من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
ذكر المسبحي [١] في تاريخه
عن أبي بكر المحلي قال: كان كافور الاخشيدي له في كل عيد أضحى عادة، وهو أن يسلم إليّ بغلا محملا ذهبا وورقا، تتضمن أسماء قوم، ويمضي معي صاحب الشرطة، ونقيب يعرف المنازل، حتى أسلم ذلك إلى من جعل له، فأطرق منزل كلّ إنسان ما بين رجل وامرأة، وأقول: الأستاذ أبو المسك كافور يهنئك بعيدك، ويقول لك: اصرف هذا في منفعتك، فلما كان في عيد، جريت على العادة، وزادني في الجريدة الشيخ أبا عبد الله بن جابار مائة دينار، فصرفت/ المال لأربابه، ولم يبق إلا الصرة فجعلتها في كمّي وسرت مع النقيب حتى أتينا منزله بظاهر القرافة، فطرقت الباب، فنزل وقال: ما حاجتك؟ قلت:
الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام، فقال: والي بلدنا؟، قلت: نعم، قال:
حفظه الله، الله يعلم أنني أدعو له في الخلوات وأدبار الصلوات، قلت: وقد أنفذ معي هذه الصرّة، وهو يسألك قبولها لتصرف في مؤونة هذا العيد المبارك، فقال: نحن رعيته، ونحبه في الله، وما نأخذ شيئا، فراجعته القول، فتبيّن في وجهه الضجر والقلق، فتركته وانصرفت إلى كافور، فأخبرته بدعاء الناس له، فقال: الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة إلى عياله، ثم أخبرته بامتناع ابن جابار، فقال: نعم، هو جديد لم تجر بيننا وبينه معاملة قبل اليوم، عد إليه واطرق الباب، فاذا نزل إليك فاستفتح، واقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
إلى/ قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما
بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى
، يا ابن جابار، يقول لك كافور، ومن كافور، العبد الأسود، ومن مولاه، ومن الخلق بقي لأحد مع الله ملك، تلاشى الخلق كلهم، تدري من معطيك، وعلى من رددت، أنت ما سألت، هو أرسل إليك، يا ابن جابار، ما تفرق بين السبب والمسبب، قال أبو بكر: فركبت وسرت، فطرقت منزله، فنزل إليّ، فقرأت عليه الآية، وقلت ما قال كافور، فبكى ابن جابار، وقال: أين ما حملت؟ فأخرجت له الصرة، فأخذها وقال: علّمنا كافور كيف يكون التصوف، قل له: أحسن الله جزاك، فعدلت إليه فأخبرته، فسرّ بذلك، ثم سجد لله شكرا وقال: الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة إلى عباده.
وبالإسناد عن محمد بن أبي ليلى قال: كنت في مجلس القضاء، وردت عليّ عجوز ومعها شابة، فذهبت العجوز تتكلم فقالت الشابة: أصلح الله القاضي، مرها فلتسكت حتى أتكلم بحجتي وحجتها، وسفرت عن وجه، والله ما ظننت أن يكون مثله إلا في الجنة، قالت: أصلح الله القاضي، هذه عمتي مات أبي وتركني/ يتيمة في حجرها.
أنشدني الشيخ الفاضل عماد الدين أبو المناقب حسام بن غزّي بن يونس المحلي، قال:
أنشدني رضي الدين أبو الحسين بن سالم بن المفرج بن أبي الفتح بن أبي حصينة لنفسه وقد قصد الإفرنج مدينة النبي ﷺ، ليأخذوه، فبعث السلطان حسام الدين لؤلؤ الحاجب في طلبهم فظفر بهم، وضرب رقابهم، من قصيدة يخاطب بها الملك:
علومكم لؤلؤ والبحر مسكنهوالدرّ في البحر لا يخشى من الغير
فأمر حسامك أن يحظى بنحرهمفالدرّ مذ كان منسوب إلى النحر
قال مؤيد الدين محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم الأنباري كاتب ديوان الإنشاء في أيام المقتفي:
لا تيأسنّ إذا حويت فضيلةفي العلم من نيل المرام الأبعد
بينا ترى الإبريز ملقى في الثرىإذ صار تاجا فوق مفرق أصيد
قال عميد الدين أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن زيادة:
إن كنت تسعى للسيادة فاستقمتنل المراد ولو سموت إلى السما
ألف الكتابة وهو بعض حروفهالما استقام على الحروف تقدما
قال الشيخ الأديب الزاهد أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت المعروف بابن الكيزاني المصري:
إذا سفه السفيه عليك فاجعلسكوتك عنه من شرف الخصال
فان جازيت ذا جرم بجرمفما فضل المصون على المذال
وإن كان الدنىء رخيص قدرفمقدار الرئيس عليه غال
فاغضاء الحليم عن المساويأجلّ لديه من بذل النّوال
فما شرف الغنيّ بغير لبّولا نقص اللبيب بغير مال
آخر المنتخب من تذكرة اليغموري.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع