تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

إنّه لوابصة سمع

أي يثق بكل ما يسمع. وقولهم: إنّما فلان هامة اليوم أو غدٍ، إذا كان مسنا، أي يموت في يومه أو غده. والهامة: طائر يخرج من رأس الميت. يزعمون إنّه إذا قتل القتيل خرج من رأسه طائر، فلا يزال يصيح: اسقوني! حتى يقتل قاتله، كما قيل:

يا عمرو، إلاّ تدع شيمتي ومنقصتيأضربك حيث تقول الهامة: اسقوني!

وقال دريد بن الصمة فيما نحن فيه:

وهون وجدي إنّما هو فارطإمامي وإني هامة اليوم أو غد

وقال كثير:

فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوىفباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تظلُّ ابنة ُ الضَّمريِّ في ظلِّ نعمة ٍ»
وكل خليل زارني فهو قائلمن أجلك هذا هامة اليوم أو غد

وكأنه اعتبر هنا المعنى المقصود فقط دون السن. وتمثل بهذين البيتين يزيد حين ماتت جارية حُبابة في القصة المشهورة.

ومن الأمثال العامية في هذا الباب قولهم: " إذا أراد الله إهلاك النملة جعل لها أجنحة تطير بها "، يضرب للمتسبب سببا يعطب به، لأن الطير يصيدها إذا طارت. وإلى هذا المثل أشار أبو العتاهية بقوله:

وإذا استوت للنمل أجنحةٌ حتى يطير فقد دنا عطبه

وكان الرشيد كثير ما يتمثل به عند نكبة البرامكة. وقولهم:

إذا امتلأت القربة ترشحت يضرب للرجل تكثر ذات يده، فلا بد أنَّ ينال شيء مما عنده. وقول أبي محمّد: أنا عربيد، وأنت رعديد، وبيننا بونٌ بعيد. والعربدة: سوء الخلق؛ والعربيد والمعربد: الموذي نديمة عند السكر. والرعديد، الجبان الفزاع. والبون: الفضل والمقدار. وقولهم: إنَّ لم تجدوا ناراً فاقلوا قلية! يضرب لمن استحمق فطلب أمراً حيت المظنة عدمه. وقولهم: الآن يمد أبو حنيفة رجله! زعموا إنَّ الأمام أبا حنيفة، ﵀، كان به ذات مرة ألم في رجله، فكان يمدها في المجلس بين يدي أصحابه. ثم إنّه يوماً حضر مجلسه رجل ذو هيئة كث اللحية لا يعرفه، فتوهمه فقيها وقبض رجله استحياء وصبر على ذلك مدة، والرجل لا يتكلم بشيء فبان له منه خلاف الظن، فمد رجله وقال ذلك.

هذا ما تيسر إيراده في هذا الباب من منثور الأمثال، بحمد ذي المن والافضال. وقد كنت أردت إنَّ أقتبس الأمثال المضروبة في الشعر وأجلبها، وأودع كل باب من هذا الكتاب جملة وافرة منها، مشروحة مع التنبيه على شجرتها، واصل ثمرتها. ثم بدا لي أنَّ ذلك بحر لا يدرك غوره، ومنزع لا ينال طوره. فرأيت أنَّ اقتصر على إيراد الأمثال النثرية، وإردافها بالأمثال الشعرية، متضمنة لمّا ضرب فيها إلاّ أنَّ يكون شيء قد انتزع قبل فأذكره. ورأيت

أنَّ انبه في هذا الباب خصوصا على بعض ذلك ليقيس عليه من احب استعماله مستغنياً بذلك عن إعادة مثله في كل باب، فأقول:

أبى منبت العيد اَنِ أنْ يتغير أخذناه من قول جميل بن عبد الله بن معمر العذاري:

بنو الصالحين الصالحون ومن يكنلآباء صدق يلقهم حيث سيرا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
أرى كل عودٍ نابتا في أرومةٍأبى منبت العيدان أنَّ يتغيرا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

وقبل هذين البيتين يخاطب الحجاج:

أبوك حبابٌ سارق الضيف رحلهوجدي يا حجاج فارس شمرا

وشمر: اسم فرس أنثى، وآباء الصدق: آباء الخير ز الصلاح والكرم. ومعنى سير أكثر السير. والمعنى أنَّ من كان كريم الأصل، رفيع الحسب، جرى على ذلك حيثما ذهب، وكيفما انقلب. والأرومة، بفتح الهمز، وتضم، الأصل. قال زهير:

صبحنا الخزرجية مرهفاتأبار ذوي أرومتها ذووها
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لقد ولى أليته جؤي»

والجمع أروم. قال أيضاً:

له في الذاهبين أروم صدقٍوكان لكل ذي حسب أروم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن طلل برامة لا يريم»

وقوله: أبى منبت العيدان اَنِ الخ: يريد الناس أصول مختلفة، وأعراق متباينة، كما في حديث: الناس معادن، وكل أحد باق على أصله: فمن كان من أصل كرم لم يتحول منه، ومن كان من أصل لؤم لم ينحرف عنه وجعل الناس أعواداً وأعرقها منابت على طريق التمثيل.

إنَّ المحب لمن يهواه زوار طلع رجل من حجيج المغرب إلى عرفة، فلقي شيخا كبيراً، فقال له الشيخ: من أين أنت؟ قال: من المغرب. قال: كم بينكم وبين هذا البيت؟ قال: نحو ستّة أشهر فقال الشيخ: اتحجون كل عام؟ قال: ل. فقال: الشيخ لو كنا منكم لم يفتنا الحج أبداً. فقال له الرجل: وممن أنت؟ قال: من كذا بلد، بعيد بمسيرة عام أو نحوه وانشد:

زر من تحب وإنَّ شطت بك الداروحال من دونه سهل وأوعار
لا يمنعنك بعد عن زيارتهإنَّ المحب لمن يهواه زوار

والهوى: العشق في الخير والشر. يقال: هويته بالكسر يهواه هوى، مقصور.

والزوار: الكثير الزيارة. وكان بشر بن مروان شديد على العصاة، وكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كرسي وسمر كفيه بالمسامير على الحائط، ثم نزع الكرسي من تحته، فيبقى معلقا يضطرب حتى يموت. وكان فتى من بني عجل مع المهلب بن صفرة في حروب الازارقة، وكان عاشقا لابنة عم له. فكتب إليه تستزيره فكتب إليها:

لولا مخافة بشر أو عقوبتهوأنَّ يشد على كفي مسمار
إذا لعطت ثغري ثم زرتكمإنَّ المحب إذا ما اشتاق زوار

فكتبت إليه:

ليس المحب الذي يخشى العقاب ولوكانت عقوبته في إلفه النار
بل المحب الذي لا شيء ينفعهأو يستقر ومن يهوى به الدار

فلما كتبها عطل ثغره وجاءها وهو يقول:

أستغفر الله إذ أخشى الأمير ولماخش الذي أنا منه غير منتصر
فشأن بشر بلحمي فليعذبهأو يعف عفو أمير خير مقتدر
فما أبالي إذا أمسيت راضيةيا هند ما نيل من شعري ومن بشري!

فلم يلبث إنَّ وشي به إلى بشر فأتي به فقال: يا فاسق، عطلت ثغرك، هلم بالكرسي! فقال: عز الله الأمير! إنَّ لي عذراً فقال: وما عذرك؟ فأنشده الأبيات، فرق له وكتب إلى المهلب أنَّ يثبته في أصحابه.

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.