من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
الجواب ما ترى لا ما تسمع
!
واصله إنَّ أبا يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن أحد الملوك الموحدين بمراكش كان بينه وبين الادفونش النصراني صاحب طليطلة لعنه الله مكاتبات. فكان منها رسالة كتب بها الادفونش إلى الأمير يعقوب يتوعده ويتهدده ويطلب منه بعض الحصون من إنشاء وزيره أبن النجار وهي:
" باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض وصلى الله على السيد المسيح وروح الله وكلمته الفصيح. أما بعد فانه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب وعقل لازب انك أمير الملة الحنيفة كما أنا أمير الملة النصرانية. وقد علمت ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل والتكاسل وإهمالهم أمر الرعية وإخلادهم إلى الأمنية. وأنا أسموهم بحكم القهر إخلاء الديار وإسباء الذراري وأمثل بالرجال وأذيقهم عذاب الهون وشديد النكال. ولا عذر في لك في التخلف عن نصرتهم إذا أمكنتك يد القدرة وساعدك وعسا كرك وجنودك رأي وخبرة. وانتم تزعمون إنَّ الله تعالى قد رفض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم الآن خفف الله عنكم وعلم إنَّ فيكم ضعفا رحمة منه ومنا ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا إذ لا تستطيعون دفاعا ولا تملكون امتناعا. وقد حكي عنك انك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال وتماطل نفسك سنة بعد أخرى وتقدم رجلا وتؤخر أخرى. فلا ادري أكان الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما وعدك به ربك إلى آخر الرسالة وفيها طول فلما وصل الكتاب إلى أمير المسلمين مزقه وكتب على قطعة منه: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم أذلة وهم صاغرون. الجواب ما ترى لا ما تسمع وتمثل ببيت أبي الطيب في مدح سيف الدولة:
ولا كتب إلاّ المشرفية عندهولا رسل إلاّ الخميس العرمرم
ثم ضرب السرادقات من يومه بظاهر البلد وأمر باستنفار الجيوش من الأمصار وعبر من زقاق سبتة ودخل بلاد الإفرج فكسرهم كسرة شنيعة وعاد بغنائمهم رحمه الله تعالى ثم رأيت الحصري ذكر هذا الكلام عن المعتصم العباسي قال: كتب إليه ملك الروم كتابا يتهدده فيه فأمر بجوابه. فلما قرء عليه لم يرض بما فيه فقال لبعض الكتاب: اكتب: أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما تضمنه خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع. وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار. قال: وهذا نظير قول قطري بن الفجاءة إلى الحجاج وقد كتب إليه كتابا يتهدده فيه فأجاب: أما بعد، فالحمد لله الذي لو شاء لجمع بين شخصينا فعلمت مثاقفة الرجال، من تسطير المقال والسلام. انتهى.
ومن معنى هذا المثل قول عنترة:
ومكروب كشفت الكرب عنهبطعنة فيصل لمّا دعاني
دعاني دعوة والخيل ترديفما أدري أباسمي أم كناني؟
فلم أمسك بسمعي إذ دعانيولكن قد أبان له لساني
فكان إجابتي إياه أنيعطفت عليه خوار العنانِ
بأسمر من الخط لدنوأبيض صارم ذكر يمانِ
أي: كان جوابه له حين دعاني واستغاث بي أن عطفت عليه فرسا خوارا العنان أي سهل العنان يعني مرتاضا قد اعتاد الخول في الحرب والولوج في المضايق وذلك بأسمر ألخ..، أي برمح وسيف صفتهما ما ذكر. ومنه قول الحماسي:
وتجهل أيدينا ويحلم رأيناونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وقول الآخر:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزعكان الصراخ له قرع الظنابيبِ
أي الاجتهاد في نصرته. وقرع الظنبوب كناية عن ذلك وقد تقدم. ومن أمثال العامة قولهم:
جزاؤه على حماره.
وقولهم: جاء يعينه في قبر أمه فهرب بالفارس.
ومعناه ظاهر.
ولنذكر في هذا الباب ما تيسر من الشعر. قال الحماسي محمد بن بشير:
كم من فتى قصرت في الرزق خطوتهألفيته بسهام الرزق قد فلجا!
إنَّ الأمر إذا انسدت مسالكهافالصبر يفتح منها كل ما ارتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبةإذا استعنت بصبر أن ترى فرجا!
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجتهومدمن القرع للأباب أن يلجا!
قدر لرجلك قبل الخطو موضعها:فمن علا زلقا عن غرة زلجا!
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
لا أحسب الشر جاراً لا يفارقنيولا أحز على ما فاتني الودجا
ولا نزلت من المكروه منزلةإلاّ وثقت بأن ألقى لها فرجا
وحز الودج: قطعه. وضربه مثلا للغم على ما فات من عرض الدنيا.
وقال أبو تمام الطائي:
اصبري أيتها النفس:فإنَ الصبر أحجا
نهنهي الحزن فإنَالحزن إن لم ينه لجا
والبسي اليأس من الناسفإنَ اليأس ملجا
ربما خاب رجاءوأتى ما ليس يرجى
وقال أيضاً يهجو يوسف السراج:
ووجه البحر يعرف من بعيدإذا يسجو، فكيف إذا يموجُ؟
وقال الأخر:
وإني لأغضي مقلتي على الأذىوألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا
وإني لادعوا الله والأمر ضيقعلي فما ينفك إنَّ يتفرجا
وكم من فتى ضاقت عليه وجوههأصاب لها في دعوة الله مخرجا!
وقال الأخر:
إذا تضايق أمر فأنتظر فرجا:فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج!
وقال الأخر:
رب أمر عز مطالبهقربته ساعة الفرج
وقال الأخر:
ديار عليها من بشاشة أهلهاجمال تسر الناظرين وتبهج
وقال الأخر:
رأى البيت يدعى بالحرام فحجهولو كان يدعى بالحلال لمّا حجا
وقال الأخر:
علي إني وإنَّ لاقيت شرالخيرك بعد ذاك الشر راج
وقال الأخر:
كم عالم لم يلج بالعام باب غنىوجاهل قبل طرق الباب ولجا!
وقال الأخر:
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيبات الفاتك اللهج
ومثله قول الآخر:
من راقب الناس مات عماوفاز باللذة الجسور
وقال الأخر:
يا نفس صبراً فعقبى الصبر صالحةلابد إنَّ يأتي الرحمان بالفرج!
وقال الأخر:
ولي فرس بالحلم للحلم ملجمولي فرس بالجهل للجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقومومن رام تعويجي فإني معوج
وينسب هذا لصالح بن جناح. وقبله:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إننيإلى الجاهل في بعض الأحايين أحوج
وما كنت أرضى الجاهل خدنا وصاحباولكني أرضى به حين أحرج
ولي فرس بالخير للخير ملجموإلي فرس بالشر للشر مسرج
وبعده:
فإن قال بعض الناس في سماجةفقد صدقوا، والذل بالحر أسمج
ونحوه قول النابغة الجعدي:
ولا خير في حلمٍ إذا لم يكن لهبوادر تحمي صفوة إنَّ يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن لهأريب إذا ما أورد الأمر أصدرا
وقول الآخر:
إذا أغضبت ذا كرم تخطىإليك ببعض أفعال اللئيم
وقول الآخر:
ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقول الآخر:
ولا خير في حلم إذا ذل جانبه
وقول الآخر:
والعاقل النحرير محتاج إلىأن يستعين بجاهل معتوه
وقول الآخر:
ولربما أعتضد الحليم بجاهل:لا خير في يمنى بغير يسار!
وقال الإمام أبو الفضل يوسف بن النحوي، قدس الله سره!:
والرفق يدوم لصاحبهوالخرق يصير إلى الهرج
وقال:
خيار الخلق هداتهموسواهم من همج الهمج
ومن أظرف ما يحكى فيما يناسب هذا المعنى ما حدث به عن الزهري قال: دخلت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين أقبلت يا زهري؟ قال قلت: من مكة. قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قلت؟ عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي قال: وبم سادهم؟ قلت بالديانة والرواية. فقال أن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا الناس. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء. قال: من كان كذلك ينبغي أنَّ يسود الناس. قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. فقال كما قال في الأولين. قال فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول الدمشقي. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نبوي أعتقته امرأة من هذيل. فقال كما قال: قمن يسود أهل لجزيرة؟ قلت ميمون بن مهران. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. فقال كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن البصري. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي قال: ويلك! فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب. فقال: ويلك يا زهري! فرجت عني الله!: تسودون الموالي على العرب حتى يخطب بها على المنابر وإن العرب تحتها! قال قلت: يا أمير المؤمنين، أمر الله ودينه. فمن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط! وقالت جارية من العرب ماتت أمها وأضرت بها زوجة أبيها:
ولو يأتي رسولي أم سعدٍأتى أمي ومن يعينه حاج
ولكن قد أتى من بيني وديوبين وداده غلق الرتاج
ومن لا يؤذه ألم برأسيوما الرئمان إلاّ بالنتاج
وقال أم الضحاك المحاربية:
حديث لو أنَّ اللحم يصلى بحرهطريا، إذا أضحى به وهو منضج
وكانت تحت رجل من الضباب وهي تحبه حبا شديدا، ثم طلقها فقالت:
هل القلب إنَّ لاقى الضبابي خاليالدى الركن أو عند الصفا متحرج؟
وأعجلنا قرب المزار وبينناحديث كتشنيج المريض مزعج
وقال الأخر:
لقد علمت أم الصبيين إننيإلى الضيف قوام السنان خروج
إذا المرغث العوجاء بات يعزهاعلى ضرعها ذو توءمين لوهج
وإني لأغلي اللحم نيا وإننيلممن يهين اللحم وهو نضيج
يريد: إني آخذها جيدة غالية الثمن، فأنحرها وأخلي بينها وبين الناس تهاونا بها، كما قال الآخر:
وإني لأغلي لحما وهي نيةويرخص عندي لحمها حين تذبح
وقال الحارث اليشكري:
قلت لعمرو حين أرسلتهوقد حبا من دونها عالج:
لا تكسع الشول بأغبارها:إنك لا تدري من الناتج
وأصيب لأضيافك ألبانهافإن شر اللبن الوالج!
يقول: لا يبق اللبن في الضروع هذه النوق! والأغبار جمع غبر وهو بقية اللبن في الضرع، كانت العرب تفعل ذلك لسمن الأولاد التي في بطونها. وأصببه للناس، فإنك لا تدري من ينتجها، ولعلك تموت فيبقى ذلك للوارث! ومثله قول الآخر:
وإن درت نياقك فاحتلبهافما تدري الفصيل لمن يكون
وهذا كما في الحديث: يقول أبن آدم مالي مالي، ومالك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت. ومنه قول النمر أبن تولب:
أعاذل إنَّ يصبح صداي بقفرةبعيد نآني صاحبي وقريبي
تري أن ما أبقيت لم أك ربهوإنَّ الذي أنفقت كان نصيبي
وذي إبل يسعى ويحسبها لهأخي نصب في رعيها ودؤوب
غدت وغد رب سواه يقودهاوبدل أحجارا وجال قليب
قوله: جال قليب، جال: الناحية، كما قال مهلهل:
كأن رماحه أشطان بئربعيد بين جاليها جرور
ومنه قول الآخر أيضاً:
قأثنوا علينا لا أبا لأبيكمبأفعال إنَّ الثناء هو الخلد!
وقول حاتم:
أماوي إنَّ يصبح صداي بقفرةٍمن الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى أن ما أبقيت لم أك ربهوأن يدي مما بخلت به صفر
وقال أبن فارس اللغوي:
وقالوا: كيف أنت؟ فقلت خير:تقضى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا:عسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرتي وسروور قلبيدفاتري ومعشوقي السراج
وقال أبو محمّد الحريري:
تعارجت لا رغبة في العرجولكن لأقرع باب الفرج
وألقي حبلي على غاربيوأسلكت مسلك من قد مرج
فإن لامني القوم قلت: أعذروافليس على أعرج من حرج!
وقال أيضاً:
ما الحج سيرك تأويبا وإدلاجاولا اعتيامك اجمالا واحداجا
الحج إنَّ تقصد البيت الحرام علىتجريد الحج لا تقضي به حاجا
وتمتطي كاهل الإنصاف متخذاًردع الهوى هاديا والحق منهاجا
وإنَّ تواسي ما أوتيت مقدرةمن مد كفا إلى جدواك محتاجا
فهذه إنَّ حوتها حجه كملتوإنَّ خلا الحج منها كان إخداجا
حسب المرائين غبنا غرسواوما جنوا ولقوا كدا وإزعاجا
وإنهم حرموا أجرا ومحمدةوألحموا عرضهم من عاب أو هاجى
أخي فأبغ بما تبديه من قربٍوجه المهيمن ولاجا وخراجا
فليس تخفى على الرحمان خافيةإنَّ اخلص العبد في الطاعات أو داجى
وبادر الموت بالحسنى تقدمها:فما ينهه داعي الموت إن فاجا
واقن التواضع خلقا لا تزايلهعنك الليالي ولو ألبسنك التاجا
ولا تشم كل خال لاح بارقهولو تراءى هتون السكب ثجاجا
ما كل داع بأهل أن يصاخ لهكم قد أصم بنعي بعض من ناجى
وما اللبيب سوى من بات مقتنعاببلغة تدرج الأيام إدراجا
فكل كثرة إلى قل مغبتهوكل ناز إلى لين وإن هاجا
وقال أيضاً في وصف سروج:
بلدة يوجد فيهاكل شيء ويروج
ووردها من سلسبيلوصحاريها مروج
وبنوها ومغانيهمنجوم وبروج
حبذا نفحة رياها ومرآها البهيج
وأزاهير رباهاحين تنجاب الثلوج
وقال الآخر:
لو ركبت البحور صارت فجاجالا ترى في متونها أمواجا
ولو إني وضعت ياقوتة حمراءفي راحتي صارت زجاجا
ولو إني ردت عذبا فراتاعاد لا شك فيه ملحا أجاجا
ومثله قول الآخر:
لو وردت البحار أطلب ماءجف قبل الورود ماء البحار
أو لمست العود النضير بكفيلذوى بعد نضرة واخضرار
أو رمى باسمي النجوم الدراريلا نزوى ضوؤها عن الأبصار
ولو إني بعت القناديل يومالبدا الليل في ضياء النهار
وقال الآخر:
ولمل التمست الرزق فانجذ حبلهولم يصف لي من بحره العذب مشرب
خطبت إلى الإعدام إحدى بناتهفزوجنيها الفقر إذ جئت أخطب
فلو تهت في البيداء والليل مسبلعلي جنا حيه لمّا لاح كوكب
ولو جفت شرا فاستترت بظلمةلأقبل ضوء الشمس من حيث يغرب
ولو جاد إنسان علي بدرهملعدت إلى رحلي وفي الكف عقرب
ولو يمطر الناس الدنانير لم يكنبشيء سوى الحصباء رأسي يحصب
وأن يقترف ذنبا ببرقة مذهبفإنَ برأسي ذلك الذنب يعصب
وإن أر خيرا في المنام فنازحوإن أر شرا فهو مني مقرب
أمامي من الحرمان جيش عرمرمومنه ورائي جحفل حين أركب
وقول الآخر:
أحمد الله لو أقل قط يابدرويا موسى ويا كافور
لا ولا قيل قد أتاك منالضيعة بر موفر وشعير
أنا خلو من الممالك والأملاكجلد على البلايا صبور
ليس إلاّ كسيرة وقديحوقميص أتت عليه الدهور
وقول الآخر:
سل عن الرزق يا أبا العباسوجماح الزمن بالأكياس
لو من الناس ساعدتي الدهرولكنني من النسناس
لو هوت صخرة من الجو جاءتتتخطى الأنام تطلب رأسي
لا وحق الإله ما ابصر الشمسبعيني من شدة الإفلاس
وقول الآخر:
برزت من المنازل والقبابفلم يعسر على أحد طلابي
فمنزلي الفضاء وسقف بيتيسماء الله أو قطع سحاب
فأنت إذا أردت دخلت بيتيعلي مسلما من غير باب
لأني لم أجد مصراع بابيكون من السماء إلى التراب
ولا انشق الثرى عن عود تختأؤمل أن اشد به ثيابي
ولا خفت الأباق على عبديولا خفت الهلاك على دوابي
وفي ذا راحة وفراغ بالفدأب الدهر ذا أبداً ودابي
وقول الآخر:
قد أراح الله من همطويل وعذاب
فاسترحنا من عيالوعبيد ودواب
وغدو ورواحوهجاء وعتاب
وقول الآخر:
كسدت شواشينا وقل معاشنافسعودنا مقرونة بنحوس
فكأنما قطعت رؤوس الناس أوخلقوا لشقوتنا بغير رؤوس
وقول الآخر:
أنا في حال تعالى اللهربي أي حال:
ليس لي شيء إذا قيللمن ذا قلت: ذالي
فأرضي الله فرشيوالسماوات ظلالي
ولقد اهزلت حتىمحت الشمس خيالي
ولقد أفلست حتىحل أكلي بعيالي
من رأى شيئاً محالافأنا نفس المحال
لو بقي في الناس حرلم اكن في مثل حالي
وقول الآخر:
ليس إغلاقي لبابي إنَّ ليفيه ما أخشى عليه السرقا
إنّما أغلقه كي لا يرىسوء حالي من يمر الطرقا
منزل أوطنه الفقر فلويدخل السارق فيه سرقا
وقيل لبعض أجلاف المشايم: كيف المعاش؟ فقال: يوما يرزق ويوما لا يرزق. وليته هو مضروب ألف سوط وإنَّ الله لم يخلقه وقيل له: فلعل الله قد ذخر لك بهذا أجرا في الآخرة. فقال: أيهما اكرم على الله الدنيا أم الآخرة؟ فقيل له: الآخرة. فقال: هو لم يعطني الهينة عليه فيعطيني تلك الكريمة عليه!
وقيل لآخر: أتعرف ربك؟ فقال: وكيف لا اعرف من أجاعني واعراني؟ وقيل لآخر وقد رئي مغتنما: ما غمك؟ فقال: سوء الحال وكثرة العيال. فقال له: لا تغتنم فإنهم عيال الله. فقال: صدقتم ولكن كنت أحب أن يكون الوكيل عليهم غيري! وقال بعضهم: كان لآدم ﵇ غلام يخدمه فنحن معاشر المحارفين من نسل ذلك الغلام ولا نسب بيننا وبين آدم فإنَ الله يقول: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات. وليس فينا ولا عندنا شيء من هذه الخصال فلو كنا بني آدم لكان لنا حظ من هذه الأشياء! واستقى قوم يوم الخميس فمطروا. فنظر إليهم بعض المشائيم وهم منصرفون فرحين بالسقايا فقال: والله ما بي إلاّ انهم يظنون إنَّ الله استجاب لهم. والله ما مطروا إلاّ أني غسلت ثيابي اليوم والله ما غسلتها قط إلاّ تغيمت السماء ومطرة ولا بأس فليرجعوا إلى خميس آخر: فإنَ مطروا فليحلقوا لحيتي! وقال أبو العباس أحمد المقري الفاسي يخاطب التاج التونسي:
والله ما انصفتنا يا تاج:فسقامنا لدوائكم مجتاج
فقضية قد ركبت بشروطهاأفممكن أن يخلف الإنتاج
وقال الآخر:
ولم أر شيئاً بعد ليلى ألذهولا منهلا أروى به فأعيج
يقال: ما عجت بالدواء أي لم انتفع به. ويزعم كثير من اللغويين والنحويين إنّه لا يستعمل إلاّ في النفي كما مثلنا وكما في قول كثير:
قلما نفعت نفسي بما أمروا بهولا عجبت من أقاويلهم بفتيل
والبيت المذكور يرده إلاّ إنَّ يتأول إنّه لمّا كان الموصوف منفيا كانت الصفة وما عطف عليها أيضاً في معنى النفي والله اعلم.
وقال الآخر في الأوصاف:
في ليلة أكل المحاق هلالهاحتى تبدى مثل وقوف العاج
والصبح يتلو المشتري فكأنهعريان يمشي في الدجا بسراج
ومثله قول الآخر:
يا رب ليل رقبناه وقد طلعتبقية البدر في أولى بشائره
كأنما ادهم الإظلام حين نجامن أشهب الصبح خلى نعل حافره
وقول الآخر:
فكأن الليل حين لوىهاربا والصبح قد لاحا
كلة سوداء احرقهاعامد أوقد مصباحا
وقول الآخر:
سرى والصبح تحت الليل بادكطرف أبلق تحت الجلال
بكأس من زجاج فيه أسدفرائسهن الباب الرجال
وقول الآخر:
وفتيان سروا والليل داجوضوء الصبح مهتم الطلوع
كأن بزاتهم أمراء جيشعلى أكتافهم صدأ الدروع
وقال الآخر:
لفتاة تسرنا في المثانيوعجوز تسرنا في المزاج
أخذت من رؤوس قوم كرامثأرها بين أرجل الأعلاج
ومثله قول أبي بكر بن زهير:
وموسدين على الأكتاف خدودهمقد غالهم ضوء الصباح وغالني
ما زلت اسقيهم وأشرب فضلهمحتى سكرت ونالهم ما نالي
وخمر تحسن كيف تأخذ ثأرها:إني أملت إناءها فأمالني
وقال الآخر:
ولرب حان قد أدرت بديرهخمر الصبا مزجت بصفو خموره
في فتية جعلوا الزقاق وكاءهممتضارعين تخشعا لكثيره
يهدي إلينا الراح كل مصفقكالخشف خفرة التماح خفيره
وإلى علي بطرفه وبكفهفأمال من رأسي لعب كبيره
وتزنم الناقوس عند صلاتهمففتحت من عيني لرجع هديره
والشعر في أوصاف الخمر كثيرة وأكثره يتنزه عن ذكره وسيأتي كثير منه.
وقال أبو الفرج جعفر اليماني:
عارض أقبل في ليل الدجىيتهادى كتهادي ذي الوجا
بددت ريح الصبا لؤلؤهفانبرى بوقد عنه سرجا
ومثله قول أبن الخطيب:
أخفى مسالكها الظلام فأوقدتمن برقها كي تهتدي مصباحا
وكأنَّ صوت الرعد خلف سحابهاحادٍ إذا ونت الركائب صاحا
وتقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول. وقال الأخر:
قالوا: تبدى شعره فأجبتهم:لابد من علم على الديباج!
والبدر أبهر ما يكون ضياؤهإن كان ملتحفا بليلٍ داجِ
ومن هذا المعنى قول الآخر:
ومهفهفٍ علق السقام بطرفهوسرى فعرس في معاقد خصره
مزقت أستار الظلام بثغرهثم أنثنيت أحوكها من شعره
وقال أبن صارة:
ومهفهفٍ أبصرت في أطرافهقمرا بآفاق الملاحة يشرقُ
يقضي على المهجات منه صعدةمتألق فيها سنان أزرقُ
وقول الآخر:
ومعذرٍ عبث العذار بخدهظلماً فشان ضياءه بظلامه
كسفت محاسنه لأربع عشرةوكذا كسوف البدر عند تمامه
وقال أبن رشيق:
همت عذاراه بتقبيلهفاستل من عينيه سيفينِ
وقامت الحرب على ساقهابين أميرين قتولين:
فذلك المحمر من خدهدماءُ ما بين الفريقينِ
وقال الأخر:
وأغيد من أبناء لمطة شادنٍينوء كما يعطو بخطوته البانُ
ذؤابته مهراقةٌ خلف ظهرهكما التف بالغصن المنعم ثعبانُ
وقول الآخر:
ومهفهفٍ كالغصن إلاّ أنهسلب التثني النوم عن أثنائه
أضحى ينام وقد تورد خدهعرقا فقلت: الورد رش بمائه!
وقول الآخر:
غزال إنسٍ كم استدنيته فنأىعني وأعرض مزوراً بجانبه!
طالت علي ليلٍ من هواه كماطالت عليه ليالٍ من ذوائبه
وقال الصنوبري:
ما أخطأت نوناته من صدغهشيئاً ولا ألفاته من قده
فكأنما أنقاسه من شعرهوكأنما قرطاسه من خده
وهذا المعنى كثير. وقال الأخر:
كأنَّ الثريا راحةٌ تشبر الدجىلتخبر طال الليل أم قد تعرضا
عجبت لليلٍ بين شرقٍ ومغربٍيقاس بشبر كيف يرجى له انقضا
وقول الآخر:
كأنَّ بهرام وقد عارضتمنه الثريا نظر المشتري
ياقوتةٌ يعرضها بائعٌفي كفه والمشتري مشتري
وقول الآخر:
وقد لاح من الصبح الثريا كما ترىكعنقود ملاحية حين نورا
وقال الأخر:
وغريبتة الإنشاء صرنا فوقهاوالبحر يسكن تارة ويموجُ
عجبا تؤم بها معاهدنا التيكرمت فعاج الأنس حيث نعوجُ!
وقد استطال النور فوق الماء منشمس الأصيل فلاح وهو بهيجُ
فكأنَّ متن البحر ذائب فضةٍقد سال فيه من النضار خليجُ
ومثله قول الآخر:
لو أبصرت عيناك زورق فتيةٍيبدي لهم لمح السرور مراحه
وقد استداروا تحت ظل شعاعهكلٌ يمد بكأس راحٍ راحهُ
لحسبته خوف العواصف طائراًمد الحنان على بنيه جناحهُ
وقال أبن الخطيب:
إنَّ الهوى لشكايةٌ معروفةصبر التصبر من أجل علاجها
والنفس إن ألفت مرارة طعمهيوما ضمنت لها صلاح خراجها
وقال السبتي:
يا ساءلاً عن مذهبي عامداًليقتدي فيه بمنهاجي
منهاجي العدل وقمع الهوى:فهل لمنهاجي من هاجِ؟
وقال أبو الحسن بن رشيق:
ولقد ذكرتك في السفينة والردىمتوقع بتلاطم الأمواجِ
والجو يهطل والرياح عواصفٌوالليل مسود الذوائب داجِ
وعلى السواحل للأعادي غارةٌيتوقفون لغارة وهياجِ
وعلت لأصحاب السفينة ضجةٌوأنا وذكرك في أل تناجِ
ومثله وهو أصله قول عنترة:
ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌمني وبيض الهند تقطر بالدمِ
وقول الأرجاني:
وإني لأرعاكم على القرب والنوىوأذكركم بين القنا والقنابلِ
وقول الآخر:
إلاّ من مبلغ المحبوب أنيوقفت وللظبا حولي صليلُ
وأني جلت في جيش الأعاديبرمح وهو في ذكري يجولُ؟
وقول الآخر:
أرسلتها والعوالي في الطلا تردفي موقفٍ فيه ينسى الوالد الولدُ
وما نسيتك والأرواح سائلةٌعلى السيف ونار الحرب تتقدُ
وقوله:
ولقد ذكرتك والصوارم لمعمن حولنا والسمهرية شرع
وعلى مكفاحة والعدو ففي الحشاشوق إليك تضيق عنه الأضلع
ومن الصبا وهلم جرا شيمتيحفظ الوداد فيف عنه أرجع؟
وقول الصفي الحلي:
ولقد ذكرتك والعجاج كأنهمنا وبين معفر في معفر
والشمس بين مجدل في جندلٍمنا وبين وجهك أو مساء مقمر
وتعطرت أرض الكفاح كأنمافتقت لنا ريح الجلاد بعنبر
وقوله أيضاً:
ولقد ذكرتك والسيوف مواطركالسحب من وبل النجيع وطله
فوجدت أنسا عند ذكرك كاملافي موقف يخشى الفتى من ظله
وقلوه أيضاً:
ولقد ذكرتك والجماجم وقعتحت السنابك والأكف تطير
والهام في أفق العجاجة حومفكأنها فوق النسور نسور
فأعتادتني من طيب ذكرك نشوةوبدت علي بشاشة وسرور
فظننت أني في مجالس لذتيوالراح تجلى والكؤوس تدور
وقول أثير الدين بن حيان:
لقد ذكرتك والبحر الخضم طغتأمواجه والورى منه على سفر
في ليلة أسدلت جلباب ظلمتهاوغار كوكبها عن أعين البشر
والماء تحت وفوق المزن وأكفهوالبرق يستل أسيافا من الشرر
والروح من حزن راحت وقد وردتصدري فيالك من ورد بلا صدر!
هذا وشخصك لا ينفك في خلديولا في فؤادي وفي سمعي وفي بصري
ويقرب من هذا قولي:
إلاّ ليت شعري هل أرى من ثنيةعضها كموصوف الكتائب تشرف؟
وهل أردن من سلسبيل مواردٍهناك كالمعسول المباسم تشرف؟
وهل أرين مغنى الدلاء عيشةكأن بنياه بجاد مفوف؟
ذكرتكم وهنا وإني لمدلجبأجواز أقطار الصحاري أطوف
فقلت وقلبي ضمن شجو ولوعةوجفني بمنثور الجمان يكفكف:
أدار سقيك الوبل غير مبرحٍولا برحت عنك الحوادث تصرف
لقد هجت للقلب العميد صبابةتكاد لها صم الجبال تقصف!
وقول الصفدي:
ولقد ذكرتكم بحرب ينثنيعن بأسها الليث الهزبر الأغلب
والصافنات بركضها قد أنشأتليلا وكل سنا سنان كوكب
والبيض تنثر كل ما نظم القناوالنبل يترب والعجاج يترب
وحشاشة الأبطال قد تلفت ظماودم الفوارس مستهل صيب
والنفس قد سالت على حد الظباوأنا بذكركم أميل وأطرب
وقول الآخر يصف الشمس في الغيم:
وتنقبت بخفيف غيم أبيضٍهي فيه بين تخفر وتغنج
كتنفس الحسناء في المرأة إذكلمت ولم تتزوج
ومن هذا المعنى قول أبن طباطبا العلوي:
متى أبصرت شمسا تحت غيمٍترى المرآة في كف الحسود
تقابلها فتلبسها غشاءبأنفاس تزايد في الصعود
وقال الوزير المهلبي:
أما ترى الشمس وهي طالعةتمنع منا إدامة النظر؟
حمراء صفراء في تلونهاكأنها تشتكي من السهر
مثل عروس غداة ليلتهاتمسك مرآتها من القمر
وقوله:
والشمس خيراً خلف غيم عارضفكأنها في ضوء ليل مقمر
وقوله:
الشمس من مشرقها قد بدتنيرة ليس لها حاجب
كأنها فوهية أحميتيجول فيها ذهب ذائب
وقول أبن المعتز:
والشمس كالمرآة في كف الأشل
وقول أبي حفص بن برد، ومنه أخذ:
كأن شعاع الشمس في كل غدوةٍعلى ورق الأشجار أوّل طالع
دنانير في كف الأشل يضمهالقبض فتهوي من فروج الأصابع
ونحو هذا قول الآخر في الخمر:
كانت سراج أناس يهتدون بهافي سالف الدهر قبل النار والنور
تهتز في الكأس من ضعف ومن هرمٍكأنها قبس في كف مقرور
وقول أبن الرومي في الشمس:
كأن جنوح الشمس عند غروبهاوقد جنحت في مجنح الليل تمرض
محاجر عين مس أجفانا الكرىترنق فيها النوم وهي تغمض
وقال أبن خفاجة:
والنقع يكسر من سنى شمس الضح:فكأنه صدا على دينار
وقال إبراهيم بن العباس الصولي:
ولرب نازلة يضيق بها الفتىذرعا وعند الله منها المخرج
كملت فلما استكملت حلقاتهافخرجت وكان يضنها لا تفرج
وكان يقال: ما رددهما من نزلت به نازلة به إلاّ فرج الله عنه.
وقال الأخر:
رويدك! فالهموم لها رتاجوعن كثب يكون لها انفراج
ألم تر أنَّ طول الليل لمّاتناهى حان للصبح انبلاج؟
وقال أبو فراس:
ألا، ربما ضاق بأهلهوأمكن من بيت الأسنة مخرج
ومثله قوله أيضاً:
خفض عليك ولا تكن قلق الحشامما يكون وعله وعساه!
فالدهر أقصر مدة مما ترىوعساك أنَّ تكفى الذي تخشاه
وقول الآخر:
تربص بيومك ما في غدٍفإن العواقيب قد تعقب
لعل غدا من أخيه حمىيلم لك الصداع أو يرأب
وقال الحجاج:
دعها سماوية تجري على قدرٍلا تفسد برأي منك أرضي
وقول أبن حميدس:
ما أغفل الفيلسوف عن طرقٍليس لأهل العقول منسلكه!
من سلم الأمر للإله نجاومن عدا القصد واقع الهلكه
وقول الآخر:
لا تضف في الأمور ذرعا فقديكشف عنها بغير احتيال
ربما تجزع النفوس من الأمرله فرجة كحل العقال
وقصة أبي عمرو بن لعلاء في هذا الشعر، حيث ألزمه الحجاج أنَّ يأتي بشاهد على قراءته غرفة فسمع هذا الشعر مقرونا بنعي الحجاج، معروفة.
وقال الأخر:
إذا دجا خطب وأيقنت منصعب بأن الأمر يأتي عسير
ينعكس الأمر ويأتي كماشئت: فسبحان اللطيف الخبير!
وقول الآخر:
لا تشك! فالأيام حبلى ربماجاءتك من أعجوبة بجنين
فكذا تصاريف الزمان: مشقةفي راحةٍ وخشونة في اللين!
ما ضاع يونس بالعراء مجرداًفي ظل نابتة من اليقطين
وقول الآخر:
والليالي كما علمت حبالىمقربات يلدن كل عجيب
وقول الآخر:
الدهر لا ينفك عن حدثانهوالمرء منقاد لحكم زمانه
فدع الزمان فانه لم يعتمدلجلالة أحد ولا لهوانه!
كالمزن لم يخصص بنافع صوبهأفقا ولم يخش أذى طوفانه
لكن لباريه بواطن حكمةٍفي ظاهر الأضداد من أكوانه
وقول الآخر:
دع المنى! ربما نيلت بلا طلبٍوربما وقع الحرمان من المهن!
وقول الآخر:
الدهر كالطيف بؤساه وأنعمهمن غير قصد: فلا تمدح ولا تذم
لا تسأل الدهر في غماء يكشفها:فلو سألت دوام البؤس لم يدم!
وقوله: ولا تذم، إنَّ كان بكسر الذال من قولك ذامه يذمه ذيما وذاما أي عابه فهو صحيح؛ وإنَّ كان بضمها من قولك ذمه يذمه فهو مذموم فلحن أو ضرورة بشيعة.
وقول أبي بكر الخوارزمي:
ما أثقل الدهر على من ركبهحدثني عنه لسان التجربه!
لا تحمدن الدهر لشيء سببهفانه لم يعتمد بالهبه
وإنّما أخطأ فيك مذهبهكالسيل إذ يسقي مكاناً أخربه!
والسم يستشفي به من شربه
قلت: وشعر هذين الشاعرين ينحو منحى زهير إذ يقول:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصبتمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
لا سيما الشاعر الأول. ولا شك إنَّ ما ذكره زهير خطأ وجهل بالتدبير الرباني، والتصريف الاختياري، وأنَّ كل ذلك واقع عن علم وسبق مشيئة. وإنَّ كان يمكن أنَّ يتأول الكلام لو صدر من موحد بأن ذلك بحسب الصورة الظاهرة. ومثل المنايا صروف الدهر وحوادثه سواء.
ويشبه قول الخوارزمي:
لا تمدحن أبن عباد وإن هطلتكفاه بالجود حتى أخجل الديما!
فإنها خطراتٌ من وساوسهيعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وكتب البيتين فوضعهما حيث يجلس الصاحب ثم ارتحل من وقته. فلما وقف الصاحب عليهما فال:
أقول لركبٍ من خراسان أقبلواأمات خوارزميكم؟ قيل لي نعم!
فقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبره:إلاّ لعن الرحمن من يكفر النعم!
ومثل ما تقدم قول الآخر:
من يصحب الدهر لا يعدم تقلبهوالشوك ينبت فيه الورد والآسُ
تمر حينا وتحلو لي حوادثهفقلما جرحت إلاّ انثنت تأسو
وقول الآخر:
لا تجزعن لعسرةٍ من بعدهايسران وعد ليس فيه خلافُ!
كم عسرة ضاق الفتى لنزولهالله في أعطافها ألطف!
وقول الآخر:
تصبر للعواقب واحتسبهافأنت من العواقب قافي اثنتينِ
تريحك بالمنى أو بالمنايافإنَ الموت إحدى الراحتين!
وقول الأبيوردي:
تنكر لي دهري ولم يدر إننيأعز وأنَّ الحادثات تهونُ
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤهوبت أريه الصبر كيف يكونُ
وقولنا من قصيدة:
فإذا عرتك الحادثات فثقبمليكها ذي الخلق والأمرِ
واصبر لروح الله مرتجيافلتحمدن عواقب الصبرِ
إنَّ اصطبار المرء مفتتحٌمتغلق البأساء والعسرُ
ومنفس عنه الكروب إذاضاقت بهن جوانح الصدرِ
كم من حزين بات مكتئباًمتعسر الأحشاء ذا زفرِ
ما يرتجى جلباب ليلتهأن ينزوي طرفاه بالسفرِ
فاتته ألطافٌ منفسةٌلفؤاده من حيث لا يدري
ولكم بعيد الضيق من سعةٍولكم بعيد العسر من يسرِ!
هل بعد معتكر الظلام سوىبلج الصباح وطلعة الفجرِ
أو بعد ظمأة هجمةٍ وردتإلاّ ارتواء جانب الغدرِ
أو بعد خانقة التلاع سوىفيح الفجاج وفسحة البهرِ؟
وقول الآخر:
أمقتولة الأجفان مالك والهاًألم ترك الأيام نجما هوى قبلي؟
أقلي بكاءً: لستِ أول حرةٍطوت بالأسى كشحا على مضض الثكلِ
وفي أم موسى عبرةٌ إذ رمت بهإلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي
ولله فينا علم غيبٍ وحسبنابه عند جور الدهر من حكم عدلِ
والشعر في هذا المعنى اكثر من أن يحصى.
وقال الغري:
قالوا: بعدت ولم تقرب فقلت لهم:بعدي عن الناس في هذا الزمان حجا
لولا التباعد بين الحاجبين بهبان افتراقهما لم نعرف البلجا
ومثله قول الارجاني:
أسفت على عمرٍ تصرم ضائعاًوجدت بدمعٍ يستهل هتونِ
وآنسني بعدي من الناس جانباًوإن هم على أحداقهو حملوني
ولمّا غدا عنا على جفن ناظريلقاء الورى من صاحبٍ وخدينِ
ألفت الفضا مستوطناً ظهر ناقةٍتلف سهولاً دائماً بحزونِ
وما سرت إلاّ في الهواجر وحدهاكراهة ظل أن يكون قريني
وقول أبي العلاء المعري:
فظم بسائر الإخوان شراًولا تأمن على سرٍ فؤادا:
فلو خبرتهم الجوزاء خبريلمّا طلعت مخافة أن تكادا!
وقوله أيضاً:
جربت دهري وأهليه فما تركتلي التجارب في ودِّ امرئ غرضا
وقول أبن القلاقس:
اعلق بأطراف الوداد فانهمن دافع الأمواج مات غريقا
وإذا انتهى الإخلاص أوجب ده: إنَّ التجمع ينتج التفريقا!
وقول أبن الرومي، وهو المثل المشهور في هذا:
عدوك من صديقك مستفادٌ:فلا تستكثرن من الصحابِ
فإنَ الداء أكثر ما تراهيكون من الطعام أو الشرابِ!
وقول الآخر:
جزى الله خيراً كل من ليس بينناولا بينه ودٌ ولا متعارفُ
فما نالني ضيمٌ ولا مسني أذىمن الناس إلاّ من فتى كنت آلفُ!
وقول الآخر:
أحذر عدوك مرةًوأحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الزمانفكان أعرف بالمضرة!
وقول أبن سناء الملك:
أبى الهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌ:فيا ليت مني مكن الله ضده!
يعد الفتى إخوانه لزمانهوأعدى له من خوفه من أعده
وقولي من قصيدة:
وبنو دهرك العضال من الداءالعديم الأساة ذو الأزمانِ
وأضر الأدواء من تتولاهوتحجوه أقرب الإخوانِ
إنما الأقرباء في الناس جساسٌعليك في السر والإعلانِ
يخبرون العورات حفظاً وإعداداًليوم البأساء والشنآنِ
وقول الأنصاري الأول:
ألا رب من تحجو صديقاً ولو ترىمقاتله بالغيب ساءك ما يفري:
لسانٌ له كالشهد ما دمت حاضراًوبالغيب مطرورٌ على ثعرة النحرِ
وقولي من قصيدة:
فتوخ في الناس الوفي إذاعاشرتهم وحذار الله تعالى الغدرِ!
واسبرهم قبل الإخاء ولاتغتر في الإخوان بالسبرِ!
كم من أخٍ مذق الوداد علىما فيه من إجنٍ ومن سبرِ
إن تلقه فالشهد مقولتهوإذا تعيب يكون كالصبرِ
يسمى بوجهك تستميل وإنأدبرت عنه فكية الظهرِ
وإذا الزمان دعاك نائبهالعازي إليه ترجى البرِ
فسيحتبيك بوعد غانيةٍأو وعد عرقوبٍ جنى التمرِ
وإذا تعود يظل مكتلحاًمتغيظاً ينزو ويستشري
وإذا تصادف ذا الصفا فكنمنه ولو صافحك ذا حذرِ
وأسم سوائم سمعه طرقاًمطروقةً من مسرح السرِ
وصن السرارة واللباب ولاتبذل له منه سوى القشرِ
فلربما يلوي الزمان بهفيكون أبص فيك بالضرِ
وقول الآخر:
فاقت بيوسفها الدنيا وفاح لهاطيب طوى المسك في نشر لها أرجِ
فإنَ يشاركه في اسم الملك طائفةٌفإنَ شمس الضحى من جملة السرجِ
ويتمثل بالبيت الثاني. ومثله في المعنى قول الآخر:
وفي البساتين أفنانٌ منوعةٌوليس يقطف إلاّ الورد والزهرُ
وفي السماء نجومٌ ما لها عددٌوليس يخسف إلاّ الشمس والقمرُ
وقول أبي الطيب:
فإنَ تفق الأنام وأنت منهمفأن المسك بعض دم الغزال
وقول الآخر:
وقد يسمى سماء كل مرتفعٍوإنّما الفضل حيث الشمس والقمرُ
وقول الآخر:
الناس كالناس إلاّ تجربهموللبصيرة حكم ليس للبصرِ
والأيك مشتبهاتٌ في منابتهاوإنّما يقع التفضل في الثمرِ
وقول الآخر:
وقد يتقارب الوصفان جداًوموصوفاهما متباعدانِ
وقول الآخر:
قد يبعد الشيء من شيء يناسبهإنَّ السماء نظير الماء في الزرقِ
وقول الآخر:
دع ما تناسب في الأبصار ظاهرهولا تقل بقياس غير مطردِ
فصدمه المتنافي لا اعتداد بهاشتان ما بين مهتزٍّ ومرتعدِ
وقول الآخر:
قد تشبه الحالة الأخرى وبينهماإذا تأملت فرقٌ عن سواك خفي
فربما صفق المسرور من طربٍوربما صفق المحزون من أسفِ
وقول الآخر:
لقد عرض الحمام لنا بسجعٍإذا أصغى له ركبٌ تلاحى
شجا قلب الخلي فقال غنيوبرَّحَ بالشجي فقال ناحا
وقال الشيخ عمر بن الفارض:
لا كان وجدٌ به الأماق جامدةٌولا غرامٌ به الأشواق لم تهجِ
وقال الراعي:
ومرسلٍ ورسولٍ غير متهمٍوحاجةٍ غير مزجاةٍ من الحاجِ
طاوعته بعدما طال النجي بناوظن أني عليه غير منعاجِ
ما زال يفتح أبواباً ويغلقهادوني وأفتح باباً بعد إرتاجِ
حتى أضاء سراجٌ دونه بقرٌحمر الأنامل عين طرفها ساجِ
يا نعمها ليلةٌ حتى تخونهاداعٍ دعا في فروع الصبح سحاجِ
لمّا دعا الدعوة الأولى فأسمعنيأخذت بردي وأستمررت أدراجي
وقال الأخر:
ما زلت ابغي الحي أتبع ظلهمحتى دفعت إلى ربيبة هودجِ
قالت: وعيش أبي وحرمة أخوتيلأنبهن الحي إن أم تخرجِ
فخرجت خيفة قولها فتبسمتفعلمت أنَّ يمينها لم تحرجِ
فلثمت فاها آخذاً بقرونهاشرب النزيف ببرد ماء الحشرجِ
قوله ماء الحشرج أي الماء الجاري على الحجارة.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
قد كنت حملتني عيظا أعالجهفإنَ تقدني فقد عنيتني حججا
حتى لو اسطيع مما قد فعلت بناأكلت لحمك من غيظٍ وما نضجا
وقبل هذين البيتين:
يا ربة البغلة الشهباء هل لكمأن ترحمي عمراً لا ترهقي حرجا؟
قلت: بدائك مت أو عش تعالجهفما نرى لك فيما عندنا فرجل!
وبعدهما:
فقلت: لا والذي حج الحجيج لهما مج قلبك من قلبي وما مهجا
ولا رأى القلب من شيء يسر بهمذبان منزلكم منا وما ثلجا
كالشمس صورتها غراء واضحةٌتعشي إذا برزت من حسنها السرجا
ضنت بنائلها عنه فقد تركتمن غير جرم أبا الخطاب مختلجا
وقال بعض المجان:
إذا مررت بوادٍ لا أنس بهفاضرب عميرة لا عارٌ ولا حرجُ
ضرب العميرة هي الخضخضة وهي الاستمناء باليد وشبهه. وكذب هذا القائل: فإنَ في الخضخضة لحرجا وعاراً وإنما محرمة عند جماهير الناس وفيها قول بعض الأعراب:
إن تبخلي بالركب المحلوقفإنَ عندي راحتي وريقي
والركب بفتحتين وتقدم تفسيره.
وقول الآخر:
كفي ورجلي لا عدمت كليهماأصبحت أغنى من يروح ويغتدي
أمشي على هذه وأنكح هذهفمطيتي رجلي وجاريتي يدي!
وقول الآخر:
خطبت إلى ساعدي راحتيوما كنت من شر خاطفيها
وما إن تكلفت من مهرهاسوى ريقةٍ أجتزي بها
فإن شئت أوتى بها ثيباًوبكراً إذا شئت أوتى بها
وقال بعضهم: مررت على برذعة الموسوس، وقد أدخل رأسه في جيبه يتخضض. فضربته برجلي، فانكشف فإذا هم منعض، فقلت: ما هذا؟ فقال: أما ترى في ذلك الروشن؟ وأشار إلى باب في علية فإذا جارية جميلة تتطلع. فقال: إني دعوتها فلما لم تجبني أجبتها. فقلت: قبحك الله! ووليت عنه. فلم ألبث أن لحق فقال: قضيت الحاجة على رغم أنفك وأنشد:
أأنكرت ما عاينت من كف دالكوهل ينكر التداليك في قول مالك؟
لقد أمن الدلاك من أن تنالهمحدود الزنى في واضحات المسالك
وأني قد سكنت غربة غلمتيبحسن العيون والثدي الفوالك
وكذب هذا الأحمق على مالك ﵁: فإنَ حرمة الاستمناء هي مذهبه وكذا مذهب الشافعي وغيره. وإنّما رويت رخصة عن عمر بن دينار إن صحت الحكاية عنه. وروى عن أبن عباس إنّه فال في الخضخضة: هي خير من الزنا.
قلت: وليس في هذا الكلام ما يقضي حليتها، إذ ليست المحرمات كلها في درجة واحدة بل مقطوع بتفاوت ما بينها: فإنَ الزنى نفسه وهو محرم إجماعا على درجات بعضها أشد من بعض. ألا ترى إنَّ الزنا بحرة مطاوعة لا زوج لها ولا أهل يسبون بفعلها ة لا ترجو ولدا أخف من الزنى بغيرها وإن كان الكل حراما لأن الحق إذا انفرد وتمحض لله تعالى أخف مما إذا انضم إليه حق المزني بها المكره أو حق الزوج أو حق الأهل أو حق السيد في الأضرار بهم، ونحو ذلك من الحقوق. وهو أيضاً في الآيسة أخف منه في الولود، لمّا في الثانية من مزيد المفسدة باختلاط الأنساب وهو الحكمة الأصلية في التحريم. والمعلوم أنَّ الخضخضة ليست بمحل لهذه المفسدة لا تحقيقا ولا مظنة؛ ولكن فيها تضييع البذر وهو ماء النسل في وجهه فلتكن هي أخف. ولهذا المبحث محل يليق به وليس من غرضنا الآن التعرض له.
وقلت أنا:
إذا لحظتك عين المرء يوماًبدا منه صفاءٌ أو ضجاجُ
وأنبت فيه عن حبٍّ ورغضٍكما ينبي عن الماء الزجاجُ
الصفاء بالكسر: المصفاة؛ والضجاج بالكسر: المضاجة، وهي المشاوره.
وقلت أيضاً:
لكل أخي داء دواءٌ يعدهوأعيت دواء الضغن كل معالجِ
إذا آنس النعمى تضاعفت داؤهوآض بغيظ للجوانح زامجِ
وإن آنس البأساء اصبح شامتاًبقلبٍ من الشحناء والهزء رامجِ
تقول: زمجت القربة إذا ملأتها وزمج الغيظ للجوانح مجاز. والمراج: الممتلئ الريان وهو هنا مجاز أيضاً.
وقلت أيضاً:
أرى الورى وصروف الدهر تخضمهامثل السفين تداعت فوقها اللججُ
وهم رمايا مناياها فلا وزرٌعنها ولا ملجأٌ منها ولا وحجُ
كأنما هي حوض والورى وردٌعطشى أناخوا عليه دائما وحجوا
أو مثل هيمٍ لخمسٍ تغتشيه فلميعن الياد لها عنه ولا العنجُ
الخضم: الأكل ويستعمل في ملء الفم بالمأكول وهو مجاز هنا عن الاستئصال والوحج: الملجأ وهو عطف تفسير. والورد بضمتين جمع ورود؛ وحجوا: أقاموا. يقال: حجي به أي أولع به ولزمه. وبينه وبين الوحج الأول جناس تام بين الاسم والفعل. والهيم: الإبل يصيبها الهيام. والخمس بالكسر: زمان ورودها. والذياد: الطرد؛ والهنج بالتحريك: اسم من العنج بالسكون وهو أن يشد الراكب خطام البعير فيرده على رجليه.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع