تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

في التذكرة المسماة كنوز الفوائد ومعادن الفرائد

للجمال يوسف بن أحمد بن محمود الأسدي الدمشقي المشهور باليغموري، قدم إلى أبي يوسف مسلم قتل ذميا، فأمر أن يقاد به، ووعدهم ليوم، فدفعت إليه رقعة، فاذا فيها أبيات شعر:

يا قاتل المسلم بالكافرجرت وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافهامن فقهاء الناس أو شاعر
جار على الدين أبو يوسفإذ يقتل المسلم بالكافر
فاسترجعوا وابكوا على دينكماصطبروا فالأجر للصابر

فركب إلى الرشيد، فحدثه بالقصة، وأقرأه الرقعة، فقال له الرشيد: اذهب فاحتل، فلما عاد أبو يوسف إلى داره، وجاءه أولياء القتيل يطالبونه بالقود، قال لهم: ائتوني بشاهدين عدلين أن صاحبكم كان يؤدي الجزية.

قال عز الدين أبو الحسن أحمد بن معقل المهلبي في مدورة:

فخرت بأنّني أمسي وسادهلمن فاق الورى فخرا وساده
وهل أنا غير منزلة لبدريقارن فيّ شمسا بالسعاده
شرفت بأشرف الأعضاء فوقيوسدت بخدمتي لذوي السياده
فهالة كلّ بدر في سماءترى من حسن شكلي مستفاده

وقال في مروحة:

ومروحة أهدت إلي النفس روحهالدى القيظ مشبوبا باهداء ريحها
روينا عن الريح الشمال حديثهاعلى ضعفه مستخرجا من صحيحها

وقال فيها ملغزا:

وما محمولة من غير جهدولا تعب تريح الحامليها
لها نسب علا من أمهاتإلى هجر به تهتزّ تيها
فشهرا ناجر قرّ لدينابما يهدى لنا منها وفيها

وقال أيضا فيها:

ورادة خرقاء معشوقةتبدي لنا الحكمة والفهما
تهتزّ بالبرد ولكنّهاهزتها من غير ما حمّى
لا تكسب السقم ولكنّهاتريح من قد كسب السّقما

وقال أيضا:

إذا رضت أمرا في ذراه صعوبةفرفقا تقده مصبحا ممكنا ظهرا
ولا تأخذن بالقسر ذا نخوة وذاإباء تهج نارا مضرّمة شرّا
فلطمة طرف هيّجت حرب داحسولطمة ملك نصّرت أمّة كفرا
للشاعر عز الدين ابن معقل المهلبي، اقرأ القصيدة

قال محاسن بن إسماعيل الشوّا في بخيل:

لا رعاه الله من برمعادل عن مذهب الكرم
خلقت مقبوضة يدهكالمنادى المفرد العلم

قالت الحكماء: من استعمل هذه الأبواب العشرة، لم يعتل مدة حياته، لا يأكل طعاما وفي معدته طعام، ولا يأكل ما تضعف أسنانه عن مضغه، فتضعف معدته عن هضمه، ولا يشرب الدواء ما لم تكن له إليه حاجة داعية، ولا تخرج الدم فانه في البدن يحرس النفس، ويستعمل في كل أسبوع قيّه، ولا يحبس البول إذا حضره، ولو على سرجه، لكي لا يعقره، ويعرض نفسه على الخلاء قبل النوم، ويدخل الحمام في كل يومين مرة، فانه يخرج من الجسد ما لا يدخل إليه الدواء، ولا يستعمل الجماع كثيرا، فانه يقتبس/ نور الحياة، ولا يجامع العجوز فانه يورث الموت فجأة.

وقال بعض الحكماء: ثلاث لا يحفظهن إلا حازم، ولا يضيعهن إلا عاجز؛ إياك أن تبلغ بطعامك حد الامتلاء، أو تشرب الماء على غير ظمأ، أو تجامع من غير فضل شهوة. وقال جالينوس: ما دخل الرمان جوفا فاسدة إلا أصلحها، ولا دخل التمر جوفا صالحة إلا أفسدها.

وقال بقراط: المريض الذي يشتهي أرجى من الصحيح الذي لا يشتهي. قال فيلسوف: الكرام أصبر نفوسا، واللئام أصبر أبدانا. قال هارون الرشيد للفضيل بن عياض:

ما أزهدك؟ قال: أنت أزهد مني، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية، والآخرة باقية.

لما قدم عبد العزيز بن مروان على أخيه عبد الملك/ من ولاية مصر، خرج لاستقباله، فرأى رحله على ألف جمل، فقال لمن يسايره: ما عير أحق بأن يقال لها: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ

من هذه، فبلغت كلمته عبد العزيز فقال: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ

لما سلّم نجاح بن مسلمة إلى موسى بن عبد الملك ليستأدي ما عليه، تلف من مطالبته، فاجتمع بعض الرؤساء بأبي العيناء فقال: ما عندك من خبر نجاح؟ فقال:

فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ

فبلغت كلمته موسى، فلقي أبا العيناء فتهدده، فقال له:

أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ

تنبأ رجل في زمن الرشيد، فأحضره وجرده، وضربه بالسياط، فأخذ يصيح ويستغيث، فقال له المأمون وهو صبي: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ

خلف الرشيد في/ بيت المال ثمانية وأربعين ألف ألف دينار.

خطب الحجاج ذات يوم فقال: أيها الناس، إن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله، فقام إليه رجل فقال: ويحك يا حجاج، ما أصفق وجهك، وأقل حيائك، فأمر به فحبس، فلما نزل عن المنبر، دعا به فقال له: لقد اجترأت عليّ، فقال له: أتجترئ على الله فلا تنكره، ويجترأ عليك فتنكره، فخلى سبيله.

سئل جعفر الصادق عن الزهد، فقال:

لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ

. قال الإمام الشافعي ﵁:

إنّ الذي رزق اليسار ولم يصبحمدا ولا أجرا لغير موفق
الجدّ يدني كلّ أمر شاسعوالجدّ يفتح كلّ باب مغلق
وإذا سمعت بأنّ مجدودا حوىعودا فأثمر في يديه فصدّق
وإذا سمعت بأن محدودا أتىماء ليشربه فغاض فحقّق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتنيبنجوم أقطار السماء تعلقي
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
لكن من رزق الحجى حرم الغنىضدان مفترقان أيّ تفرّق
ومن الدليل على القضاء وكونهبؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

وقال بعضهم:

قناديل دين الله تسعى بحملهارجال بهم يحيى حديث محمد
محابرهم زهر تضىء كأنّهاقناديل حبر ناسك وسط مسجد
تساق إلى من كان بالفقه عالماومن صنّف الأحكام في كلّ مسند

وقال آخر:

لمحبرة تجالسني نهاريأحبّ إليّ من أنس الصديق
ورزمة كاغد في البيت عنديأعزّ عليّ من عدل الدقيق
ولطمة عالم في الخدّ منّيألذّ لديّ من شرب الرحيق

وقال آخر:

أنست بوحدتي ولزمت بيتيقدام الأنس لي ونما السرور
وأدبني الزمان فلا أباليهجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بقائل ما دمت حيّاأسار الجند أم ركب الأمير

وقال آخر:

زمان قلّ فيه الناسحتى كأنّ الناس في فلك البروج
وقالوا قد لزمت البيت جدافقلت لفقد فائدة الخروج
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة

قال الحافظ أبو طاهر السلفي، أنشدني أبو عامر محمد بن سعدون بن المرجّى العبدري ببغداد/ أنشدني أبو علي المعافري الأندلسي بالمغرب، أنشدني أبو داود النحوي، أنشدني أستاذي غانم اللغوي المالكي لنفسه:

صيّر فؤادك للمحبوب منزلةسمّ الخياط مجال للحبيبين
ولا تسامح بغيضا في معاشرةفقلما تسع الدنيا بغيضين

وقال آخر:

إذا شئت أن تستقرض المال منفقاعلى شهوات النفس في حالة العسر
فسل نفسك الإقراض من كيس صبرهاعليها وإنظار إلى زمن اليسر
فان فعلت كنت الغنيّ وإن أبتفكلّ ملوم دونها واسع العذر

من أحسن ما يذكر به تابعيان بين وفاتيهما مائة وخمسون سنة، أحدهما معضد بن يزيد توفي سنة ثلاثين من الهجرة، والثاني خلف بن خليفة، توفي سنة ثمانين ومائة، وقيل إحدى وثمانين ومائة./

لقي أبو العتاهية بشار بن برد، فقال له بشار: ما الذي استحدثت بعدي، فقال:

كم من صديق لي أسارقه البكاء من الحياء
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «سبحان جبار السماء»
فاذا رآني راعنيفأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتديفطرقت عيني بالرداء
قالوا فكلتا مقلتيك أصابها طرف الرداء

فقال له بشار: ما أشعرك لولا أنك سرقتني، قال: حين تقول ماذا؟ قال، حين أقول:

وقالوا قد بكيت فقلت كلاوهل يبكي من الطرب الجليد
ولكني أصاب سواد عينيعويد قذى له طرف حديد
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «حللنا آمنين بخير عيش»
فقالوا ما لدمعهما سواءأكلتا مقلتيك أصاب عود
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «حللنا آمنين بخير عيش»

فقال أبو العتاهية: وأنت فما أشعرك لولا أنك سرقت عمر بن أبي ربيعة، حيث يقول:

انهلّ دمعي في الرداء صبابةفسترته بالبرد عن أصحابي
فرأى سوابق عبرة منهلةعمرو فقال بكى أبو الخطاب
فمريت نظرته وقلت أصابنيرمد فهاج الدمع للتسكاب

فقال بشار: وما أشعر عمر لولا أنه سرق الحطيئة في قوله:

إذا ما العين فاض الدمع منهاأقول بها قذى وهو البكاء
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا أبلغ بني عوف بن كعب»

وبيت الحطيئة أشعر مما تقدم لسبقه إلى المعنى واختراعه إياه.

لما قدم عمر بن هارون مكة، وهو غلام، أخذ في الاختلاف إلى عبد الملك بن جريج وهو عالمها، فأقام عنده سنين، وبرّعه ابن جريج في العلوم، إلى أن رأى عمر أنه ظفر بما عند ابن جريج من فوائد العلوم، وأنواع الآداب، فأخذ من أهبة الإفاضة من

مكة إلى بلخ، فلما رآه ابن جريج عازما على ذلك، قال له: أخّر يوما حتى أجمع بينك وبين أشراف مكة، فأجاب إلى ذلك، ودعا أشراف مكة، فلما أخذوا مجالسهم، ومدت الأطعمة، أقام ابن جريج على رأس عمر غلاما بديعا، قد استحكم الأدب، وقال له: إذا رأيت من هذا الخراساني عيبا فاعلمه.

فقدم الوضوء إلى عمر، فلما غسل يديه مس عارضه بيده اليمنى، فقال له الغلام:

أخطأت يا خراساني من مسّك عارضك بعد غسل يدك، وأمره باعادة الغسل. فلما وضعت المائدة وقدّمت القصاع، بدأ عمر يفتّ الخبز في المرقة، فقال له الغلام، أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: في هشمك الثريد/ قبل ذوقك له، فانك لا تدري ما طعمه، فلعلك تعافه، فتكون قد أفسدته، وإذا بدأت بذوقه ووافقك طعمه، هشمت الثريد على علم منك بموافقته إياك، قال: صدقت، ثم ذوّق فيه فلقة خبز، يتحرى بذلك، فقال له الغلام:

أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: من مخالفة حديث النبيّ ﷺ حين قال: (ابدأوا بالملح واختموا بالملح ثلاث لقم)، لم يقل ابدأوا بالذوق، قال: صدقت.

فبدأ بالملح، ثم عاد إلى الثريد، فجعل يأكل ويمسح أصابعه بالمنديل في كل لقمة، فقال له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: مسحك الأصابع في كل لقمة بالمنديل، ولعق الأصابع مما ندب النبي ﷺ، إليه قال: صدقت، فلما قدم الإرز مزق عمر رقاقة يقي بها أصابعه حرّ الإرز، فقال له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟

قال: من رفعك اللقمة الحارة فتضعها في فيك حارة فتحرق، وتستحي من أصحابك أن تلفظها فتبتلعها، فتحرق معدتك، ولا تدري كيف تخلص منها، قال عمر: صدقت، فخجل وأمسك. قال له الغلام: أخطأت يا خراساني./

قال: فيم؟ قال في إمساكك عن الطعام قبل إمساك من على المائدة، أو ما سمعت قول العرب: لا تكن أول من يمسك عن الطعام، فيستحي منك من لم يستوف، فيمسك لإمساكك، ولا تكن آخر من يمسك فتنسب إلى النهم والرغابة، فجعل عمر يساعد من على المائدة إلى أن استوفوا.

فلما رفعت المائدة، وقرّب إليه الوضوء، مد عمر يده اليسرى لأخذ الحرض، فقال

له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: في أخذ الشىء النقي بالشمال، وقد نهي عنه، قال: فمد اليمنى باسطا إلى الخادم ليصب عليه الحرض، فقال: أخطأت يا خراساني، قال: فيم، ولا يأخذ الشىء بعد اليسرى إلا باليمنى، قال الغلام: ولكن إذا صبّ الحرض على يمينك، ثم ألقيته على يسارك، تكون عملت عملا واحدا مرتين، ولكن خذ المحرضة باليمنى، وصب الحرض بها على اليسرى، ثم ردّ المحرضة، وقد أخذت الشىء النقي باليمين، ولم يجد العائب عليك عيبا، قال: صدقت.

وأخذ الماء فرحض كفيه ظاهر هما وباطنهما فقال له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال:

فيم؟ قال: في تحريضك ظاهر كفيك بالحرض، قال عمر: وأي بأس في ذلك؟ قال:/ في ذلك خصلتان ذميمتان، قال عمر: ما هما؟ قال: أما الخصلة الأولى فيدل على أنك غمست يديك في المرقة، وذلك من وجهين ذميمين، أما سوء الأدب، وأما الشره والنّهم، وأما الخصلة الثانية، فيدل على أنك تريد بذلك إزالة وسخ عليهما، وكل ذلك وبعضه أقبح من بعض، فقال عمر: ابن كم أنت؟ قال: ابن أب واحد، قال: إنما عنيت سنك، قال: فقل ابن كم سنة أنت، قال: ابن ثمان حجج، فقال: أحيّة أمك؟ فقال الغلام: ما هي بحيّة ولا عقرب، ولكنها امرأة، قال عمر: فكيف أقول؟ قال قل: من الأحياء أمك؟ فقال عمر في نفسه، وتقاصرت إليه نفسه، إني لم أتعلم أدب الأكل والشرب، فلست براجع، ووطن نفسه على المقام عند ابن جريج، فما فارقه إلا بعد سنين، أخرجه الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتاب صفوة التصوف بسنده إليه./

وذكر أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي في تاريخ مصر، المذيل به على كتاب ابن يونس، دعا أحمد بن طولون برجل، فأدخل إليه، فقال لحاجب من حجابه: خذ هذا

فاضرب عنقه، وأتني برأسه، فأخذه ومضى به، فأقام طويلا، ثم أتى وليس معه شىء، فقال له أحمد بن طولون: ما قصتك؟ فقال: الأمان، قال: لك الأمان، قال: مضيت بالرجل لأضرب عنقه، فجزت ببيت خال، فقال لي: أئذن لي أدخل هذا البيت، فأصلي فيه ركعتين، فاستحييت من الله أن أمنعه من ذلك، فأذنت له فدخل، فأطال، فدخلت إلى البيت فلم أجد فيه أحدا، وليس في البيت طاق نافذ، فجئت لأخبرك بذلك، قال:

فهل سمعته يقول شيئا؟ قال: نعم، سمعته يقول وقد رفع يديه: يا لطيفا لما يشاء، يا فعّالا لما يريد، صلّ على محمد وآله، والطف بي في هذه الساعة، وخلصني من يديه. فدخلت البيت بعد هذا أطلبه فلم أجد فيه أحدا، فقال له أحمد بن طولون: صدقت،/ هذه دعوى مستجابة.

وفيه أيضا: قال لي عبد الرحمن بن إسماعيل النحوي العروضي: توفي أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصوفي صاحب التاريخ، يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لست وعشرين ليلة مضت من جمادى الآخرة، سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وصلى عليه أبو القاسم بن حجاج فقلت أندبه:

بثثت علمك تشريقا وتغريباوعدت بعد لذيذ الأنس مندوبا
أبا سعيد وما يألوك أن نشرتعنك الدواوين تصديقا وتصويبا
ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبهحتى رأيناك في التاريخ مكتوبا
أرّخت موتك في ذكري وفي صحفلمن يؤرخني إذ كنت محسوبا
نشرت عن مصر من سكانها علمامبجلا بجمال القوم منصوبا
كشفت عن فخرهم للناس ما سجعتورق الحمام على الأغصان تطريبا
أعربت عن عرب نقّبت عن نخبسارت مناقبهم في الناس تنقيبا
نشرت ميّتهم حيّا بنسبتهحتى كأن لم يمت إذ كان منسوبا
إنّ المكارم للإحسان موجبةوفيك قد ركّبت يا عبد تركيبا
حجبت عنّا وما الدنيا بمظهرةشخصا وإن جلّ إلا عاد محجوبا
كذلك الموت لا يبقي على أحدمدى الليالي من الأحباب محبوبا

أنشد أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم:

لعمرك ما كل التعطل ضائراولا كل شغل فيه للمرء منفعه
إذا كانت الأرزاق في القرب والنوىعليك سواء فاغتنم لذة الدّعه
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
وإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترىألا ربّ ضيق في عواقبه سعه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وقال الفقيه عمارة اليمني:

لولا تقدم ذنب الدهر ما حسنتعندي مواقع ما يولي من النعم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «العلم مذ كان محتاج إلى العلم»
كصحة الجسم لا يدرى بقيمتهاما لم ينبه عليها عارض السقم

وقال آخر:

ازهد إذا الدنيا أنالتك المنىفهناك زهدك من شروط الدين
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
فالزهد في الدنيا إذا ما رمتهادأبت عليك كعفة العينين

وقال آخر:

هجروك فاستوحشت من هجرانهملو كنت أهلا للوصال لواصلوا

وقال آخر:

أترى تجمعني الدار بهممثل ما كانت قديما جمعت
وأنادي بين أكناف الحمىهذه دولتنا قد رجعت

قال العزّ أبو الحسن أحمد بن معقل: مات صديق لي فرأيته في المنام وهو يقول لي: لم لا رثيتني، وأنت أنشدتني لابن سعادة الشاعر:

أو ما شعرت أخا النّهىأن لا يموت صديق شاعر

فأصبحت ورثيته.

دخل أعرابي على معن بن زائدة فأنشده:

أصلحك الله قلّ ما بيديفما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر رمى بكلكلهفأرسلوني إليك وانتظروا

فقال معن: لا جرم والله لأعجّلنّ أوبتك، ثم قال: ناقتي الفلانية، وألف دينار، فدفعها إليه وهو لا يعرفه.

خرج سفيان بن عيينة إلى أصحاب الحديث وهو ضجر، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيد، وجالس أبا سعيد الخدري، وجالست عمرو بن دينار، وجالس جابر بن عبد الله، وجالست عبد الله بن دينار، وجالس ابن عمر، وجالست الزهري، وجالس أنس بن مالك، حتى عدد جماعة، ثم أنا أجالسكم، فقال له: حدث في المجلس والله لشقاء من/ جالس أصحاب رسول الله بك أشدّ من شقائك بنا، فأطرق وتمثل بشعر أبي نواس:

خلّ جنبيك لراموامض عنه بسلام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خل جنبيك لرام»
مت بداء الصّمت خيرلك من داء الكلام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خل جنبيك لرام»

فسأل: من الحدث؟ فقالوا: يحيى بن أكثم، فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة السلطان، قال: وكان يحيى بن أكثم يحسد حسدا شديدا، وكان مفنّنا، فكان أذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه، سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام، ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكي حافظ، فرآه مفننا، فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم، قال: فما تحفظ من الأصول؟ قال:

أحفظ شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن عليا رجم لوطيا، فأمسك ولم يكلمه. قال،

وقال المأمون ليحيى بن أكثم وهو يعرّض به: من الذي يقول:

قاض يرى الحدّ في الزناء ولايرى على من يلوط من باس
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة

قال: أو ما يعرف أمير المؤمنين من قاله؟ قال: لا، قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:

أميرنا يرتشي وحاكمنايلوط والراس شرّ ما راس
لا أرى الجور ينقضي عجلاوعلى الأمة وال من آل عباس

فأفحم المأمون وسكت خجلا.

وولي [يحيى بن أكثم] قضاء البصرة وسنّة عشرون سنة أو نحوها، فاستصغره أهل البصرة، فقال له أحدهم: كم سن القاضي؟ فعلم أنه قد استصغره، فقال له: أنا أكبر من عتّاب بن أسيد الذي وجّه به النبي ﷺ قاضيا على مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي ﷺ قاضيا على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور الذي وجّه به عمر بن الخطاب قاضيا على أهل البصرة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.