من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
في كتاب العشق والعشاق تأليف عبد العزيز بن عبد الرحمن بن مهذب
كان رجل من بني إسرائيل يقال له عبود، عشق ابنة عم له، فلم يزل بعمّه حتى زوجه بها، فحملها معه، فلما صارت إلى فراشه ماتت فجأة، فلما دفنت، أقام على قبرها لا يأكل ولا يشرب، باكيا منتحبا، فمر به عيسى/ ﵇، فقال له: ما خبرك؟
فعرّفه، فقال: إن أجلها قد فرغ، ورزقها انقطع، فان جعلت لها شيئا من عمرك دعوت الله فأحياها، فقال: قد وهبت لها نصف عمري من ذي قبل، فدعا عيسى ﵇ لها فأحياها، حتى إذا قرب من مدينته، قال لها: يا هذه، لي ثلاث ما طعمت ولا نمت، فدعيني أنام ساعة أستريح، وخذي رأسي في حجرك، ففعلت ونام، فمرّ بها بعض أبناء
الملوك فأعجبته، وأعجبها، فأمرها باتباعه، فوضعت رأس عبود على حجر، وانطلقت مع ابن الملك، وانتبه عبود من نومه، فبقي حائرا، فمر به قوم فسألهم، فأخبروه أنهم رأوها مع ابن الملك في هودجه، فسار حتى لحقه وتعلق بدابتها، فقيل له: ما نريد؟
فقال: إن عند هذه المرأة وديعة لي، فلتردها عليّ، ولتذهب حيث شاءت، فقالت: وما هي؟ قال: ما وهبته لك من عمري، فقالت: قد رددته عليك، فعادت ميتة لوقتها.
قال السلفي: أنشدنا أبو الحسين بن الطيوري قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، قال:/ أنشدنا أبو الحسن علي بن محمد بن القاسم المخزومي قال: أنشدنا أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد قال: أنشدنا محمد بن الجهم السمّري لنفسه:
لا تضجرنّ عليلا كنت عائدهإنّ العيادة يوما إثر يومين
وقد روى مندل عن جابر خبراألا يطيل جلوسا قبل ذي الدين
بل سله عن حاله وادع الإله لهواجلس بقدر فواق بين حلبين
من زار غبّا أخا دامت مودتهوكان ذاك صلاحا للخليلين
رفع إسحاق بن الشريح كبير اليهود في بغداد رقعة إلى ابن الدهابي صاحب المخزن، فنظر فيها وكتب على رأس الرقعة: ينظر في حال رافعوها، فلما قرأها اليهودي قال على البديهة:
مذ كان همكم في جبر منكسرورفد مفتقر أو بسط منقبض
هذا يراعكم في الفضل حذركمفليس ينكر منه رفع منخفض
وجدت بخط الحافظ رشيد الدين محمد بن الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، سمعت الإمام جمال الدين علي بن إبراهيم القرشي المخزومي يقول: ذكر لي الفقيه الإمام مرتضى الدين بن القسطلاني أنه كان عند الشيخ ابن الحطيئة، وقد أحضر إليه بيضة دجاجة على صفة الخشكنانكة، فتعجب منها الحاضرون، فقال الشيخ:/
سبحان من ألبس البيضحلّة الخشكنان
عن العيان رأيناهـ لم نروه عن فلان
قال الحافظ رشيد الدين: وأنشدنا جمال الدين المذكور، قال: أنشدت الفقيه الإمام مرتضى الدين الشيرازي المدرس بالشافعي، للشافعي ﵁:
لقد قنعت همتي بالخمولوصدّت عن الرّتب العاليه
وما جهلت طيب طعم العلاولكنّها تؤثر العافيه
فأنشدني لنفسه على البديهة:
بقدر الصعود يكون الهبوطفإياك والدرج العالية
وكن في مكان إذا ما سقطتتقوم ورجلاك في عافيه
قال: وأنشدنا الجمال المذكور، أنشدني الشيخ الأديب العلامة أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن حسان الغساني الأندلسي الجيّاني في المدرسة النظامية ببغداد، لنفسه:
خبرت بني عصري على البسط والقبضوكاشفتهم كشف الطبايع بالنبض
فأتيح لي فهم قياس تخلياعن الكل إذ هم آفة الوقت والعرض
ألازم كسر البيت خلوا وإن يكنخروج ففردا يلصق الطرف بالأرض
أرى الشخص من بعد فأغضي تغافلاكمشدوه بال في مهمته يمصي
فيحسبني في غفلة وفراستيعلى الفور من لمحي بما قد نوى تقضي
أجانبهم سلما ليسلم جانبيوليس لحقد في النفوس ولا بغض
تخليت عن قومي ولو كان ممكنيتخليت عن بعض ليسلم لي بعضي
قال: وأنشدني عبد المنعم المذكور لنفسه أيضا:
قالوا نراك عن الأكابر تعرضوسواك زوّار لهم متعرض
قلت الزيارة للزمان إضاعةوإذا مضى وقت فما يتعوض
إن كان لي يوما إليهم حاجةفبقدر ما ضمن القضاء تقيّض
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع