من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
باب الحاء المهملة
أحب الحديث أصدقه الحب معروف. تقول: أحببت الرجل فهو محبوب على غير قياس. وقد يقال محب وهو قليل. قال عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيرهمني بمنزلة المحب المكرمِ
وقد يقال حببته ثلاثيا أحبه بالكسر فهو محبوب. أنشد الجوهري في الصحاح:
أحب أبا مروان من أجل تمرهوأعلم أنَّ الرفق بالمرء أرفقُ
ووالله لولا تمره ما حببتهولو كان أدنى من عبيدٍ ومشرقِ
وليس عندهم مضعف متعد يتمحض فيه الكسر غير هذا. والحديث معروف أيضاً. والصدق ضد الكذب. وهذا كلام يروى عن النبي ﷺ لمّا جاءته هوازن تطلب منه أن يرد إليها ما أخذ منها من السبايا والأموال يوم حنين. فقال: أحب الحديث إلى الله أصدقه، أو: خير الحديث، إنَّ معي من يرون فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال. فاختاروا السبي وقالوا: لا نعدل بالأحساب شيئا. والقصة مشهورة في المغازي.
وقال كعب بن مالك ﵁:
أبلغ قريشاً وخير القول أصدقهوالصدق عند ذوي الألباب مقبولُ
حبك الشيء يعمي ويصم الحب مر؛ والعمى معروف وأعميته: فعلت به ذلك. وكذا الصمم وأصممته.
وهذا أيضاً يروى عن النبي ﷺ. والعمى هنا يحتمل أن يكون عمى البصر وهو ظاهر أو عمى البصيرة وهو أدق وأليق.
والمعنى أنَّ المرء إذا أحب شيئا غلبت محبته على قلبه فلا يرى رشده ولا ينظر عاقبته ولا يسمع عاذله. والصمم هنا مجاز أيضاً عن عدم الإصغاء إلى المسموع وعدم الاهتبال به والانتفاع به. فكأنه أصم لا يسمع كما قال تعالى:) صمٌ بكمٌ عميٌ (. وقال الشاغر:
صمٌ إذا سمعوا خيراً ذكرت بهوإن ذكرت بشرٍّ عنهم أذنوا
وقال الأخر:
فأصممت عمراً وأعميتهعن الجود والفخر يوم الفخار
وفي معنى المثل قال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى:
محضتني النصح لكن لست أسمعهإنَّ المحب عن العذال في صممِ
وهذا المثل يضرب في الحذر من اتباع الهوى وما يؤمر به من اجتنابه.
وفي حديث آخر عن النبي ﷺ: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم! وقال الشاعر:
إذا طالبتك النفس يوماً بشهوةٍوكان عليها للخلاف طريقُ
فخالف هواها ما استطعت فإنماهواها عدوٌ والخلاف صديقُ
وقال الأخر:
وفي الحلم والإسلام للمرء وازعٌوفي ترك طاعات الفؤاد المتيمِ
بصائر رشدٍ للفتى مستبينةٌوأخلاق صدق علمها في التعلمِ
وفي هذا المعنى ما لا يحصى من الشعر والنثر يأتي في الحكم إن شاء الله تعالى
حبل فلان يفتل الحبل بالفتح فالسكون: الرباط وهو معروف. وجمعه حبال وأحبال. قال الشاعر:
أمن أجل حبلٍ لا أباك ضربتهبمنسأةٍ؟ قد جر حبلك أحبالا
وفتل الحبل معروف. قال امرؤ القيس:
فيالك من ليل كأن نجومهبكل مغار الفتل شدت بيذبل!
أي بكل حبل أحكم فتله. ويقال: حبله يفتل إذا كان مقبلا على أمر.
حتفها تحمل ضأنٌ بأظلافها الحتف: الموت. والأظلاف جمع ظلف بالكسر وتقدم تفسيره. وهذا المثل يضرب في الهلاك يجتلبه القدر غمدان الإنسان أو يجره على نفسه. وأصله أنَّ النعمان بن المنذر عمد إلى كبش فعلق في عنقه مدية وأرسله يرعى ونذر أن يقتل من تعرض له. فكان الكبش يخرج ولا يمس. ثم مر على أرقم بن علباء اليشكري وقيل على علباء بن أرقم اليشكري فقال: كبش يحمل حتفه بأظلافه! ووثب عليه فذبحه وأشتواه. فقال في ذلك شعرا طويلا منه:
أخوف بالنعمان حتى كأننيذبحت له خالاً كريما أو أبن عمُ
وقال أبو عبيد إنَّ هذا المثل تمثل به حريث بن حسان الشيباني بين يدي النبي ﷺ لقيلة التميمية وكان قدم بها الذي النبي ﷺ وذلك في قصة طويلة حتى قالت قيلة: فقدمنا تعني مع حريث على رسول الله ﷺ فصليت معه الغداة حتى إذا طلعت الشمس دنوت. فقال رجل: السلام عليك يا رسول الله! فقال رسول الله: وعليك السلام! وهو قاعد القرفصاء. فقالت: فتقدم صاحبي فبايعه على الإسلام فقال: يا رسول الله اكتب لي بالدهناء. فقال: يا غلام اكتب له. قالت: فشخص بي وكانت وطني وداري. فقلت: يا رسول الله الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم وهذه نساء بني تميم وراء ذلك. قال: صدقت المسكينة! المسلم أخو المسلم يسمعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان. وقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أيلام أبن هذه أن يفصل الخطة وينتصر من وراء الحجر؟ انتهى.
وهذا المثل هم مثل قولهم: بحث عن حتفه بظلفه وتقدم.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع