من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
أي الرجال المهذبُ
؟
أخذناها من قول النابغة يعتذر للنعمان:
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمهُعلى شعثٍ أي الرجال المهذبُ؟
والتهذيب: التصفية والتنقيح؛ والرجل المهذب: المطهر الأخلاق. والاستفهام للنفي أي لا رجل يكون أبدا حسن الفعال طاهر الخلال محمود الخصال إلاّ من عصم كقول الآخر:
من ذا الذي ما ساء قط؟ومن له الحسنى فقط؟
وإذ بينا يقال هذا البيان على تيسر من الأمثال النثرية فلنلم بشيء من الأمثال الشعرية أو ما يكون جاريا على منهاجها وماضيا على أدراجها قال الحماسي أمية بن أبي الصلت الثقفي يمدح عبد الله بن جدعان القريشي التيمي:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك؟ إنَّ شيمتك الحياءُ
وعلمك بالحقوق وأنت فرعٌلك الحسب المهذب والسناءُ
وأرضك كل مكرمةٍ بنتهابنو تيمٍ وأنت لها سماءُ
خليلٌ لا يغيره صباحٌ عن الخلق الكريم ولا مساءُ
إذا أثنى عليك المرء يوماًكفاه من تعرضه الثناءُ
تباري الريح مكرمة ومجداًإذا ما الكلب أجحره الشتاءُ
والذي يتمثل به كثيرا منه قوله: أأذكر حاجتي.. البيت، وقوله خليل لا يغيره.. البيت، مع الذي بعده وقد يقرن بينهما. والمضرب واضح. وكثيرا ما
ينشد السادات الصوفية: كريم ما يغيره صباح، الخ، يتمثلون بذلك عند التنبيه على أنَّ التعرض لمواهب المولى جلة كلمته، ومزيد منحه الجميلة ومنه الجزيلة بطريق الثناء والشكر والذكر وكثرة التحميد والتبجيل والتعبد والمجاهدة، أبلغ من التعرض لذلك بمجرد الدعاء طلبا لنيل حاجة. وهذا ورد في كلام الشارع صلوات الله وسلامه عليه: أفضل الدعاء الحمد لله! وقال تعالى:) لئن شكرتم لأزيدنكم (. وهذا مقام يبين في محله. وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:
دع عنك لومي فإنَ اللوم إغراءُوداوني بالتي كانت هي الداءُ
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتهالو مسها حجرٌ مسته سراءُ
حتى قال:
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةٍكانت تحل بها هندٌ وأسماءُ
فقل لمن يدعي في الحب معرفةًعرفت شيئاً وغابت عنك أشياءُ
والذي يتمثل به منها كثيرا الشطر الأول والأخير. أما الأول فقد أخذه أبن قلاقس فقال:
فدعي الملامة في التصابي واعلميأنَّ الملامة ربما تغريني
واكثر الشعراء في هذا النحو وكلهم مقتبسون منه حائمون عليه. فمن ذلك قول أبن شرف:
قل للعذول: لو أطعت على الذيعاينته لعناك ما يعنيني
أتصدني أم للغرام تردنيوتلومني في الحب أم تغريني؟
دعني فلست معاقبا بجنايتيإذ ليس دينك لي ولا لك ديني
وقول الآخر:
وما عذولي ناهيا عنكملكنه بالصبر أمارُ
قال: اسلهم إن لم تطق هجرهمقلت له: النار ولا العارُ
وقول الآخر:
يقول لي العاذل في لومهوقوله زورٌ وبهتانُ
ما وجه من أحببته قبلةٌقلت: ولا قولك قرآنُ
وقول الآخر:
يا عاذلي ليس مثلي من تفندهوليس مثلك مأمونا على عذلي
ما دمت خلواً تنفك متهماًأعشق وقولك مقبولٌ عليَّ ولي
وقوله:
من منصفي من عاذل جاهليخون باللوم لمن لا يخونُ
إن قلت: ما نصحك إلاّ أذىًقال: وما عشقك إلاّ جنونُ
وقوله:
إنَّ قوما يلحون في حب سعدىلا يكادون يفقهون حديثا
سمعوا وصفها ولاموا عليهاأخذوا طيبا وأعطوا خبيثا
وقول الآخر:
أسرفت في اللوم ولم تقتصروزدت في لومك يا ذا العذول
قد رضيت نفسي بمحبوبهاوإنّما المولى كثير الفضول
وقول الآخر:
تعرض لي اللاحي وجاء يزورنيوزجرف لي زور الكلام بمينهِ
وقال: اسل عن هذا وعد عن غرامهفقلت له: هذا الفضول بعينهِ
وقول الآخر:
زعموا أنني هويت سواكمكذبوا ما عرفت إلاّ هواكم
قد علمتم بصدق مرسل دمعيفسلوه إن كان قلبي سواكم
قال لي عاذلي: متى تبصر الرشدوتسلو؟ فقالت: يوم عماكم
وقول ابن سناء الملك:
أيا عاذلي فيه لمّا رآهلئن كنت أعمى فإني أصم
وهبك أبا ذر هذا الملامفأني أبو جهل ذاك الصمم
وقوله أيضاً:
وصفتك واللاحي يعاند بالعذلفكنت أبا ذر وكان أبا جهلِ
له شاهدا زور من النهي والنهىعليك ومن عينيك لي شاهدا عدلِ
وقول آخر:
وبي عاذلٌ يغري إلى الجهل لم يخلبأني في دعوى الغرام أبو ذرِّ
والمراد بهذا الصدق في الهوى. ومن هذا النمط قول آخر:
وشادنٍ مبتسمٍ عن حببمورد الخد مليح الشنب
يلومني العاذل في حبهوما درى شعبان أني رجب
وذلك لأن شعبان عند العرب يسمى العاذل ورجب يسمى الأصم. ومما نحن فيه قول الآخر:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوىأصخت إلى الواشي فلج بها الهجرُ
أشار بالشطر الأول إلى أن العذل يغريه. وقول البوصيري:
محضتني النصح لكن ليس أسمعهإنَّ المحب عن العذال في صممِ
ويقرب منه قول عفيف الدين التلمساني:
ولي على عاذلي حقوق هوىعليه شكري ببعضما يجبُ
لام فلما رآه هام بهفكنت في عشقه أنا السببُ
وقول الآخر:
أبصره عاذلي عليهولم يكن قبلها رآهُ
فقال لي: لو هويت هذاما لامك الناس في هواهُ
قل لي إلى من عدلت عنهفليس أهل الهوى سواهُ
فظل من حيث ليس يدرييأمر بالحب من نهاهُ
ومن ذلك قول حفص العليمي:
أقول لحلمي لا تزعني عن الصباوللشيب لا تذعر عليَّ الغوانيا
طلبت الهوى العذري حتى وجدتهوصيرت في نجدٍ به ما كفانيا
وقول الخزاعي:
هددت بالسلطان فيك وإنّماأخشى صدودك لا من السلطانِ
وقول أبي الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذةٌحبا لذكرك فليلمني اللومُ
وأما بيته الأخير فينشده المتمثلون اليوم:
قل للذي يدعي علما ومعرفةعرفت شيئا وغابت عنك اشياءُ
عجيبة: حكي أنَّ المفضل الضبي قال له الرشيد - دلني على بيت أوّله أكثم أبن صيفي في أصالة الرأي وجودة الوعظة وآخرها بقراط في معرفة الدواء. فقال: يا أمير المؤمنين لقد هولت علي. فقال: هذا قول أبي نواس: دع عنك لومي. وسأل حامدبن العباس عليَّ بن عيسى الوزير فقال له: ما دواء الثمل وقد علق به؟ فأعرض عنه الوزير وقال: ما لنا وهذه المسألة؟ فخجل حامد وإذا بقاضي القضاة أبي عمر قد ورد عليهم فلما قعد سأله حامد عن ذلك فقال القاضي: قال الله تعالى:) وما آتاكمُ الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (. وقال رسول الله ﷺ: استعينوا على كل صنعة بصالحي أهلها والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية وقد فال في ذلك:
وكاسٍ شربت على اذةوأخرى تداويت منه بها
ثم تلاه أبو نواس فقال في ذلك:
دع عنك لومي فإنَ اللوم إغراءُوداوني بالتي كانت هي الداءُ
فأشرق وجه حامد حينئذ وقال للوزير: ما ضرك يا بارد لو أجبت ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في الجواب بقول الله تعالى وبقول رسول الله ﷺ وبين الفتيا وأدى المعنى وتبرأ من العهدة؟ فكان خجل الوزير من حامد بهذا الكلام أكثر من حامد منه لمّا ابتدأه بالمسألة.
قلت وهذا الكلام من القاضي كان على مجاراة أهل هذه الصنعة وتبيان ما ثبت في نفس الأمر من بعض منافع الخمر ولم يتعرض للحكم الشرعي من حرمة التداوي بها،
لعلمه إن السائل يعرف ذلك، وإلاّ فكان الواجب أن يستدرك عقب كلامه بما ذكر النبي ﷺ فيمن تداوى بالحرام، والله اعلم.
واعلم أن التصامم عن العذال قد تقدم في كلام الشعراء كثيراً قبل أبي نواس، كقول زهير في الجود:
وأبيض فياضٍ يداه غمامةعلى معتفيه ما تغلب نوافله
بكرت عليه غدوة فرأيتهقعوداً لديه بالصريم عواذله
يفدينه طوراً وطوراً يلمنهوأعيى فما يدرين أين مخاتله
فأقصرن منه عن كريم مرزءٍعزوم على الأمر الذي هو فاعله
غير إنَّ أبا نواس لم يكتف العذل ضائعاً، حتى جعله ناجعاً، في عكس المطلوب، ونقيض المرغوب. ولم يحضرني الآن أسبق بهذا أم لا. وقال الشاعر:
ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له:إياك، إياك أن تبتل بالماء!
وهو مثل مشهور يضرب عند إلزام الشخص ترك ما لا محيص له عنه عند وجود سببه، أو ارتكاب مالا قدرة عليه. ومنه التكاليف الشرعية عندنا معشر الاشاعرة عند النظر إلى التحقيق وباطن الأمر، إلاّ أنا نجوز في حق الملك الحق تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد من غير قبح في شيء من ذلك، بل حسن جار على وفق الاختيار، وتصرف من له الاقتدار، ولا سيما بحسب الظاهر. ويقرب من هذا المعنى قول بعض الشعراء في امرأة:
سكت فقالت: قد سكت عن الحقففهت فقالت ما دعاك إلى النطق؟
فأومأت هل من حالة بين ذا وذا؟فقالت: وذا الإيماء أيضاً من الحمق
فلم أرلي إذ حلت الغرب راحةًمن الشر إلاّ في المسير إلى الشرق
فلما أتيت الشرق ألفيتها بهوقد قعدت بي منه في أضيق الطرق
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها؟
وقال الآخر:
من غص داوى بشراب الماء غصتهفكيف يصنع من قد غص بالماء؟
ومضربه واضح. وفي معناه قول الأول:
لو بغير الماء حلقي قد شرقكنت كالغصان بالماء اعتصاري
وقول الآخر:
إلى الماء يسعى من يغص بأكلهفقل: أين يسعى من يغص بالماء؟
وقول الآخر:
فكيف نجيز غصتنا بشيءٍونحن نغص بالماء الشروب؟
وقول الآخر:
فلو كان هذا الحكم في غير ملككملبؤت به أو غص بالماء شاربه
وقول الآخر:
مصاحبة المنى خطر وجهلُوكم شرقٍ تولد من زلالِ!
وقول أبن حبوس:
مضى الكرماء صانوا ماء وجهيبما بذلوه عن ذل السؤال
وها أنا بعدكم في الناس ابغيكريماً يشتري شكري بمالِ
أرى الاكدار يشرق شاربوهافوا شرقي من الماء الزلال!
وقول الآخر:
إني لأذكركم وقد بلغ الظمأمني فأشرق بالزلال الباردِ
وأقول ليت أحبتي عاينتهمقبل الممات ولو بيوم واحد!
وقول الآخر:
قد كنت عدتي التي أسطو بهاويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بضد ما أملتهوالمرء يشرق بالزلال الباردِ
وقول الآخر:
كنت من محنتي أفر إليهمفهم محنتي فأين الفرار؟
وقول أبن سناء الملك:
أموت غراما حين احرم وصل منهويت وأحيا فرحة حين ارزق
وإنَّ الفتى يحيا بما قد يميتهفبالماء يحيا وهو بالماء يشرقُ
وقال البحتري:
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفىبماء الربى من بات بالماء يشرقُ
وهو مخالف لمّا قبله باعتبار: فإنَ الأول ناظر إلى جنس الماء وإنّه يكون سببا للحياة والموت باعتباري مساغه والشرق به، وتنظير الأحبة بذلك باعتبار وصالهم وفراقهم صحيح. والثاني ناظر إلى من وقع له الشرق بالماء وإنّه لا ينتفع بالماء لمّا مر في الأناشيد وهو صحيح ولكن التنظير خطأ إلاّ أن يريد الأخبار عما وقع له هو من حصول الوحشة ممن يترقب منه الأنس ولم يلاحظ ما قال أبن ذريح:
تداويت من ليلى بليلى من الهوىكما يتداوى شارب الخمر بالخمرِ
أخذه من قول الأعشى السابق:
وكأس شربت على لذةٍوأخرى تداويت منها بها
وهذا كله وفق قول أبن سناء الملك. وقال الآخر:
يا قوم قلبي عند زهراءيسمعه السامع والرائي
لا تدعني إلاّ بيا عبدهافانه أشرف أسماءِ
يتمثل بالبيت الثاني. وقد تمثل به العلماء في قصة تخيير النبي ﷺ بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا، واختياره أن يكون عبدا وهو أشرف الأمرين وأجل فإنَ الإضافة إلى الشرف تفيد شرفا. وأي شرف ومجد وعظمة وجلال وراء عظمة مالك الملك الحق تعالى! وأي منزلة أعظم من الانتساب إليه؟ وقال الآخر:
سهام الليل لا تخطي ولكنلها أمد وللأمد انقضاءُ
وقبله:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه؟تأمل فيك ما صنع العاءُ!
وتمثل صاحب التشرف بهذا الشعر حين ذكر أنَّ أبا الفضل أبن النحوي دخل فأساً، فلما ظهر أصلب القاضي أبن دبوس منه غيرة وآذاه. فلما أزمع أبو الفضل الخروج قطع تلك الليلة التي يخرج في صبيحتها بسجدة دعا في آخرها وقال: اللهم عليك بابي دبوس! فأصبح القاضي ميتا. وقال الآخر وهو معنى رشيق، وكان عتب
على الصمت:
قالت الضفدعة قولاًفسرته الحكماءُ
في فمي ماءٌ وهل ينطقُمن في فيه ماءُ؟
وقال ذي الرمة:
أما النبيذ فلا يذعرك شاربهواحفظ ثيلبك ممن يشرب الماءَ
قومٌ يرون عما في صدورهمحتى إذا استحكموا كانوا هم الداءَ
يشمرون إلى انصاف سوقهمهم اللصوص وقد يدعون قراءَ
ولهذا الشعر قصة وهي أنَّ ذا الرمة اجتمع هو وإسحاق بن سويد العدوي في مجلس. فأتيا بطعام فطعما، وأتيا بنبيذ فشرب ذو الرمة وأبى إسحاق أن يشرب. فقال ذو الرمة: أما النبيذ فلا يذعرك شاربه الأبيات. وقال إسحاق مجيبا له:
أما النبيذ فقد يزري بشاربهولن ترى شاربا أزرى به الماءُ
الماء فيه حياة الناس كلهموفي النبيذ إذا عاقرته الداءُ
يقال هذا نبيذي يعاقرهفيه عن البر والخيرات إبطاءُ
وفيه إن قيل مهلا عن مصممةوفيه عند ركوب الإثم إغضاءُ
ومثل قول أبن الرومي قول الآخر وبنسب لابن الرومي في الفقهاء:
أذيابا بدت لنافي ثياب ملونة
إحلالاً وجتمأكلنا في المدونه
وقوله أيضاً:
إلاّ إنّما الدنيا ميتةٍوطلابها مثل الكلاب الموامسِ
وأعظمهم ذماً لها وأشدهملها شغفاً قومٌ طوال القلانسِ
ومثل قول إسحاق بن سويد في النبيذيين قول الآخر:
بلوت النبيذيين في كل بلدةٍفليس لأصحاب النبيذ حفاظُ
إذا أخذوها ثم أغنوك بالمنىوإن فقدوها فالوجوه غلاظُ
عكاظية لا قدس الله روحهاوما ذكرت في الصالحين عكاظُ
وسيأتي كل من الأمرين مستوفي إن شاء الله تعالى. وقال الآخر:
إذا انقطع الرجا من كل حيففي الله الكفاية والرجاءُ
سيغنيني الذي أغناك عنيفلا فقر يدوم ولا غناءُ
وقد جمع بين الممدوح وهو الرجاء وبين مد المقصور وهو الغناء بكسر الأول ضد الفقر.
وقال عدي بن الرقاع:
وإذا نظرت إلى أميري زادنيضنا به نظري إلى الفقراءِ
بل ما رأيت جبال أرض تستويفيما عسيت ولا نجوم السماءِ
كالغيم فيه وابلٌ متتابعٌغدقٌ وآخر لا يجود بماءِ
والحر يورث مجده أبناءهويموت آخر وهو في الأحياءِ
ومثل البيت الأول قول الحماسي:
ولمّا أبى إلا جماحا فؤادهولم يسل عن ليلى بمال ولا اهلِ
تسلى بأخرى غيرها فإذا التيتسلى بها تغري بليلى ولا تسلي
وقال الآخر:
لم ألق بعدهم حياً فأخبرهمإلاّ يزيدهم حباً الي همُ
وقال الحماسي عدي بن الرعلاء:
ليس من مات فاستراح بميتٍإنّما الميت ميت الأحياءِ
إنّما الميت من يعيش كئياًكاسفا باله قليل الرجاءِ
وقال الآخر:
يوما بحزوي ويوماً بالعقيقوبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء
وقال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:
وما بعض الإقامة في دياريهان بها الفتى إلاّ عناءُ
وبعض خرئق الأقوام داءٌكداء البطن ليس له دواءُ
يريد المرء أن يعطي مناهويأبى الله إلاّ ما يشاءُ
وكل شديدة نزلت بقومسيأتي بعد شدتها رخاءُ
فلا يعطي الحريص غنى لحرصٍوقد ينمى على الجود الثراءُ
غني النفس ما عمرت غنيوفقر النفس ما عمرت شقاءُ
وليس بنافع ذا البخل مالٌولا مزر بصاحبه السخاءُ
وبعض الداء ملتمس شفاهوداء النوك ليس له شفاءُ
وقال الآخر من شعراء الحماسة:
وأرض عن مطامع قد أراهاوأتركها وفي بطني انطواءُ
فلا وأبيك ما في العيش خيرولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
يعيش المرء ما استحيى بخيرويبقى العود ما بقى اللحاءُ
وقلت أنا في أمر حدث:
تعلم أنَّ شر الأصدقاءصديق لا يدوم على الإخاء
متى ما تلقيه أرضاك بشراًوليس إذا تغيبت ذا وفاء
لعمرك ما الوداد سوى وداديدوم على التداني والتنائي
وفي الأتراب والترب المجليأخاك وفي المسرة والبلاء
وليس أخوك من يبدي ودادابوجهك طاويا مكنون داء
فإن أدبرت أتبعك أعتضاضاًبنابيه وعاد من العداء
وقال الآخر:
إنَّ الذي وهو مثر لا يجود حرٍبفاقة تعتريه بعد إثراء
قوله: وهو مثر جملة حالية فصل بها بين الموصول وصلته وذلك قيل؛ والمثري: الغني. وقال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:
وكنت أمرء لا أسمع الدهر سبهأسب بها إلاّ كشفت غطاءها
متى يأت هذا الموت لا تلف حاجةلنفسي إلاّ قد قضيت قضاءها
يريد: إلاّ قضيتها قضاء فأوقع القلب كما ترى. وقال الآخر:
أقول لمقلتي لمّا التقيناوقد شرقت مآقيها بماء
خذن اليوم من نظري بحظفسوف تكونين إلى البكاء
ومثله قول الآخر:
ترفق بدمعك فاستبقهفبين يديك بكاءٌ طويل
وقال البحتري بن المغيرة بن أبي صفرة وكان المهلب بن أبي صفرة قد استعمل يزيد على حرب خراسان والمغيرة على خراجها ولم يوله هو شيئا. فكتب إليه:
أقرأ السلام على الأمير وقل له:إنَّ المقام على الهوان بلاءُ
أصل الغدو إلى الرواح وإنّماأذني وأذن الأبعدين سواءُ
أجفى ويدعى من ورائي جالساًما بالكرامة والهوان خفاءُ
فلما بلغ المهرب ذلك وجد عليه وألزمه بيته فكتب إليه:
جفاني الأمير والمغيرة قد جفاوأمسى يريد لي قد أزور جانبه
وكلهم قد نال شبعا لبطنهوشبع الفتى ليسؤم إذا جاع صاحبه
فيا عم مهلاً واتخذني لنوبةتلوم فإنَ الدهر جم نوائبه
أنا السيف إلاّ أنَّ للسيف نبوةومثلي لا تنبو عليك مضاربه
فرضي عنه وعزل المغيرة وولاه. وقال خالد الكاتب:
أعان طرفي على جسمي وأحشائيبنظرة وقفت جسمي على داءِ
وكنت غراً بما يجنى على بدنيلا علم لي أنَّ بعضي بعض أدواءِ
وأخذه من قول إبراهيم بن المهدي:
إذا كلمتني بالعيون الفواتررددت عليها بالدموع البوادر
فلم يعلم الواشون ما بينناوقد قضيت حاجاتنا بالضمائر
أقاتلتي ظلما بأسهم لحظهاأما حكم يقضي على طرف جائرِ
فلو كان للعشاق قاض من الهوىإذا لقضى بين الفؤاد وناظري
ومثله قول الآخر:
والله يا طرفي الجاني على بدنيلتطفئن بدمعي لوعة الحزن
ولهذا الشعر قصة طريفة: حكي عن بعض المغنين قال قدم عليَّ فتى حسن الوجه
عليه اثر السقم وقال: لي عندك حاجة! قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار وقال: اقبلها مني واصنع لي لحنا في بيتين وغنني بها. فقلت: نعم! حبا وكرامة فأنشد البيتين المذكورين. قال: فصنعت لحنا شجيا ثم غنيته إياه. فأغمي عليه حتى ظننته قد مات ثم أفاق وكأنما نشر من قبر. فقال: أعد عليّ! فناشدته الله في نفسه وقلت: أخشى والله أن تموت. فقال: ليت ذلك قد كان فأستريح! وجعل يتضرع لي حتى رحمته فأعدت الصوت. فصعق صعقة ظننت أن نفسه زهقت فيها. فجعلت أنضح وجهه بالماء. فلما أفاق وضعت دنانيره بين يديه وقلت: انصرف عني فإني لا أحب أن أشرك في دمك. فقال: لا حاجة لي بها ولك عندي مثلها. وأخرج ثلاثمائة أخرى وقال: أعد علي الصوت مرة أخرى وأنا أنصرف عنك. فشرهت نفسي إلى الدنانير وقلت: أفعل على ثلاث شروط. قال: وما هي؟ قال: الأول أن تأكل من الطعام ما تتقوى به؛ والثاني أن تشرب أقداحا من النبيذ تمسك قلبك والثالث أن تحدثني بقصتك فلعل ذلك ينفعك. فقال: نعم. فدعوت بالطعام فأصاب منه ودعوت بالشراب فشرب أقداحا وأنا أغنيه ما يحضرني. فلما رأيت النبيذ شد قلبه غنيت الصوت فطرب وأعته عليه مرارا رضي وسكن. فقلت: حدثني. فقال. أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزها وقد سال العقيق مع أصحاب لي. فخرج فتيات لمثل ما خرجنا إليه. فنظرت إلى فتاة منهن كأنها غصن بان، فعلقتها من وقتي وأطلت إليها وأبصرت هي ذلك مني. فلما تفرق الناس وجدت بقلبي جرحا ولم أعرف لها ولا لصواحبها خبرا. فمرضت لذلك حتى يئس مني أهلي. فخلت بي ظئري وسألتني عن ضري وضمنت لي كتمان السر والسعي فيما يصلح. فأخبرتها خبري، فقالت: لا بأس عليك سيعود المطر ويسيل العقيق فتخرج معك. فإذا رأيتها عرفتني بها فلا أفارقها حتى تقف على موضعها وأوصلك إليها وأسعى في تزوجها. فسكنت نفسي لقولها ولم نلبث أن جاء المطر وسال العقيق. فخرجت مع أصحابي ومعي ظئري وجلسنا مجلسنا الأول بعينه وإذا بالنسوة وفيهن صاحبتي. فأومأت إلى ظئري حتى عرفتها وقلت لها: انطلقي وقولي: يقول لك الفتى: والله لقد أحسن الذي يقول:
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنتوقد غادرت جرحا به وندوبا
فمضت وقالت لها ذلك. فقالت: قولي له: لقد احسن القائل واحسن الذي يقول:
بنا مثل ما يشكو فصبرا لعلنانرى فرجا يشفي الفؤاد قريبا
قال: فلما انصرفنا، تبعتها حتى عرفت مكانها، فتلطفت حتى جمعت بيننا على مخالسة، فظهر ما بيننا فحجبت عني ولم أقدر على لقائها. فبلغ ذلك أبي فخطبها من أبيها فقال: لو كان هذا قبل اشتهار حديثها لأسعفته؛ وأما الآن فلا أحقق مقالة الناس فيها بتزويجها منه. فيئست منها ومن نفسي، فخرجت هائما حتى بلغتك. قال المعني المذكور: ثم إنني حضرت مجلس جعفر بن يحيى، فغنيته بشعر الفتى، فقال: ويحكم! ما هذا الصوت وما قصته؟ فقلت: قصة أظرف منه. ثم حدثته بحديث الفتى، فأمر بإحضاره وسأله، فأعاد عليه الحديث كما حدثته فقال له: أنا ضامن لك تزويجها، فطابت نفسه. ثم ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه الحديث. فاستظرفه وأمر بإحضارنا جميعا، وسأل الفتى عن حديثه فحدثه وقال لي: غن الصوت فغنيته وطرب له وشرب عليه، وأمر بالكتب إلى عامل الحجاز بأشخاص الرجل وأهله وولده مكرمين. فلما حضروا عنده أعطى الرجل ألف دينار وأمره بتزويج الجارية من الفتى، وأعطى الفتى ألفي دينار، وأمر لي بألف دينار.
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، من قصيدة:
انظر وإياك الهوى لا تمكننشيطانه من مقلةٍ شوشاء
وقال أيضاً، من هذه القصيدة، يخاطب خالد بن يزيد:
لو سيرت لالتقت الضلوع على أسىكلف قليل السلم للأحشاء
ولجف نوار الكلام وقلمايبقى بهاء الغرس بعد الماء
وقال أيضاً، من أخرى:
لا تسقيني ماء الملام فإننيصب قد استعذبت ما بكائي
وفي إضافة الماء للملام، غرابه أوجبت بعض الهجنة والبرودة في الكلام يحكى إنّه عيب عليه ذلك حتى تحدث أن بعض عصرييه أرسل إليه إنَّ ابعث إلي بشربة من ماء الملام. فقال: حتى تبعث إلي بريشة من جناح الذل. وهذه خطيئة أبشع من الأولى،
فإن الاستعارة في جناح الذل مأنوسة الاستعمال قديما وحديثا، ومدركا حسنها وفصاحتها بالذوق دون ماء الملام. وقد وقع له في هذه القصيدة نفسها ما يقرب من هذا، حيث قال:
رأي لو استسقيت ماء نصيحةٍلجعلته رأيا من الآراء
غير إنَّ هذا، وإنَّ كان غريبا، يحسنه أن الرأي والنصيحة تحيا بهما النفوس كما تحيا بالماء الأبدان، ولا كذلك الملام. وقال أبو الطيب أحمد بن حسين المتنبي:
عذل العواذل حول قلبي التائهوهوى الأحبة منه في سودائه
وتقدم هذا المنزع وما فيه قبل. وقال أيضاً:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمتفإذا انطلقت فأني الجوزاء
وإذا خفيت على الغبي فعاذرألا تراني مقلة عمياء
وقال الآخر:
إنَّ الحديث جانب من القرىثم المنام بعد ذلك في الذرى
وقال الآخر:
إذا القوم قالوا من لعظيمةٍفما كلهم يدعى ولكنه الفتى
وقال الآخر:
ضاع سعيي وخبت وخابت أعاديكومن يبتغي لك الأسواء
واحتملت الحرمان والنقص والأبعادوالذل والعنا والجفاء
وتحملت واصطبرت فلم يبقعلى عوادي الزمان لحاء
أعلى هذه المصيبة صبرلا ولو كنت صخرة صماء
ومثله في التشكي قول الآخر:
أسجناً وقيد واشتياق وغربةونأي الحبيب إنَّ ذاك عظيم!
وإنَّ أمرءاً تبقى مواثيق عقدهعلى مثل ما لاقيته لكريم
وقول الآخر:
ولقد أردت الصبر عنك فأعاقنيعلق بقلبي من هواك قديم
يبقى على حادث الزمان وريبهوعلى جفائك إنّه لكريم
وقال الآخر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليلسهر دائم وحزن طويل
وقال الآخر:
وإذا ما الصديق صار عدواكان في الشر أكبر الأعداء
وقال الآخر:
لا تعدن للزمان صديقاواعد الزمان للأصدقاء
ومثله قول الآخر:
ليس بالمنكر انقلاب صديقٍربما غص شارب بالشراب
لا تصيع مودة من صديقفانقلاب الصديق شر انقلاب
وقول منصور الفقيه:
أحذر عدوك مرةوأحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديقفكان أعرف بالمضره
وقوله:
أحذر مودة ماذقمزج المرارة بالحلاوة
يحصي الذنوب عليكأيام الصداقة للعداوة
وقول الآخر:
كن من صديقك خائفا فلربماحال الصديق فصار غير الصديق
وقول أبن الرومي:
عدوك من صديقك مستفادفأقلل ما استطعت من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراهيكون من الطعام أو الشراب
وقول الآخر:
دار الصديق إذا استشاط تغيظافالغيظ يخرج من كامن الأحقاد
قول أبن الخالدي:
وأخٍ رخصت عليه حتى ملنيوالشيء مملول إذا ما يرخص
ما في زمانك ما يعز جودهإنَّ رمته إلاّ صديق مخلص
وقول المنصور أيضاً:
إذا تخلفت عن صديقٍولم يعاتبك في التخلف
فلا تعد بعدها إليهفإنما وده تكلف
وقول الأنصاري:
إلاّ رب من تدعو صديقا ولو ترىمقالته ساءك ما يفري
لسان له كالشاهد مادت حاضراًوبالمغيب مطرور على ثغرة النحر
وقول أبي الطيب:
ومن نكد الدنيا على المرء إنَّ يرىعدوا له ما من صداقته بد
وما يحكى إنَّ كسرى قال يوما لمرازبته: من أي شيء انتم اشد حذراً؟ قالوا: من العدو الفاجر، والصديق الغادر. وقول موسى بن جعفر: اتق العدو وكن من الصديق على حذر، فإن القلوب سميت قلوب لتقلبها. وسيأتي كثير من هذا النمط بعد إنَّ شاء الله تعالى. وقال أبو الطيب:
وهبني قلت هذا الصبح ليلأيعمى العالمون عن الضياء
وقال أيضاً مادحا:
وإذا مدحت فلا لتكسب رفعةللشاكرين على الإله ثناء
وإذا مطرت فلا لأنك مجدبيسقى الخصيب وتمطر الادماء
والادماء: البحر. وقال أيضاً:
إنّما التهنئات للأكفاءولمن يدني من البعداء
وأنا منك لا يهنئ عضوبالمسرات سائر الأعضاء
وقال أيضاً من هذه القصيدة يمدح كافورا وكان أسود:
إنّما الجلد ملبس وابيضاضالنفس خير من ابيضاض القباء
وقال أيضاً:
وما كل من قال قولا وفىولا كل من سيم خسفاً أبى
وقال:
ولا بد للقلب من آلةورأي يصدع صم الصفا
وقال:
فكان على قربنا بيننامهامه من جهله والعمى
وقال:
وماذا بمصر من المضحكاتولكنه ضحك كالبكا
وقال:
ومن جهلت نفسه قدرهرأى غيره منه ما لا يرى
وقال الحماسي محرز الضبي يهجو بني عدي بن جندب، من أبيات:
وإني لراجيكم على بطئ سعيكمكما في بطون الحاملات رجاء
واخبر من لاقيت أن قد وفيتمولو شئت قال المخبرون أساءوا
وقال القاسم بن حنبل في بني سنان:
لهم شمس النهار إذا استقلتونور ما يغيره العماء
هم حلوا من الشرف المعلىومن حسن العشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساء كلمٍدماؤهم من الكلب الشفاء
وإنّما قال ذلك لمّا يزعمون من أنَّ من أصابه الكلب، وهو شبه جنون يصيب من عضه الكلب، ثم سقي دم ملك أو شريف برئ، ومثله قول زهير:
وإنَّ يقتلوا فيشتفى بدمائهموكانوا قديما من مناياهم القتل
وقول الآخر:
أحلامكم لسقام الجهل شافيةكما دماؤكم من الكلب
وقال الحسين بن مطير الأسدي يصف برقا وسحابا:
مستضحك بلوامع مستعبربمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن ولا بمسرةٍضحك يراوح بيننا وبكاء
كثرت ككثرة ودقه أطباؤهفإذا تحلب فاضت الأطباء
وكأن عارضها حريق يلتقيأشب عليه وعرفج وآلاء
لو كان من لجج السواحل ماؤهلو يبق في لجج السواحل ماء
وللعرب فمن بعدهم في وصف السحاب والبرق والرعد إكثار وإطناب لا يأتي عليه الحصر ولكنا نذكر جملة من مستحسن ذلك ومما كان منه حسن إنَّ يتمثل به. فمن ذلك قول امرئ القيس:
اصاح ترى برقها وميضهكلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهبآمال السليط في الذبال المفتل
وقوله:
اعني على برق أراه وميضيضيء حبيا في شماريخ بيض
ويهدأ تارات سناه وتارةينوء كتغتاب الكسير المهيض
وتخرج منه لامعات كأنهااكف تلقى الفوز عند المفيض
وقوله:
ديمة هطلاء فيها وطفطبق الأرض تحرى وتدر
تخرج الود إذا ما اشجذتوتواريه إذا ما تستكر
وهي قطعة أبيات في هذا. وأشجذت: أقلعت. وقوله:
يساجل التؤم اليشكريوأواخر الأنصاف للتؤم
وقوله:
أحار ترى بريقا هب وهناكنار مجوس تستعر استعارا
أرقت له ونام أبو شريحإذا ما قلت قد هدأ استطارا
كأن هزيره بوراء غيبعشار وله لاقت عشارا
فلما أن دنا لقفا أضاحوهت أعجاز ريقه فحارا
فلم يترك بذات السر ظبياولم يترك بجلهتها حمارا
وقال عبيد أبن الأبرص:
يا من لبق أبيت الليل ارقبهفي عارض كمضي الصبح لماح
دان مسف فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالراح
كأن ريقه لمّا علا شطبااقراب ابلق ينفي الخيل رماح
ينزع جلد الحصى أجش مبترككأنه فاحص أو لاعب داح
فمن بنجوته كمن بعقوتهوالمستكن كمن يمشي بقرواح
كأن فيه عشار جلة شرفاشعثا لهاميم قد همت بارشاح
هدلا مشافرها بحا حناجرهاتزجا مرابعها في صحصح ضاح
وقول كثير:
فالمستكن ومن يمشي بمروتهسيان فيه ومن بالسهل والجبل
وقول الحماني:
دمن كأن رياضهايسبيان أعلام المطارف
وكأنما غدرانهافيها عشور في مصاحف
وكأنما أنهارهايهتز بالريح العواصف
طرر الوصائف يلتقينبها إلى طرر الوصائف
باتت سواريها تمخضفي رواعدها القواصف
ثم انبرت سحاكباكية بأربعة ذوارف
وكأن لمع بروقهافي الجو أسياف المثاقب
وقول عبيد:
سقى الرباع مجلجلالأكناف لمع بروقه
جون تكفكفه الصباوهنا تمريه خريقه
مري العسيف عشارهحتى إذا درت عروقه
ودنا يضيء ربابهغبا يضرمه حريقه
حتى إذا ما ذرعهبالماء ضاق فما يطيقه
هبت له من خلفهريح الشماسية تسوقه
حلت عزاليه الجنوبفثج واهيه خروقه
وقال كثير:
تسمع الرعد في المخيلة منهامثل هزم القرون في الاشوال
وترى البرق عارضا مستطيرامرح البلق جلن في الإجلال
أو مصابيح راهب في يفاعسغم الزيت ساطعات الذبال
وقوله:
اهاجك برق آخر الليل واصبتضمنه فرش الحيا فالمسارب
يجر ويستأني نشاطا كأنهبغيقه حاد جلجل الصوت جالب
تألق واحمومى وخيم بالربىاحم الذرى ذو هيدب متراكب
كما اومضت بالعين ثم تبسمتخريع بدا منها جبين وحاجب
وقول عبد الله بن المعتز:
ومزنة جاد في أجفانها مطرفالروض منتظم والقطر منتثر
ترى مواقعه في الأرض لائحةمثل الدراهم تبدو ثم تستتر
وقوله أيضاً:
كأن رباب الجون والفجر ساطعدخان حريق لا يضيء له جمر
وقول أبي الغمر:
نسجته الجنوب وهو صناعفترقى كأنه حبشى
وقول الآخر:
ما ترى نعمة السماء على الارض وشكر الرياض على الأمطار
وقول الآخر:
وموقرة بثقل الماء جاءتتهادي فوق أعناق الرياح
فجاءت ليلها سحا ووبلاوهطلا مثل أفواه الجراح
وقول الآخر:
بدا البرق من نحو الحجاز فشاقنيوكل حجازي له البرق شائق
سرى مثل نبض العرق والليل دونهوأعلام أبلى كلها والاسالق
وقول الطائي ومنه اخذ:
إليك سرى بالمدح ركب كأنهمعلى العيس حيات اللصاب النضانض
تشيم بروقا من نداك كأنهاوقد لاح أولاها عروق نوابض
وقول الآخر:
أرقت لبرق آخر الليل يلمعسرى دائبا منها يهب ويهجع
سرى كإقتداء الصبر والليل ضارببأوراق والصبح قد كاد يسطع
وقول الآخر:
أرقت لبرق سرى موهناخفي كغمزك بالحاجب
كأن تألقه في السماءيدا حاسب أو يدا كاتب
وقول أبن المعتز:
رأيت فيها برقها منذ بدتكمثل طرف العين أو قلب يجب
ثم حدت بها الصبا حتى بدافيها من البرق كأمثال الشهب
تحسبه فيها إذا ما انصدعتأحشاؤها عنه شجاعة يضرب
وتارة تحسبه كأنهابلق مال جله حين وثب
حتى إذا ما رفع اليوم الضحىحسبته سلاسلا من الذهب
؟؟ وقول الآخر:
نار تجدد للعيدان نضرتهاوالنار تلفح عيدان فتحترق
وقول الطائي:
يا سهم للبرق الذي استطاراثاب على رغم الدجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا
وقول عبد الله بن عبد الله بن طاهر:
أما ترى البرق قد رقت حواشيهوقد دعاك إلى اللذات داعيه؟
وجاد بالقطر حتى خلت إنَّ لهإلفا ناه فما ينفك يبكيه
ومثله قول الآخر:
كأن سحاب الغر غيبن تحتهاحبيبا فما ترقى لهن مدامع
وتتبع الشعر في هذا يطيل فلنمسك العنان. وقال أبو الأسود الدؤلي:
وما طلب المعيشة بالتمنيولكن القي دلوك في الدلاء
تجيء بملئها طورا وطوراتجيء بحماة وقليل ماء
وسيأتي إتمام هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى. وقال أبن نقطة:
لا تظهرن لعاذل أو عاذرحاليك في الضراء والسراء
فلرحمة المتوجعين مرارةفي القلب مثل شماتة الأعداء
وقال أبو سعيد الخوارزمي في أبي بكر الخوارزمي الشاعر:
أبو بكر له أدب فضلولكن لا يدوم على الوفاء
مودته إذا دامت لخلفمن وقت الصباح إلى المساء
وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري يوم خرجوا إلى مؤتة وأمره النبي ﷺ بعد زيد وجعفر ﵃ أجمعين:
إذا بلغتني وحملت رحليمسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذمولا ارجع إلى أهلي وراء
قوله: فشأنك فانعمي يريد إنّه قضى الوطر من ركوبها ولم تبق له تباعة على ظهرها وهي كناية على إنّه لا يحب المرجع ولا يشتهي مذهبا على ذلك الموضع. ومن ثم قال: ولا ارجع إلى أهلي بجزم الفعل قصدا للدعاء كأنه يقول: اللهم لا ترجعني إلى أهلي وأستشهدني! وما ذكره في الناقة قد تداوله الشعراء كثيرا فمن ذلك قول الشامخ في عرابة الأوسي:
رأيت عرابة الأوسي يسموإلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعة لمجدتلقاها عرابة باليمين
إذا بلغتني وحملت رحليإليه فاشرقي بدم الوتين
ومثل سراة قومك لم يجارواإلى ربع الرهان ولا الثمين
وكان الشماخ قدم المدينة فقال له عرابة: ما أقدمك؟ فقال: قدمت لأمتار. فملأ له عرابة رواحله تمرا وبرا وأعطاه غير ذلك فقال فيه ما تقدم. وقول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي رباح:
إذا أبن أبي موسى بلالاً بلغتهفقام بفأس بين وصليكِ جازرُ
غي إنّه يعاب على هذين الشاعرين أن جعلا جزاء الراحلة التي بلغتهما ذلك المأمول العظيم والمطلب الخطير شرا، وما كان ينبغي لهما أن ينظرا لها عند الاستغناء عنها ويكافئها خيرا بما قضيا منها كما أشار إليه أبلغ البلغاء وأحكم الحكماء ﷺ حيث وردت المرأة راكبة على ناقته فقالت: إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال ﷺ: بئس ما جزيتها! لا نذر في معصية الله ولا نذر للإنسان في غير ماله. أو كما قال ﷺ وعلى هذا المنزع العجيب النبوي كان قول أبن رواحة السابق. وقول أبي نواس في محمد الأمين بن هارون الرشيد، وأوضح هذا المعنى:
وإذا المطي بنا بلغنا محمدافظهورهن على الرجال حرامُ
قربننا من خير من وطئ الثرىفلها عينا حرمة وذمامُ
وقول الفرزدق:
متى تردى الرصافة تستريحيمن التهجيري والدبر الدوامي
ولهذا الشعر قصة تذكر بعد إن شاء الله تعالى. والعذر للأولين أن الدعاء عليها في نحو ذلك أبلغ في التنبيه على الاستغناء عنها وعدم الالتفات إليها. وليس هذا المعنى ملحوظا في قصة المرأة فليس يقاس عليه. ومن هذا الباب قول السلامي:
إليك طوى عرض البسيطة جاعلقصار المطايا أن يلوح لها القصرُ
ولعل السابق إلى هذا المعنى الأعشى القيسي في قصيدته التي توجه بها إلى النبي ﷺ حيث يقول:
متى ما تناخي عند باب أبن هاشمتراحي وتلقي من فواضله يدا
فضمن لها عند النزول بابن هاشم ﷺ أن يخلي عن ظهرها ويريحها من كد الأسفار إذ لا مطلب ورائه ولا حاجة إلى أحد سواه. وقال أبو بكر بن دريد في مقصورته:
والناس كالنبت: فمنهم رائقغضٌ نضيرٌ عوده مر الجنى
ومنه ما تقتحم العين فإنَذقت جناه انساغ عذبا في اللهى
وهذا المقصورة جلها أمثال وحكم، وهي مشهورة لا حاجة إلى ذكرها. وقال الآخر:
يقولون هذه أم عمرو قريبةٌنأت بك ارضٌ نحوها وسماءُ
ألا إنّما قرب الحبيب وبعدهإذا هو لم يوصل إليه سواءُ
وقال صالح بن جناح:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤهولا خير في وجهٍ إذا قل ماؤه
وقال الآخر:
ورب دنيةٍ ما حال بينيوبين ركوبها إلا الحياءُ
إذا رزق الفتى وجهاً وقاحاتقلب في الأمور كما يشاءُ
وتقدم شيء من هذا في قولهم: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. وقال الآخر:
إذا جار الأميرُ وكاتباهوقاضي الأرض داهن في القضاءِ
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌلقاضي الأرض من قاضي السماءِ!
وقال زهير:
وإنَّ الحق مقطعه ثلاثٌيمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ
ويروى أنَّ عمر ﵁ لمّا سمع هذا البيت جعل يردده استحسانا له وتعجبا من معرفته بالحقوق وإبانته أحكامها وإقامته أقسامها. وقال الآخر:
خير ما ورث الرجال بينهمأدب صالح وحسن ثناءِ
وقال سابق البربري:
موت التقي حياة لا انقطاع لهاقد مات قوم وهم في الناس أحياءُ
ومثله قول الآخر:
أخو العلم حي خالد بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميمُ
وذو الجهل ميتٌ وهو يمشي على الثرىيعد من الأحياء وهو عديمُ
وقال أبن الرومي:
إنَّ لله بالبرية لطفاسبق الأمهات والأباءَ
وقال أيضاً:
أنت عيني وليس من حق عينيغض أجفانها على الأقذاءِ
وقال لبيد:
كانت قناتي لا تلين لغامزفألانها الإصباح والامساءُ
وقال عبد الله بن عيينة:
كل المصائب قد تمر على الفتىفتهون غير شماتة الأعداءِ
ومثله في ذكر الشماتة قول الآخر:
إذا ما الدهر جر على أناسبكلكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا: أفيقواسيلقى الشامتون كما لقينا
وقال عدي بن زيد:
أيها الشامت المعير بالدهرأأنت المبرأ الموفور؟
أم لديك العهد الوثيق من الأيامبل أنت جاهل مغرورُ
من رأيت المنون خلدن أم منذا عليه من أن يضام خفيرُ
وقال منصور الفقيه:
يا من يسرُ بموتيإذا أتاه البشيرُ
أليس من كان بمثليإلى مصيري يصيرُ
وتمثل الشافعي ﵁، حين بلغه دعاء من دعا عليه بالموت ببيتي الشاعر:
تمنى رجال أن أموت فإنَ أمتفتلك طريق لست فيها بأوحدِ
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضىتهيأ لأخرى مثلها فكأن قدِ
وقال الحماس في الملح:
وما العيش إلاّ أكلة وتشرقوتمر كأكباد الجراد وماءُ
التشرق بالراء: القعود للشمس، والتمر الذي كأكباد الجراء: الصيحاني. وقال الآخر:
من فاته العلم واخطاه الغنىفذاك والكلب على حدٍ سوا
ولنقتصر على هذا القدر من هذا الباب، فإنَ فيه كفاية إن شاء الله تعالى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع