من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
شنشنه أعرفها من أخزم
الشنشنة بالكسر: الطبيعة والخلق: وأخزم بالزاي رجل من طيء، وهو أبن أبي أخزم جد حاتم، أو جد جده. مات أخزم هذا وترك بنين، فوثبوا يوما على جدهم فأدموه فقال:
إنَّ نبي زملوني بالدممن يلق أساد الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقومشنشنة أعرفها من أخزم
لأنه كان عاقا كذلك.
ويحكى إنَّ عقيل بن علفة بضم العين المهملة وفتح اللام المشددة بعدها فاء على وزن قبرة بن الحارث المري، خرج هو وأبناه، جثامة وعملس، وأختهما الحوراء حتى أتوه ابنة أخ ناكحا في بني مروان بالشام. ثم قفلوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال عقيل:
قضت وطرا من دير سعد وكالماعلى عرض نطحنه بالجماجم
ثم قال: أجز، يا جثامة! فقال:
وأصبحن بالهومات يحملن فتيةنشاوي من الإدلاج هيل العمائم
ثم قال: أجز يا علمس! فقال:
إذا علم غادرنه بنتوفةتذارعن بالأيدي لآخر طاسم
ثم قال: يا حوراء، أجيزي! فقالت:
كأنَّ الكرى ساقهم صرخ يدهتدب دبيبا في المطا والقوائم
فقال عقيل: شربتها، وربَّ الكعبة! ثم شد عليها بالسيف، فقال أخوها: ما ذنبنا؟ إنّما اجازت شعرا! فشد عليه أحدهم فخدشه بسهم يتمعك في دمه ويقول:
إنَّ بني ضرجوني بالدممن يلق أبطال الرجال يكلم
شنشنة أعرفها من أخزم
ثم توجه ولده للطريق. فلما مروا ببني القين قالوا لهم: هل لكم في الجزور انكسرت! قالوا: نعم! قالوا: الزموا هذه ارواحل! فذهب القوم حتى انتهوا إلى عقيل، فحملوه وعالجوه حتى برئ ولحق بهم. فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: من أمثالهم في التشبيه الرجل بأبيه: شنشنة اعرفها من أخزم. قال: وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب ﵁. قاله في أبن عباس، ﵄، شبهه في رأيه بابيه. قال البكري: أخزم هذا هو جد حاتم بن عبد الله الطائي، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أبي أخزم بن أبي أخزم. وقيل هو جد عقيل بن علفة. الشنشنة: النطفة، من شنشنت إذا أرقت. ويراد ما أراق من النطفة في الرحم.
قال أبو بكر: وقال قوم: شنشنة: الغريزة والطبيعة. فمن جعل أصل المثل لأخزم الطائي قال: كان أخزم جوادا. فلما نشأ حاتم وعرف جوده قال: الناس: شنشنة من أخزم، أي قطرة من نطفة أخزم. قال: وذكر علي بن الحسن إنَّ عقيل بن علفة أبن الحارث المري أتى منزله فإذا بنوه مع بناته وأزواجه مجتمعون. فشد على عملس منهم، فحاد عنه وتغنى ابنه علفة:
قفي يا ابنه المري أسألك ما الذيتريدين فيما كنت منيتا قبل
فإنَّ شئت كان الصرم ما هبت الصباوإنَّ شئت لا يفنى التكارم والبذل!
فقال عقيل: يا أبن اللخناء متى منتك نفسك هذا؟ وشد عليه بالسيف. فحال
علمس بينه وبينه، وكان أخاه لأمه وأبيه. فشد على علمس بالسيف وترك علفة ولم يلتفت إليه فرماه علمس بسهم وأصاب ركبته. فسقط عقيل يتمكع بالدم وهو يقول:
إنَّ بني سربلوني بالدممن يلق أبطال الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقومشنشنة أعرفها من أخزم
قال المدائني: شنشنة أعفها من أخزم مثل ضربه، وأخزم فحل كان لرجل من العرب وكان منجبا، فضرب في ابل رجل آخر ولم يعلم صاحبه فرأى بعد ذلك من نسله جملا فقال شنشنة أعرفها من أخزم. انتهى كلام البكري.
وقال أبن ظفر في شرح المقامات: هذا المثل ضربه جد حاتم حين نشأ حاتم وتقيل أخلاقه جده أخزم في الجود، فقال: شنشنة.. الخ. وتمثل عقيل بن علفة به حين قال: إنَّ بني.. الخ. ومن أدعى إنَّ المثل فقد سها فيه. انتهى.
شاهد البعض اللحظ مثله قولهم أيضاً: رب لحظ انم من لفظ كما مر من قول زهير:
فإنَّ تك في عدو أو صديقٍتخبرك العيون عن القلوب
وقول أبن أبي حاتم:
خذ من العيش ما كفىومن الدهر ما صفا
عين من لا يحب وصلك تبدي لك الجفا
وقول الآخر:
تخفي العداوة وهي غير خفية:نظر العدو بما أسر يبوح
وقالوا: يعبر عن الإنسان اللسان، وعن المودة والبغض العيان.
يشوب ويروب الشوب: الخلط تقول: شبت اللبن وغيره بالماء، وأشوبه شوبا والروب الرائب وهو اللبن الخاثر قبل أن يحمض. ولا يزال يمسك بذلك حتى يمخض وينزع زبده. ثم يبق ذلك الاسم على بعد. قال الشاعر:
سقاك أبو ماعز رائباومن لك بالرائب الخاثر؟
يقول: سقاك الممخوض، ومن لك بالذي لم يمخض. وهذا قول أبي عبيد.
ورابت اللبن وروبته وراب هو يروب روبا. والمروب: السقاء الذي يروب فيه.
ويقال: ما له شوبٌ ولا روبٌ أي مرق ولا لبن.
وقيل الشوب العسل والروب اللبن وفلان يشوب ويروب: يخلط ويصفي ويمزج الهزل بالجد.
يضرب من إصابته مرة وأخطائه أخرى. ويقال: يشوب ولا يروب أي يخلط ولا يخلص.
وأصل يروب في المثالين يريب وإنّما قيل يروب للازدواج.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع