تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

إنَّ الحر حر

أخذناه من قول الشاعر:

عرضت نصيحة مني ليحيىفقال غششتني والنصح مر
ومالي أنَّ أكون أعيب يحيىويحيى طاهر الأثواب بر
ولكن قد أتانا أنَّ يحيىيقال عليه في نقعاء شر
فقلت له: تجنب كل شيءيعاب عليك إنَّ الحر حر

والشاعر هو مخيس بن أرطأة الأعرج يخاطب رجلا من بني حنيفة يسمى يحيى كان

يأتي امرأة في قرية من قرى اليمامة، وهي التي سماها في الشعر. وقوله إنَّ الحر حر، أي إنَّ الحر باق على ما عهد في الأحرار من الهمم العلية، والأخلاق الزكية، ومجانبة الريب، والحذر من سوء المنقلب.

ومثله قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري، أي شعري هو ذلك المعروف بجزالته وفصاحته وسلاسته.

وكذلك قولهم: الناس أي هم على ما عهد فيهم.

ومثل ذلك قول العامة: الحر لا يكون إلاّ حراً، والرجل لا يكون إلاّ رجلاً والعبد لا يكون إلاّ عبداً. ونحو هذا يضربونه عند تقصير الإنسان عن بعض ما يحق له أو تعاطيه مالا ينبغي له.

وقوله تجنب كل شيء يعاب عليك، هذا من حفظ المروءة. قيل الأحنف بن قيس: بم بلغت ما بلغت؟ فقال: لو عاب الناس الماء ما شربته. وقيل لعبد المالك بن مروان، وقد بالغ في الثناء على المصعب بن الزبير ﵁ يوم قتله: أكان المصعب يشرب الطلا؟ فقال: لو عيب ما شربه. ووصف عمرو بن العاصي بعض الأشراف فقال: إنّه أخذ بثلاث، تاركٌ لثلاث: آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، ويحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر الأمرين عليه إذا خولف؛ تاركٌ للمراء، تاركٌ لمقاربة اللئيم، تاركٌ لمّا يعتذر منه. وقال أعرابي يوصي صديقاً له: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإنَّ كان عندك اعتذاره: فليس من حكى عندك نكراً، توسعه فيك عذراً. وهذا كما قال الأول:

قد قيل ما قيل إنَّ صدقاً أو كذباً،فما اعتذارك من قولٍ إذا قيلا؟

إنَّ الحسان مظنة للحاسد أخذناه من قول الحماسي:

بيضاء آنسة الحديث كأنهاقمر توسط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسدإنَّ الحسان مظنة للحاسد
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بيضاء باكرها النعيم كأنها»

الحسان جمع حسناء. يقال: جارية حسناء وحسنة وحسانة على مثال رمانة، فهم حسان وحسانات، ورجل حاسن وحسن. وحسين وحسان بضم الحاء مع

تشديد السين وتخفيفها، فهم حسان وحسانون. ومظنة الشيء بكسر الظاء: موضع يضن فيه وجوده. والحسد جنع حاسد وحاسدة. والمعنى أنَّ الحسناء مظنة لأن تحسد على حسنها. وكذا كل من له فضيلة ما مزية ما فهو مظنة لأن يحسد كما يقال: كل ذي نعمة محسود. ومن يمتدح بكثرة الحساد ويذم بقلتهم لأن وجود الحساد كناية عن وجود الفضل والنعمة كما قيل:

حسدوا مروءتنا فضلل سعيهمولكل بيت مروءة أعداءُ

وقال آخر:

إن يحسدوني فإني غير لائمهمقبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن يحسدوني فإني غير لائمهم»
فدام لي ولهم ما بي وما بهمومات أكثرنا غيظا بما يجدُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن يحسدوني فإني غير لائمهم»
أنا الذي يجدوني في صدورهملا أرتقي صدرا منها ولا أردُ

وقال أبو الأسود أو غيره:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالقوم أعداءٌ له وخصومُ
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»
كضرائب الحسناء قلن لوجههاحسداً وبغضاً إنّه لدميمُ

وقال عمار بن عقيل بن بلال بن جرير:

ما ضرني حسد اللئام ولم يزلذو الفضل يحسده ذوو النقصان
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

وقال بشار:

لا عشت خلوا من الحساد إنهمأعز فقداً من الائي أحبوني
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد أذهب الداء حسادي بكثرتهم»
أبقى لي الله حسادي برغمهمحتى يموتوا بداء غير مكنون

وقال محمود:

أعطيت كل الناس مني الرضىإلاّ الحسود فانه أعياني
لا أنَّ لي ذنباً لديه علمتهإلاّ تظاهر نعمة الرحمنِ
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أعطيت كل الناس من نفسي الرضا»

وقال أبن أبي الطاهر:

ولم يزل ذو النقص من نقصهيحسد ذا الفضل على فضله
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

وقال الآخر: ونعمة الله مقرونٌ بها الحسدُ

وقال الآخر: ولن ترى للئام الناس حساداً

إنَّ التخلق يأتي دونه الخلُقُ أخذناه من قول الحماسي:

عليك بالقصد فيما أنت فاعلهإنَّ التخلق يأتي دونه الخلق

والخلق بضم الخاء واللام وتسكن: السجية والطبع؛ وتخلق الرجل بغير خلقه: تكلف ذلك. والمعنى إنَّ السجايا لا تزول، والخلائق القديمة لا تحول كما قيل:

يرام من القلب نسيانكموتأبى الطباع على الناقل

ومن كلام العامة: تنتقل الجبال ولا تنتقل الطباع: فمتى تخلق الإنسان بغير خلقه وتكلف ما ليس في طوقه لقى العناء الشديد أو افتضح غير بعيد كما قال حسان: إنَّ لا خلائق فاعلم شرها البدع وسيأتي إتمام المعنى في قولهم: الطبع أملك في حرف الطاء إن شاء الله تعالى.

إنَّ السم مشروب أخذناه من قول الحماسي عبد الله بن عنمة الضبي:

ما إن ترى السيد زيداً في نفوسهمكما تراه بنو زيد ومرهوبُ
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة
إن تسألوا الحق نعط الحق سائلهوالدرعُ محقبة والسيفُ مقروبُ
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة
وإن أبيتم فإنا معشرٌ أنفٌلا نطعم الخسف إنَّ السم مشروبُ
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة
فازجر حمارك لا يرتع بروضتناإذا يرد وقيد العير مكروبُ
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة

السيد بالكسر: قبيلة من ضبة؛ وزيد ومرهوب: حيان من ذهل بن شيبان. يقول: إنكم لا تعظمون في نفوسنا كما يعظم بعضكم في نفوس بعض؛ فإنَ طلبتم الحق أعطيناه وكان السلم بيننا حتى تكون الدرع محقبة أي مجعولة في الحقائب وهو مؤخر الرحال وتكون السيوف مقروبة أي مجعولة في قربها لعدم الحاجة إلى استلالها. وقوله:

أنف جمع أنوف. والخسف: الظلم والذل. والمعنى: إننا نمتنع أن تلمسنا يد الظالم ونعاف أن نطعم الهوان والضيم ويهون علينا في نيل العزة والارتفاع تجشم غمرات الدفاع واصطلاء جحيم القراع حتى نشرب سموم الموت المنقعة بأطراف الأسنة المشرعة. وضرب الطعم لنيل الهوان، وشرب السم للموت والألم مثلا.

إنَّ الكريم إذا خادعته انخدع هذا في شعر لم أثبته الآن. وقد تمثل بهذا المثل الرشيد وذلك إنّه سخط على حميد الطوسي فدعا له بالنطع والسيف لتضرب عنقه. فلما أخذ من بين يديه لتضرب عنقه بكى فقال له الرشيد: ما يبكيك؟ أجزعاً من الموت؟ قال: لا ولكن بكيت أن أخرج من الدنيا وأمير المؤمنين عليَّ ساخط. فضحك الرشيد وأنشد: إنَّ الكريم إذا خادعته انخدع ثم وهبه للحسن بن قحطبة.

إنَّ ليتاً وإنَّ لوّاً عناءُ أخذناه من قول الحماسي:

إنّما مت غير أني حيّيوم بانت بودها الحسناءُ
من بني عامرٍ لها شطر قلبيقسمةٌ مثل ما يشقُ الرداءُ
أشربت لون صفرة في بياضٍوهي في ذاك لدنةٌ غيداءُ
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
كل عينٍ متى تراها منالناس أليها مديمة حولاءُ
ليت شعري وأين مني ليتإنَّ ليتا وإنَّ لوا عناءُ
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

وأراد بالليت الضمني وجعله اسمه كقوله: ليت وهل ينفع شيئا ليت؟ ولو هنا هي التي تكون للتمني نحو: لو تأتينا فتحدثنا. وجعله اسما كقوله:

ألامُ على لو ولو كنت عالمابأذناب لو لم تفتني أوائله

والعناء: المشقة والتعب. يريد أنَّ ما ذكر بعيد المطلب فتمنيه مشقة وتعب. وللبيتين الأولين قصة ظريفة وهي إنّه فيما يزعمون لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ قاضٍ يميل إلى سماع الشعر فطرب لذلك طربا شديدا وقام من مجلسه وأخذ نعاله وعلقهما في أذنيه وجعل يقول: أهدوني فإني هدية! فبلغ ذلك عمر رضي الله

عنه فعزله. قال: لم عزلتني؟ امرأته طالق لو سمعها لقال: أركبوني فإني مطية! فلما بلغ خبره عمر أمر أن يؤتى به مع الجارية. فلما جلسا بين يديه قال له: مرها أن تغني بذلك الغناء! فلما غنت اضطرب عمر لذلك اضطرابا شديدا ودخلته الأريحية واستعاد الصوت منها مرارا وبكى وقال للقاضي: قد قاربت يمينك ورده إلى قضائه.

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.