقال له عياش، إلى مسيلمة باليمامة /فقال له: يا نبي الله، حنّك هذا، فحنّكه فخرس.

وأخرج عن مصعب قال، قال عبد الملك بن مروان ليحيى بن سعيد: زعم عبد الله بن هلال أنك تشبه إبليس، فقال له يحيى: وما تنكر أن شبّه سيد الإنس سيد الجن. وأخرج عن خلف بن حوشب قال، قال لقمان: العالم مصباح، فمن أراد الله به خيرا اقتبس منه.

وأخرج عن معمر عن أبيه، قال، ققلت لهلال بن أشقر: ما أكلة بلغتني عنك، قال: جعت مرة وأنا على بعيري فنزلت فأكلته، إلا ما حملت على ظهري. وأخرج عن الهيثم قال: كان هشام بن عروة يقول: أما ما وعيت من الفقه وما أشبهه فاني لا أمنعكموه، وأما ملحي فو الله لا أعطيكموها.

وأخرج عن ابن عائشة قال: قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من أهل الثغور، له سن وعقل، فقال له عمر: كيف رأيت عمالنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إذا طابت العين عذبت الأنهار. وأخرج عن الشعبي قال: ما من بني عبد المطلب أحد إلا وقد قال الشعر امرأة ولا رجل، إلا رسول الله ﷺ. وأخرج عن مسروق قال: كانت عائشة ﵂ تروي ألف بيت شعر./

في مشيخة أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون النرسي، قال: حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثني أبي، حدثنا حسن بن عبد الرحمن الربعي، حدثنا إبراهيم بن سعدان، حدثنا أبو عبد الله محمد بن سليم قال، قال لي أبن عائشة: خرجت إلى بغداد لأسمع من ابن المبارك، فلما انتهيت إلى واسط قلت: لو عدلت إلى إسحاق الأزرق فسلمت عليه، فدخلت إليه، فقال لي: أعلمت ما لحقني من هذا الفاسق، قلت: أي الفسقة؟

قال: الحسن بن هاني أبو نواس، قلت: ما قصته؟ قال: كذب على أصحاب رسول الله ﷺ، وروى عني شيئا، والله ما حدثت به قط، قلت: ما هو؟ قال: يا جارية هاتي القرطاس، فجاءت بقرطاس فاذا فيه مكتوب:

يا حسن المقلتين والجيدتقتلني منك بالمواعيد
تضرب لي الوعد ثم تخلفنيفيا بلائي من خلف موعود
حدثني الأزرق المحدث عنابن شمر عن ابن مسعود
لا يخلف الوعد غير كافرهوكافر في الجحيم مصفود

حدثني أبو بكر محمد بن سهل الرازي قال: كنت بالموصل فرأيت رجلا له مائة وثلاث وعشرون سنة، قد لقي السّدي قال: قرأت في الإنجيل، فذكر أشياء إلى أن قال: الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، يتنفس فيها ابن آدم ثلاثين ألف نفس، كل ساعة ألف ومائتين وخمسين نفسا/ حدثنا محمد بن حاتم السمرقندي أبو نصر إملاء بمكة، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن محمد بن ربيعة الكلابي، حدثنا أحمد بن رشد الهلالي، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي قال: كنت عند عبد الله بن عباس، فجاءه رجل فقال: يا أبا عباس، أما تعجب من عائشة تذم دهرها، وتنشد شعر لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طرب الفؤاد وليته لم يطرب»
يتأكلون ملاذة ومشحّةويعاب قائلهم وإن لم يشغب

فقال عبد الله بن عباس: لئن ذمت عائشة دهرها، فقد ذمت عاد دهرها، وجد في خزانة عاد سهم كأطول ما يكون من رماحنا عليه مكتوب، وذكر الشعر، فقال ابن عباس: ما بكينا من دهر، إلا بكينا عليه.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.