تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

أحر من القرع

الحرارة تقدمت والقرع بفتحتين بثر أبيض يخرج من أعناق الفصلان وقوائمها ودواؤه الملح وحباب ألبان الإبل. فإذا لم يجدوا ملحا نتفوا أوبارها ونضحوا جلودها بالماء ومنه المثل. قال في الصحاح: وربما قالوا أحر من القرع بالتسكين يعنون به قرع الميسم وهو المكواة. قال:

كأن على كبدي قرعةحذارا من البين ما تبرد

قال: والعامة تريد به هذا القرع الذي يؤكل. انتهى.

قلت: وإنّما توهموا المأكول لأنّه تشتد حرارته إذا طبخ وتطول ولا يبرد بعد زمن حتى قالوا في زعاماتهم وأمثالهم: قال الذئب: لا آمنك يا قرع ولو كنت في الماء.

حر انتصر الحر بالضم خلاف العبد وحر كل شيء خياره والحر الجيد. يقال: ما هذا من فلان بحر أي جيد. قال طرفة بن العبد:

لا يكن حبك حبا قاتلا:ليس هذا منك ماوي بجر

وقال امرؤ القيس:

لعمرك ما قلبي إلى أهله بحرولا مقصر يوما فيأتيني بقر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر»

والنصر الإعانة نصره على عدوه ينصره نصرا: أعانه وأستنصر: طلب النصر وانتصر منه: انتقم. وتقدم هذا المثل وإنّه من الأمثال التي نسبت إلى الضب في تحاكم الثعلب والأرنب إليه. يضرب للرجل يظلم فينتقم.

أحرس من الكركي يقال: حرس الشيء بالفتح يحرسه حراسة حفظه والكركي على مثال الجندي طائر معروف جمعه كراكي يوصف بالحذر والحراسة.

ويزعمون إنَّ الكركي تحرس مداولة فيبقى الذي يحرس منها لا ينام. ويهتف بصوت

خفي ينذر إنّه حارس حتى إذ قضى نوبته قام الذي كان نائما. ويقال إنّه لا يطأ الأرض أبداً إلاّ بأحدى رجليه ويعلق الأخرى ولا يضعها على الأرض وإن وضعها وضعها وضعا خفيفا مخافة أن تخسف به.

محترس من مثله وهو حارس الحرس والحراسة تقدم. وتقول: احترست منه وتحرست إذا تحفظت. وهذا المثل يضرب لمن يعيب الخبيث وهذا أخبث منه.

واصله شعر عبد الله بن همام يقول لرجل كان على شرط الكوفة للحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي يقال له الحمارس وهو:

أقلي علي اللوم يا ابنة مالكوذمي زمانا ساد فيه الحمارس
فساع من السلطان يسعى عليهمومحترس ومن مثله وهو حارس
للشاعر عبد الله بن همام السلولي، اقرأ القصيدة
وكم قائل: ما بال مثلك راجلا؟فقلت له: من أجل أنك فارس
للشاعر عبد الله بن همام السلولي، اقرأ القصيدة
إذا لم يكن صدر المجالس سيدفلا خير فيمن صدرته المجالس
للشاعر عبد الله بن همام السلولي، اقرأ القصيدة

ويروى: وذمي زمانا ساد فيه الفلاقس وهو جمع فلنقس. والفلنقس من أمة عربية وأبوه مولى. وقيل من أبواه عربيان وجدتاه أمتان. وقيل من أبواه موليان معا.

أحرص من نملة الحرص: الجشع يقال حرص يحرص كضرب يضرب وحرص يحرص كسمع يسمع حرصا. والنملة واحدة النمل وهو معروف. يقال إنّه ليس في الحيوانات من يحتكر الإنسان والعقعق والنمل والفأر. والنمل عظيم الاحتياط في الاحتكار. يقال إنّه إذا احتكر ما يخاف عليه أن ينبت قسمه نصفين وإذا خاف العفن على الحبوب أخرجه إلى ظاهر الأرض فنشره. وأكثر ما يفعل ذلك ليلا بضوء القمر.

حرق عليه الأرم الحرق: البرد. يقال: حرق الشيء يحرقه كقتله يقتله إذ برده وحك بعضه ببعض وحرق نابه يحرقه: حكه بأسنانه حتى سمع له صريف والأرم بضم الهمزة وفتح الراء المشدد على مثال ركع الأسنان أو أطراف الأصابع. والأرم أيضاً الحصا فيقال: فلان يحرق عليك الأرم أي تغيظ وأشتد غيظه. قال الراجز:

نبئت أحماء سليمى إنّماباتوا غضابا يحرقون الأرما

وقال زهير في معناه:

أبى الضيم والنعمان يحرق نابهعليه فأفضى والسيوف معاقله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وقال الآخر:

يلوك من حرد عليك الأرما

أي يعلك أسنانه أو أصابعه. وقد قيل: الأرم هنا الشفاه ويحتمل الحصى وكل ذلك صحيح لأنّه يكون من شأن المتغيظ كما كان عد الحصى شأن الهموم في قول امرئ القيس:

ظلت ردائي فوق رأسي قاعداأعد الحصى ما تنقضي عبراتي

وسميت الاسنان أرما من الأرم وهو الأكل إذ بها يكون. يقال: أرم ما على المائدة إذا اكله فلم يبق منه شيئاً. وهذا المثل هو مثل المثل الآتي: فلان يكسر عليك الفوق والأرعاظ.

حرك خشاشه التحريك معروف والخشاش بكسر الخاء المعجمة ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب وهو إذا حرك تضرر البعير بذلك فيقال: حركت خشاش فلان أي

فعلت به فعلا يؤذيه ويغضبه. ويطلق الخشاش أيضاً على الغضب نفسه وعلى معان أخرى لا تناسب المحل.

وأما الخشاش بمعنى الحشرات فمثلث الأول.

حرك لها حوارها تحن الحوار بضم الحاء على وزن أوار ولد الناقة قبل أن يفصل وتقدم الحنين الشوق. يقال: حن إليه يحن بالكسر فهو حان وحنان إذا تاقت إليه نفسه. وهذا المثل قاله عمرو بن العاصي لمعاوية رحمهما الله حين أراد أن يستنصر بأهل الشام. وهو مثل المثل السابق: الإيناس قبل الابساس. وفي كلام أبي الوليد بن زيدون يخاطب أبن جهور: فما أبسست بك إلاّ لتدر وحركت لك الحور إلاّ لتحن.

حزت حازة من كوعها يضرب في اشتغال القوم بأمرهم عن غيره. ولم اقف له على أصل.

أحزم من الحرباء الحزم ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة. حزم الرجل بالضم يحزم حرامة فهو حازم وهم حزمة وحزماء والحرباء على مثال علباء والأنثى حرباءة والألف للإلحاق بالقرطاس: دويبة برية لها سنام يشبه سنام البعير وهي تستقبل الشمس أبداً بعينها وتدور معها كيف ما دارت قال كعب بن زهير ﵁:

يوم يظل به الحرباء مصطخداكأن ضاحية بالشمس مملول

وقال أبن الرومي:

ما ذاك إلاّ إنّها شمس الضحىأبداً يكون رقيبها الحرباء
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما بالها قد حسنت ورقيبها»

قيل: ويتلون بألوان من صفرة وحمرة وخضرة كما قال الشاعر:

وقد جعل الحرباء يصفر لونهويخضر من لفح الهجير غباغبه

ويوصف بالحزم والتحفظ، وذلك إنّه لا يزال متمسكا بأصل الشجرة، فلا يرسله حتى يستمسك بآخر.

قال الشاعر:

إني أتيح له حرباء تنضبةٍلا يرسل الساق إلاّ ممسكا ساقا

أي لا يرسل ساقا من شجرة إلاّ في حالة إمساكه ساقاً آخر. والتنضبة شجر يتعلق به الحرباء. فهو مضاف إليه، كما تقول ذئب غضا.

ويروى أنَّ رجلا خاصم أبن عمه إلى معاوية، ﵁، فلما سمع حججه قال له: أنت كما قال الشاعر، وانشد البيت المذكور، وضربه مثلا لمّا هو فيه من اللدد والاحتجاج، بحيث لا يرسل حجة إلاّ متمسك بأخرى.

أحزم من عقابٍ الحزم مر؛ والعقاب تقدم في حرب الباء أيضاً، وهو يوصف بالحزم. وقالوا: من حزمه إنّه يخرج من بيضته على جبل عال، ولا يتحرك من مكانه ذلك حتى ينبت ريشه جميعا ويتكامل ولو تحرك قبل ذلك سقط.

أذكر في هذا المعنى ما أخبر صاحب التشوف في ترجمة الشيخ أبي مهدي الدغوغي، رحمهما الله ونفعنا بهما، قال: حدثني داود بن الخالق حدثني وين الخير قال: كنت بمسجد أبي مهدي ادرس القرآن. فكان يقعد عندي ويدلني على طريق الآخرة. فجاءه ليلة بعض إخوانه. فلما صلينا العتمة تأخرا في المسجد إلى إنَّ انصرف الناس. فخرجنا من أحد أبواب المسجد، فشدا على أنفسهما أثوابهما وتلثما. فرأيتهما وثبا من الأرض كهيئة الغرانيق الثقيلة تطير على وجه الأرض. ومازالا يعلوان في الهواء إلى أنَّ غابا عني، فانكسرت انكسارا عظيما ونالتني حسرة القصور عن أحوال الرجال، وتكاسلت عن القرآن، وبقيت مفكرا طول ليلتي. فلما كان وقت صلاة الصبح صلى معنا أبو مهدي مع صاحبه صلاة الصبح. ثم جاء وقعد عندي على عادته، فرآني منكسرا متكاسلا عن القرآن، فقال: مالك لا تقرأ؟ فسكت. فقال: لعلك رأيتني البارحة؟ فهملت عيناي بالدموع، فقلت له: رأيتكما وأريد أن أصحبكما إذا ذهبتما. فقال لي: يا بني إنَّ الفرخ إذا نبت رغبه لم يطر مع الطير حتى يكمل نبات ريشه! قال. فلما كان ذات ليلة قال لي:

اذهب إلى فلان في بلد تانوريت وهو بلد بني سمائل وقل له يأتيني لأصلي معه الصبح الآن، وبينهما مسيرة يومين، وقد قرب طلوع الفجر! قال. قلت في نفسي: كيف يمكن هذا؟ ثم تذكرت أحواله، فمشيت وتبعني ووادعني ورجع. فمشيت قليلا وأدركني شبه السنة، فما شعرت إلاّ وأنا أعاين مسجد تانوريت. فخرج إلي منه رجل فقال: بعثك إلي شيخ أبو مهدي؟ فقلت له نعم: وامرني أن أعلمك أن تصلي معه بمسجده الآن صلاة الصبح. فقال لي: تقدم! ودار حول المسجد، وغاب عني، وانقلبت راجعا. فأصابني أيضاً شبه السنة، فإذا أنا على قرب من مسجد أبي مهدي. فدخلت المسجد، فوجدت أبا مهدي وصاحبه يتحدثان وقد صليا صلاة الصبح. فصليت وظننت أني قد لحقت بالشيخ فأتيته. فقال لي: يا بني! أرأيت بعض ما يرى الرجال؟ فقلت له: يا سيدي، عسى أنَّ أصحبك في مسيرك إذ سرت طار الطائر الصغير قبل استكمال نبات ريشه مع الطائر الوافر الريش، فإنما يسير ميلين ويسقط في القفر، فيلتقطه الرعيان. وإنَّ جاء الرجال ليصلون إلى موضع لو طار الطائر إلى إنَّ يسقط ريشه وينبت آخر فطار حتى يسقط فينبت آخر، فطار حتى يسقط فينبت آخر، وما وصل موصل عباد الله الصالحين في طرفة عين.

أحزم من قرلى ويقال أيضاً: أحذر من قرلى؛ ويقال أيضاً: احزم أو أحذر من قرلى، إنَّ رأى خيرا تدلى، وإنَّ رأى شراً تولى أو تعلى.

الحزم تقدم، وكذا الحذر. والقرلى بكسر القاف والراء، وبعد اللام ألف مقصورة، ويحكى أيضاً في القاف التثليث، طائر شديد الحذر، ولا يرى إلاّ على وجه الماء على جانب يهوي بإحدى عينيه إلى الماء طعماً ويرفع الأخرى حذراً. فإنَّ رأى في الماء ما يصاد من السمك، أنقض عليه انقضاض السهم؛ وإنَّ رأى جارحا ذهب. ومن ثم: يقال: إنَّ رأى خيراً تدلى أي إلى الماء، وإنَّ رأى شرا أي ما يخافه تولى فراراً منه. وقيل: إنَّ قرلى في هذا المثل رجل من العرب كان لا يفوته طعام أحد، فحيثما كان الطعام

في ناحية توجه إليه؛ غير إنّه إنَّ صادف في طريقه خصوما مثلا ترك ذلك الطريق ولم يمر به. ومن ثم قالوا: اطمع من قرلي، والمراد به هذا الرجل. قيل: ويمكن إنَّ يكون هذا الرجل شبه بهذا الطائر، وسمي باسمه.

حسبك من شر سماعه يقال: احسبني الشيء يحسبني إحسابا، فهو محسب، أي كفاني. قال الشاعر:

إذا ما رأى في الناس حسنا يفوقهاوفيهن حسن لو تأملت محسب

وقال الأخر:

وتقفي وليد الحي إنَّ كان جائعاوتحسبه إنَّ كان ليس بجائع

وقالت الخنساء:

يكبون العشار لمن أتاهمإذا لم تحسب المائة الوليدا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «بكت عيني وعاودت السهودا»

وهذا الشيء حساب، أي كافٍ. قال تعالى:) عطاء حسابنا (. وحسبك درهم، أي يكفيك. قال تعالى:) حسبك الله (. وقال الشاعر:

إذا كانت الهيجاء واشتقت العصافحسبك والضحك سيف مهند!

أي يكفيك ويكفي الضحاك.

وقال امرؤ القيس:

فتملأ بيتنا أقطا وسمناوحسبك من غنى شبع وري
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

وهذا الشعر ينسبه الناس لامرئ القيس، وهو في ديوانه وقبله:

ألا إلاّ تكن ابل فمعزىكأن قرون جلتها العصي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا إلا تكن إبل فمعزى»
وجاد لها الربيع بواقصاتٍفآرام وجاد لها الولي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا إلا تكن إبل فمعزى»
إذا مشت حوالبها أرنتكأن القوم صبحهم نعي
فتوسع أهلها أقطا وسمناوحسبك من غنى وشبع وري
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا إلا تكن إبل فمعزى»

وسبب قوله ذلك أنَّ بني النبهان، لمّا لم يقدروا أنَّ يفتكوا له إبله التي أخذتها جذيلة وأخذت منهم رواحله التي ركبوها في رد الإبل، استحيوا من ذلك فوهبوا له المعزى التي وصفها. وكان الأصمعي ينكر نسبة هذا الشعر لامرئ القيس ويقول: امرؤ القيس لا يقول مثل هذا، واحسبه للحطيئة. وسبب إنكاره قوله: وحسبك من غنى شبع وري، فإن هذا مناف لحال امرئ القيس ولمّا كان يقول في شعره من أنَّ مطلوبه الملك، لا ما دونه، كقوله:

ولو إنّما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثلٍوقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

قلت: وأنت خبير بأنه، مع حالته هذه، لا بعد في أنَّ يقول لوجهين: أحدهما أنَّ يقوله استهزاء ببني نبهان، حيث أغير عليه في جوارهم، ثم ركبوا رواحله في رد إبله، فانتزعت منهم زيادة على ما ذهب من الإبل، فوقعوا في هوان عظيم وذله وصغار. ثم لم ينتصروا وجعلوا يعطونه معزى عن الإبل العكر والرواحل النجب، فعظم أمر المعزى ضحكا منهم، وذلك هجاهم حيث يقول:

فدع عنك نهبا صيح في حجراتهولكن حديثا ما حديث الرواحل!
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «فدع عنك نهباً صيح في حجراته»
كأن دثار حلقت بلبونهعقاب تنوفى لا عقاب القواعل
وأعجبني مشي الخزقة خالدٍكمشي أتان حلئت في المناهل

خالد هذا هو الذي مشى في ردها فانتزعت منه الرواحل.

الثاني إنَّ يريد ظاهره، وهو إنّها كافية، قائمة مقام الإبل الذاهبة شبعا وريا. ولا يعني إنَّ ذلك منيته وبغيته من الدنيا، وإنَّ ذلك كاف من يطلب العيش، ولا يعني نفسه.

وقال نصيب:

وقال رجال: حسبه من طلابهافقلت: كذبتم ليس لي دونها حسب!
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «بزينب المم قبل ان يرحل الركب»

وقبل هذا البيت قوله:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركبوقل إنَّ تمثيلنا ملك القلب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «بزينب المم قبل ان يرحل الركب»
وقل: إنَّ ننل بالود منك محبةفلا مثل ما لاقيت في حبكم حب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «بزينب المم قبل ان يرحل الركب»
وقل في تجنيها: لك الذنب إنّماعتابك من عاتبت فيما له عتب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «بزينب المم قبل ان يرحل الركب»
فمن شاء رام الصرم أوقال ظالمالذي وده ذنب وليس له ذنب
خليلي من كعب ألما هيتمابزينب لا تفقدكما أبدا كعب
من اليوم زوارها فإن ركبناغداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب
وقولا لها: يا أم عثمان خلتيأسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «بزينب المم قبل ان يرحل الركب»

وقال رجال: حسبه من طلابها " البيت " وكان جرير يقول: " وددت أني سبقت أبن السوداء إلى هذه الأبيات! " يعني نصيبا.

وقال الأعرابي:

وحسبك من خمر يفوتك ريقهاووالله ما من ريقها حسبك الخمر!

ولهذا الشعر حطاية ظريفة عن بعض أصحاب الأصمعي قال: ما رأيت كأعرابي وقف علينا وسلم وقال: أيكم الأصمعي؟ فقال له: هاأنا ذا! قال: أنت الذي يزعم هؤلاء انك أعرفهم بالشعر؟ قال: فمن هو اعلم مني؟ قال: أنشدوني من شعر أهل الحضر حتى أريه من شعرنا، فأنشده شعراً قيل في مسلمة بن عبد الملك:

أمسلم أنت البحر إنَّ جاء واردٌوليث إذا ما الحرب طار عقابها
وأنت كسيف الهندواني إنَّ غدتحوادث من حرب يعب عبابها
ولا خلقت أكرومة في امرئ لهولا غاية إلاّ إليك مآبها
كأنك ديدان عليها موكلبها وعلى كفيك يجري حسابها
إليك رحلنا العيس إذ لم نجد لهاأخاثقةٍ يجرى لديه ثوابها

فتبسم الأعرابي وهز رأسه، فظننا إنّه استحسن الشعر، ثم قال: هذا شعر مهلهل النسج، خطؤه من صوابه: تشبهون الملك بالأسد، والأسد أبخر قبيح المنظر، وبالبحر، والبحر مر صعب، وبالسيف، وربما خان ونبا. هلا أنشدتموني كما قال صبي منا؟ فقال له الأصمعي: ما قال؟ فأنشد:

إذا سألت الورى عن كل مكرمةٍلم يعز أكرمها إلاّ إلى الهول
فتى جواد أذاب المال نائلهفالنيل يشكوا لديه كثرة النيل
والموت يكره إنَّ يلقى منيتهفي كره عند لف الخيل بالخيل
لو زاحم الشمس أبقى كاسفةأو زاحم الصم ألجاها إلى الميل
أمضى من النجم إنَّ نابته نائبةٌوعند أعدائه أجرى من السيلِ
يقصر المجد عنه في مكارمهكما يقصر عن أفعاله قولي

قال اللراوي: فبهتنا والله بما رأينا. فتأنى قليلا ثم قال: ألا تنشدني يا أصمعي شعرا ترتاح إليه النفس؟ فأنشدته قول عدي بن الرقاع:

وناعمةٍ تجلو بعود أراكةٍمؤشرةٍ يسبي المعانق طيبها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «وناعمة تجلو بعود أراكة»
كأن بها خمراً بماء غمامةٍإذا ارتشفت بعد المنام غروبها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «وناعمة تجلو بعود أراكة»
أراك إلى نجد تحن وإنماهوى كل نفسٍ حيث كان حبيبها
للشاعر حمدون بن الحاج السلمي، اقرأ القصيدة

فتبسم الأعرابي وقال: هذا قريب من الأول. ألا أنشدتني كما قلت:

تعلقتها بكراً وعلقت حبهاوقلبي من كل الورى فارغٌ بكرُ
إذا احتجبت لم يكفك البدر فقدهاوتكفيك فقد البدر إن حجب البدرُ
وما الصبر عنها إن صبرت وجدتهجميلاً ولا في مثلها يحسن الصبرُ
وحسبك من خمر يفوتك ريقهاووالله ما من ريقها حسبك الخمرُ
ولو أنَّ جلد الذر لامس جلدهالكان للمس الذر في جلها أثرُ
ولو لم يكن للبدر ضداً جمالهاوتفضله في حسنها لصفا البدرُ

قال: الراوي: فقال لنا الأصمعي: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق الأكباد! انتهى.

ويقال أيضاً: حسبك بكذا. قال أبو تمام:

نامت همومي عني حين قات لها:حسبي أبو دلفٍ حبي به وكفى!

وقال العباس بن الأحنف:

إن كان يرضيكم عذابي وأنأموت بالهجران والكربِ
فالسمع والطاعة مني لكمحسبي بما ترضون لي حسبي
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أميرتي لا تغفري ذنبي»

والشر ضد الخير؛ أنَّ الشر يكفيك منه سماعه وإن لم تعاينه إما على معنى أنَّ الشر من

شناعته وقبحه يتبين بسماعه وإن لم تعانيه؛ أو أنه يحصل لك اتهام ما به من مجرد سماعه وإن لم تقدم عليه ولا انتسبت إليه؛ أو يكفي فيما انتسب إليك من الشر سماع الناس له وإن لم يعانوه. وهذا ما ذكر أبو عبيد أنَّ هذا المثل يضرب فيما يحذر من العار والعيب والمقالة السوء وإن كانت باطلا كقول الآخر:

قد فيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباًفما اعتذارك من قول إذا قيلا؟

وإما على معنى الأمر أي: اكتف من الشر بسماعه ولا تعانيه والله أعلم.

والمثل لأم الربيع بن زياد العبسي وكان ابنها الربيع أخذ من قيس بن زهير درعا فعرض قيس لأم الربيع وهي على راحلتها في طريق فأراد أن يقبضها في الدرع فقالت: أين عزب عنك عقلك يا قيس؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم يمينا وشمالا وقال الناس ما قالوا؟ إنَّ حسبك من شر سماعه. فذهبت كلمتها مثلا.

وقالت عاتكة بنت عبد المطلب من شعراء الحماسة:

سائل بنا في قومناوليكف من شر سماعه
قيساً وما جمعوا لنافي مجمع باقٍ شناعه
للشاعر عاتكة بنت عبد المطلب، اقرأ القصيدة

وبعده:

فيه السنور والقناوالكبش ملتمع قناعه
للشاعر عاتكة بنت عبد المطلب، اقرأ القصيدة
بعكاظ يعيش الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه
فيه قتلنا مالكاًقسراً وأسلمه رعاعه
للشاعر عاتكة بنت عبد المطلب، اقرأ القصيدة
ومجندلاً غادرنهبالقاع تنهشه ضباعه

تصف بهذا الكلام حرب الفجار بين قريش بعكاظ. وأرادت بقولها: وليكف من شر سماعه: أنا أوقعنا بهم من الشر ما ظاهر غني عن السؤال عنه والأخبار به.

تحسبها حمقاء وهي باخسٌ تقول: حسبت زيدا عالما بالكسر أحسبه وأحسبه محسبة ومحسبه وحسباناً بالكسر إذا ظننته؛ والحمقاء مؤنث الأحمق؛ والباخس من البخس وهو النقص والظلم. يقال: بخسه حقه يبخسه بخسا فهو باخس

وهي باخسة وباخس أيضاً. وورد به المثل وهو جائز كما قالوا: ناقة بازل ومغذ في السير وحائل. ومن شاء أن يؤنث في المثل أنث وهو الأصل.

وأصل هذا المثل أنَّ رجلا خلط بماله مال امرأة يظنها حمقاء فطمع فيها. فلما تقاسما أخذت جميع حقها ثم لم ترض بذلك فشكته حتى افتدى منها من المال بما أحبت. ثم إنَّ الناس ظنوا إنّه يغبنها فلاموه وقالوا له: كيف تخدع امرأة؟ فقال عند ذلك: تحسبها حمقاء وهي باخس أي ظالمة فذهبت مثلا يضرب في الرجل يتباله أو يطيل الصمت حتى يظن به التغفل وهو ذو دهاء ومكر. ونحوه قولهم: مخرنبق لينباع كما يأتي:

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.