من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
سخر البخيل يدبر عليك
!
وأما الشعر فقالوا: تحسبها حمقاء وهي باخس وتقدم في الحاء. وقال جرير:
وابن اللبون إذا ما لز في قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
وتقدم تفسير أبن اللبون والبازل والقرن بفتحتين: الحبل يجمع فيه البعيران. ومنه قول جرير:
وأبلغ خليفتنا إنَّ كنت لاقيه إني لدى الباب كالمشدود في قرن!
ولززت البعير وغيره لزا ولزازاً، وألأززته: شددته وألصقته؛ والقناعيس جمع قنعاس بالكسر وهو العظيم من الإبل.
وقال الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوائزهلا يذهب العرف بين الله والناس
وقبله:
لمّا بدا لي منكم عيب أنفسكمولم يكن لجراحي منكم آس
أزمعت يأسا مريحا من نوالكمولن ترى طاردا للحر كالياس
جارا لقوم أطالوا هون منزلهوغادروه مقيما بين أرماس
ملوا قراه وهرته كلابهموجرحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاوأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير.. " البيت "
وخاطب بهذا الشعر الزبرقان، وعليه سجنه أمير المؤمنين عمر ﵁. وقال زيد الخيل:
أقاتل حتى لا أرى مقاتلاوأنجو إذا لم ينج إلاّ المكيس
يروى مقاتلا بكسر التاء، وبفتحها على معنى موضع القتال.
وقال أوس بن حجر:
وليس فرار اليوم عاراً على الفتىإذا عرفت منه شجاعة بالأمس
ومثلهما قول عمرو بن معدي كرب:
ولقد اجمع رجلي بهاحذر الموت وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهةحين للقوم من الموت هرير
آخر:
رب مغروس يعاش بهعدمته كف مغترسه
وكذاك الدهر مأتمهأقرب الأشياء من عرسه
المأتم بالتاء المثناة من فوق، على وزن مقعد كل مجتمع في حزن أو فرح، وقيل خاس بالنساء، وقيل بالشواب. وأطلق هنا على مجتمع الحزن. وأما المأثم بالثاء المثلثة فهو مفعل ما لا يحل كالاثم؛ والعرس بضمتين: طعام الوليمة. قال الراجز:
أنا وجدنا عرس الحناطلئيمة مذمومة الحواط
ويخفف. والعرس بالفتح: الإقامة في الفرح، والعمود في وسط الفسطاط؛ والعرس بفتحتين الدهش؛ والعرس بالكسر: زوج الرجل؛ ولبؤة الأسد، وزوج المرأة أيضاً. وأما العروس فوصف يقع على الذكر والأنثى، ما داما في أعراسهما. والمعنى أنَّ حزن الدهر قريب من فرحه، كما أنَّ فرحه قريب من حزنه، وكذا الصحة والعافية والضيق والسعة ونحو ذلك.
وقال الآخر:
إنَّ كنت لا ترجى ولا تتقىفأنت كالميت في رمسه
ونظمها أبن شرف فقال:
إنَّ لم تضر ولم تنفع فكن حجراأو ميتا عن أمور العيش مشغولا
وقال صالح بن عبد القدوس:
وإنَّ من أدنته في الصباكالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه ناضرا مونقابعد الذي أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقهحتى يوارى في الثرى رمسه
ونظم هذا الأخير أبن شرف فقال:
ومن يعش وهو مطبوع على خلقٍلاقى به التراب مضموما ومنقولا
وقال الآخر:
من يزرع الخير يحصد ما يسر بهوزارع الشر منكوس على الرأس
وقال الآخر:
ما أقبح الكذب المذموم صاحبهوأحسن الصدق عند الله والناس
وقال العباس بن الأحنف:
وما مر يوم أرتجي فيه راحهفأخبره إلاّ بكيت على أمس
ولمحمود:
أخو البشر محمود على كل حالةٍولن يعدم البغضاء من كان عابسا
ويسرع بخل المرء في هتك عرضهولم أر مثل الجود للعرض حارسا
غيره:
يا حبذا الوحدة من أنيسإذا خشيت من أذى الجليس!
غيره:
لا تترك الحزم في أمر تحاذرهفإنَّ أصبت فما الحزم من باس!
العجز ضعف وما بالحزم من ضرروأزم الحزم سوء الظن بالناس
غيره:
وما نكد الدنيا على طيب ظلهاوقرب حماها العذب شيء سوى الإنس؟
غيره:
يا راكب الفرس السامي يحكى لونه القبس
لا أنت تبقى على سيف ولا فرسوليس يبقى عليك السيف والفرس!
غيره:
أقول له حين ودعتهوكل بعبرته ملبس:
لئن رجعت عنك أجسامنالقد سافرت معك الأنفس!
وللخنساء:
ترى الأمور سواء وهي مقبلةوفي عواقبها تبيان ما التبسا
ترى الجليس يقول القول تحبسهنصحا وهيهات ما نصحا به التمسا
ويحكى أنَّ أمير المؤمنين عمر ﵁ استنشدها فأنشدته هذا الشعر، فقال لها: أنت أشعر كل ذات هنٍ! فقالت: وكل ذي خصيين! قيل: وكان بشار يقول: ما قالت امرأة شعرا إلاّ ظهر عليه الضعف. فقيل له: حتى الخنساء؟ فقال: لا! تلك لها أربع خصى! غيره:
تعب يدوم لذي الرجاء مع الهوىخير له من راحة في اليأس
وهذا خلاف ما طلب امرؤ القيس في قوله:
أماوي هل لي عندكم من معرسأم الصرم تختارين بالوصل نيأس؟
أبيني لنا، إنَّ الصريمة راحةمن الشك ذي المخلوجة المتلبس
لكن طلب البيان من طول الضجر، ولا يقضي أن يكون التأييس خيرا من لا ترجيه.
غيره:
ثنيت عزمي عن الدنيا وساكنهافأسعد الناس من لا يعرف الناسا
غيره:
جفوت أناسا كنت آمل قربهموما بالجفا عند الضرورة من باس
غيره:
حفظ اللسان سلامة للرأسوالصمت عز في جميع الناس
غيره:
رأيتك لا تهوين لا دراهميعليك سلام الله قد ينفذ الكيس!
غيره:
صدر المجالس حيث حل لبيبهافكن اللبيب وأنت صدر المجالس!
غيره:
ضحوك السن إنَّ نطقوا بخيروعند الشر مطراق عبوس
غيره:
قالوا: نفوس الدار سكناهاوانتم عندي نفوس النفوس!
غيره:
لولا محبتكم لمّا عاتبتكمولكنتم عندي كبعض الناس
غيره:
لو نظر الناس لأحوالهملاشتغل الناس عن الناس
غيره:
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهمإذا نظرت ولم أبصرك في الناس
غيره:
ما بال دينك ترضى أنَّ تدنسهوثوب جسمك مغسول من الدنس؟
غيره:
ما هذه أوّل ما مر بيكم مثلها مر على رأسي!
غيره:
من لا رأى مصرا ولا أهلهافلا رأى الدنيا ولا الناسا
غيره:
نسيت مودتي أنَّ طال عهدينعم! قد قيل: طول العمر ينسي!
غيره:
وما من هالك في الناس إلاّورأس هلاكه طلب الرياسه
وقال أبو تمام:
ما في النجوم سوى تعلة باطلقدمت وأسس إفكها تأسيسا
إنَّ الملوك هم كواكبنا التيتخفى وتطلع أسعدا ونحوسا
ومنها:
لو أنَّ أسباب العفاف بلا تقىنفعت لقد نفعت إذا إبليسا!
وقال أيضاً:
والدمع فيه خاذل ومواسي
ومنها:
لا تنسين تلك العهود فإنماسميت إنسانا لأنك ناس
وقال أيضاً:
أرى الآفاتٍ قد كتبن على رأسيبأقلام شيب في مهارق انقاسي
فإنَّ تسأليني من يخط حروفهافكف الليالي تستمد بأنفاسي
جرت في قلوب الغانيات لشيبتيقشعريرة من بعد لين وإيناس
وقد كنت أجرى في حشاهن مرةمجاري صافي الماء في قضب الآس
فإنَّ أمس من حظ الكواعب آيسافآخر آمال العباد إلى الياس!
وقال الآخر:
الكلب أعلى قيمةوهو النهاية في الخساسة
ممن ينازع في الرئاسةقبل أوقات الرئاسة
غيره:
استودع العلم قرطاس فضيعهوبئس مستودع العلم القراطيس!
قال أبو علي العبادي في نوادره: وسمع يونس رجلا ينشد هذا البيت فقال: قاتله الله! ما أشد صبابته بالعلم وصيانته للحفظ! إنَّ علمك من روحك ومالك من بدنك، فصن علمك صيانة روحك، ومالك صيانة بدنك.
وقال محمد بن إبراهيم يخاطب بعض أهله:
أظنك أطغاك الغنى فنيستنيونفسك والدنيا الدنية قد تنسي
فإنَّ كنت تعلو عند نفسك بالغنىفإني سيعليني عليك غنى نفسي
وقال أعرابي سأل آخر حاجة، فتشاغل عنه:
كدحت بأظفاري وأعلمت معوليفصادفت جلمود من الصخر أملسا
وأقبلت أنَّ أنعاه حتى رأيتهيفوق فواق الموت ثم تنفسا
تشاغل لمّا جئت في وجه حاجتيوأطرف حتى قلت: قد مات أو عسا
فقلت له: لا بأس لست براجعفأفرخ تعلوه السمادير مبلسا
السمادير: أم يتراءى للإنسان عند السكر.
غيره:
لئن درست أسباب ما كان بيننامن الود ما شوقي إليك بدارس
وما أنا من أنَّ يجمع الله بينناعلى خير ما كنا عليه بآيس
وقال أحد بني شيبان:
وما أنا من ريب المنون بجباوما أنا من سيب الإله بآيس
يقال: جبأ عن كذا يجبأ عنه، إذا هابه، ورجل جبأ.
وقال مهلهل:
نبئت إنَّ النار بعد أوقدتواستب معدك يا كليب المجلس
وتكلموا في أمر كل عظيمةلو كنت حاضر أمرهم لم ينسبوا!
قوله المجلس أي الجالسون، والنبس: النطق، يقال نبس فلان.
غيره:
والشيب إنَّ يحلل فإنَّ وراءهعمراً يكون خلاله متنفس
لم ينتقص مني المشيب قلامةالآن حين بدا ألب وأكيس
ومثله، في مدح الشيب، قول الآخر:
لا يرعك المشيب يا بنت عبدالله، فالشيب حلة ووقار
إنّما يحسن الرياض إذا ماضحكت في خلاها الأنوار!
وسنذكر بعد ما قيل في الشيب، إن شاء الله.
وقالت الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي!
وقالت أيضاً:
وما يبكون مثل أخي ولكنأعزي النفس عنه بالتأسي
وهذان البيتان من قطعة لها تعارض فيها دريد بن الصمة، وكان دريد خطب الخنساء في حياة أخويها. فأراد أخوها معاوية إنَّ يزوجها، وكان أخوها صخر غائبا في غزاة له، فأبت وقالت: لا حجة لي به! فأراد أنَّ يكرهها، فقالت:
تباكرني حميدة كل يومٍبما يولي معاوية بن عمرو
فلا أعط من نفسي نصيبالقد أودى الزمان إذا بصخر
أتكرهني هبلت على دريدٍوقد أحرمت سيد آل بدر
معاذ الله يرصعني حبركىقصير الشبر من جشم بن بكر
يرى مجدا ومكرمة أتاهاإذا عشى الصديق جريم تمر
الحبركي: القصير الجرلين، الطويل الظهر؛ والقصير الشبر: القليل الخير والعطاء. فقال دريد:
لمن طلل بذات الخمس أمسىعفا بين العقيق فبطن طرس؟
أشبهها غمامة يوم دجنتلألأ برقها أو ضوء شمس؟
فأقسم ما سمعت كوجد عمروبذات الخال من جن وانس
وقاك الله يا ابنة آل عمرومن الفتيان أمثالي ونفسي
فلا تلدي ولا ينكحك مثليإذا ما ليلة طرقت بنحس
وقالت إنّه شيخ كبيروهل خبرتها أني أبن أمس؟
تريد أفيحج الرجلين شثناًيقلع بالجديرة كل كرس
إذا عقب القدور عددن مالاأحب حلائل الإبرام عرس
وقد علم المراضع في جماديإذا استعجلن عن حز بنهس
بأني لا أبيت بغير لحموأبدأ بالأرامل حين أمسي
وإني لا يهر الضيف كلبيولا جاري يبيت خبيث نفس
واصفر من قداح النبع فرعبه علمان من عقب وضرس
دفعت إلى المفيض إذا تستقلواعلى الركبات مطلع كل شمس
فلما مات صخر قالت الخنساء تعارض دريدا في كلمته:
يؤرقني التذكر حين أمسيويردعني مع الأحزان نكسي
على صخر، وأي فتى كصخرليوم كريه وطعان خلس
وعان طارق أو مستضيفيروع قلبه من كل جرس
ولم أر مثله رزءاً لجنولم أر مثله رزءاً لإنس
أشد على صروف الدهر منهوأفضل في الخطوب لكل لبس
ألا يا صخر لا أنساك حتىأفارق مهجتي ويشق رمسي!
ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
ولكن لا أزال أرى عجولاتساعدن نائحا في يوم نحس
تفجع والها تبكي أخاهاصبيحة رزئه أو غب أمس
يذكرني طلوع الشمس صخراًوأبكيه لكل غروب شمس
وقال أبو علي، عن أبن دريد: طلوع الشمس للغارات وغروبها للضيفان.
وقال الآخر:
تقوس بعد مر العمر ظهريوداستني الليالي أي دوس
فأمشي والعصا تهوي أماميكأنَّ مواءها وتر لقوسي
ونحوه الآخر:
قوس ظهري المشيب والكبروالدهر يا عمرو كله غير
كأنني والعصا تدب معيقوس لها وهي يدي وتر
غيره:
إذا تمنيت بت الليل مغتبطاإنَّ المنى رأس أموال المفاليس
غيره:
الله يعدل والآمال كاذبةوكل هذا المنى في القلب وسواس
ومثله لحبيب:
من كان مرعى عزمه وهمومهروض الأماني لم يزل مهزولا
ولغيره:
منى إنَّ تكن حقا تكن أحسن المنىوإلاّ فقد عشنا بها زمنا رغداً
ولمسلم:
لولا منى العاشقين ماتواغما وبغض المنى غرور
وقال الصابئ:
وكم من يد بيضاء حازت جمالهايد لك لا تسود إلاّ من النقس
إذا رشقت بيض الصحائف خلتهاتطرز بالظلماء أردية الشمس!
أبن المعتز:
إني إذا لم أجد يوما مراسلةوضاقت بي منتهى أمري وملتمسي
لمرسل عبرة في إثرها نفسيا ليت شعري هل يأتيكم نفسي؟
وقال أبو محمّد الحريري، رحمه الله تعالى:
جزيت من أعلق بي ودهجزاء من يبني على اسه
وكلت للخل كما كال ليعلى وفاء الكيل أو بخسه
ولم أخسره وشر الورىمن يومه أخسر من أمسه
وكل من يطلب عندي جنىفماله إلاّ جنى غرسه
لا ابتغي الغبن ولا أنثنيبصفقة المغبون في حسه
ولست بالموجب حقا لمنلا يوجب الحق على نفسه
ورب مذاق الهوى خالنيأصدقه الود على لبسه
وما درى من جهله إننيأقضي غريمين الدين من جنسه
فأهجر من أستبغاك هجر القلىوهبه كالملحود في رمسه
والبس لمن في وصله لبسةلباس من يرغب في انسه
ولا ترج الود ممن يرىانك محتاج إلى فلسه!
وله أيضاً:
حيارى يميد بهم شجونهمكأنهم آرتضعوا الخندريسا
أسالوا الغروب وعطوا الجيوبوصكوا الخدود وشجوا الرؤوسا
وله أيضاً:
لعمرك ما الإنسان إلاّ أبن يومهعلى ما تجلى يومه لا أبن أمسه
وما الفخر بالعظام الرميم وإنّمافخار الذي يبغي الفخار بنفسه!
وقال أيضاً:
لبست لكل زمان لبوساولابست صرفيه نعمى وبوسا
وعاشرت الرواة أدير الكلاموبين السقاة أدير الكؤوسا
وطورا بوعظي أسيل الدموعوطورا بلهوي أسر النفوسا
وأقري المسامع أما نطقتبيانا يقود الحرون الشموسا
وإنَّ شئت أرعف كفي اليراعفساقط دراً يحلي الطروسا
وكم مشكلات حكين إليهاخفاء فبصرن بكشفي شموسا
وكم ملح لي خلبن العقولوأسأرن في كل قلب رسيسا!
وعذراء فهمت بها فانثنىعليها الثناء طليقا حبيسا
على إنني من زماني خصصتبكيد ولا كيد فرعون موسى
يسعر لي كل يوم وغىأطأ من لظاها وطيسا وطيسا،
ويطرقني بالخطوب التييذبن القوى ويشبن الرؤوسا
ويدني إلى البعيد البغيضويبعد عني القريب الأنيسا
ولولا خساسة أخلاقهلمّا كان حظي منه خسيسا
وقال أيضاً:
وليس كفء البدر غير الشمس
ومنها:
والفقريلجي الحر حين يمسيإلى التجلي في لباس اللباس
وله:
ما لي مقر بأرضولا قرار لعنسي
يوما بنجد ويومابالشام أضحي وأمسي
أزجي الزمان بقوتمنغص مسخس
فلا أبيت وعنديفلس ومن لي بفلس؟
ومن يعش مثل عيشيباع الحياة ببخس!
غيره:
لا يصعبن عليك في طلب العلاطول التنقل أو فراق المكنس
فالبدر لو لم ينتقل عن برجهما كان يعرف نوره في الحندس
والخمر يحجب نورها في دنهاوتروق مهما نقلت للأكؤس
وقال أبن المرزبان:
كم ليلةٍ أحييتها ومؤانسيطرف الحديث وطيب حث الأكؤس
شبهت بدر سمائها لمّا دنتمنه الثريا في ملاءة سندس
ملكا مهيبا قاعدا في روضةٍحياه بعض الزائرين بنرجس
غيره:
ولم أدخل الحمام يوم فراقهملأجل نعيم قد رضيت ببوسي
ولكم لتجري عبرة مطمئنةفأبكي ولا يدري بذلك جليسي
غيره:
تذكر أخي إنَّ فرق الدهر بينناأخا في هواك الآن أصبح أو أمسى
ولا تنس بعد البعد حق مودتيفمثلي لا يَنسى ومثلك لا يُنسى!
غيره:
أدرها على أمن ولا تخش من باسوإنَّ خددت آذانها ورق الآسي
وما هي إلاّ ضاحكات غمائملواعب من ومض البروق بمقباس
ووفد رياح زعزع النهر مرةكما وطئت درعا سنابك أفراس
غيره:
بلد أغارته الحمامة طوقهاوكساه ريش جناحه الطاووس
فكأنما الأنهار فيه مدامةوكأنَّ ساحات الديار كؤوس
غيره:
أكره إنَّ أدنو من داركملأنني أخشى على نفسي
ضرسي طحون وعلى خبزكممن أكل مثلي آية الكرسي
هو الذي أقعدني عنكمفكيف أمشي ومعي ضرسي؟
غيره:
أفرط نسياني إلى غايةلم يدع النسيان لي حسا
فصؤت مهما عرضت حاجةمهمة ضمنتها الطرسا
وصرت أنسى الطرس في راحتيوصرت أنسى إنني أنسى!
غيره:
علي ثياب دون قيمتها الفلسوفيهن نفس دون فيمتها الأنس
فثوبك مثل الشمس من دونها الدجاوثوبي مثل من تحته الشمس!
وقال أبو الطيب:
ألذ من المذام الخندريسوأحلى من معطاة الكؤوس
معاطاة الصفائح والعواليوأقحامي خميسا في خميس
فموت في الوغى عيشي لأنيرأيت العيش في أرب النفوس!
وقال أيضاً يخاطب محمّد بن زريق الطروسي:
إني نثرت عليك درا فانتقدكثر المدلس فأحذر التدليسا!
ومنها:
خير الطيور على القصور وشرهايأوي الخراب ويسكن الناووسا
لو جادت الدنيا فدتك بنفيسهاأو جاهدت كتبت عليك حبيسا
وقال أيضاً:
أنوك من عبد ومن عرسهمن حكم العبد على نفسه
وإنّما يظهر تحكيمهتحكم الإفساد في حسه
ما من يرى انك في وعدهكمن يرى انك في حبسه
العبد لا تفضل أخلاقهعن فرجه المنتن أو ضرسه
لا ينجز الميعاد في يومهولا يعي ما قال في أمسه
وإنّما تحتال في جذبهكأنك الملاح في قلسه
فلا ترج الخير عند امرئٍجالت يد النخاس في رأسه
وإنَّ عراك الشك في نفسهبحال فأنظر إلى جنسه!
وقال أبو العلاء المعري:
لا يوهمك أنَّ الشعر لي خلقوإنني بالقوافي دائم الأنس
فإنما كان إلمامي بساحتهافي الدهر إلمام طير الماء بالعلس
العلس: حب معروف وطير الماء لا تأكل الحبوب، وإنّما تصطاد السمك الصغار. وأراد بذلك التبرئة من قول الشعر.
وقال أسقف نجران:
منع البقاء تقلب الشمسوطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافيهوغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كمايجري حمام الموت في النفس
لطيفة: حدث بعض الأدباء عن الأصمعي قال: حضرت مجلس الرشيد، وعند مسلم بن الوليد إذ دخل أبو نواس فقال له: ما أحدثت بعدنا؟ يا أبا نواس! فقال: يا أمير المؤمنين، ولو في الخمر؟ فقال: قاتلك الله، ولو في الخمر! فأنشده:
يا شقيق النفس من حكمنمت عن ليلى ولم أنم!
وفيها قوله:
فتمشت في مفاصلهمكتمشي البرء في السقم
حتى أتى على أخرها. فقال: أحسنت يا غلام، أعطه عشرة آلاف وعشر خلع! فأخذها وخرج. فلما خرجنا من عنده قال مسلم بن الوليد: ألم تريا أبا سعيد إلى الحسن بن هانئ كيف سرق من شعري وأخذ به مالا وخلعا؟ فقالت: وأي معنى سرق؟ قال: قوله:
فتمشت في مفاصلهم.. " البيت ". فقلت: وأي شيء قلت؟ قال: قلت:
غراء في فرعها ليل على قمرٍعلى قضيب على غصن النقا الدهس
أذكى من المسك أنفاساً وبهجتهاأرق ديباجة ًمن رقة النفسِ
كأنَّ قلبي وشاحها إذا خطرتوقلبها قلبها في الصمت والخرسِ
تجري محبتها في قلبِ وامقهاجري السلافة في أعضاء منتكسِ
فقلت: ممن سرقت أنت هذا المعنى؟ فقال: لا أعلم أنني أخذته من أحد. فقالت: بلى! من عمر بن أبي ربيعة حيث يقول:
أما والراقصات بذات عرقٍوربَّ البيت والركن العتيقِ
وزمزم والطواف ومشعريهاومشتاقٍ يحن إلى مشوقِ
لقد دب الهوى لك في فؤاديدبيب دم الحياة إلى العروقِ
قال: ممن سرق عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: من بعض العذريين حيث يقول:
واشرب قلبي حبها ومشى بهكمشي حميم الكأس في عقل شاربِ
ودب هواها في عظامي وحبهاكما دب في الملسوع سم العقاربِ
فقال لي: من أخذ هذا العذاري؟ قلت: من أسقف نجران يعني السابق.
وقال أبو الفتح البستي:
يا أكثر الناس إحسانا إلى الناسوأكرم الناس إغضاء عن الناس
نسيت عهدك والنسيان مغتفرفاغفر فأول ناس أوّل الناس!
وقال مسلم بن الوليد في تفضيل الورد:
كم من يد للورد مشهورةعندي وليس كيد النرجس
الورد يأتي ووجوه الربىتضحك عن ذي برد أملس
وقد تحلق بعقود الندىثابتة في الأرض لم تغرس
ولن ترى النرجس حتى ترىروض الخزامى رثة الملبس
وتخلف النكباء ما جددتأيدي الغوادي في سنا السندس
وهناك يأتيك غريبا علىشوقٍ من الأعين والأنفس
غيره:
من أحسن الظن بأعدائهتجرع الهم بلا كاس
قال الصفدي: ولو كنت ناظم هذا البيت لقلت: من احسن الظن بأحبابه، ولم اقل: بأعدائه.
ولله در القائل:
جزى الله خيرا كل من ليس بينناولا بينه ود ولا متعرف
فلا نالني ضيم ولا مسني أذىمن الناس إلاّ من فتى كنت أعرف!
وقال: يقال إنَّ رجلا كان على عهد كسرى يقول: من يشري ثلاث كلمات بألف؟ ولا يجد، إلى أن اتصل بكسرى، فأحضره وسأله عنها فقال: ليس في الناس كلهم خير. قال: صدقت! ثم ماذا؟ فقال: ولا بد منهم! قال: صدقت! ثم ماذا؟ قال: فألبسهم على حذر! فقال قد استوجبت المال، فخذه! قال: لا حاجة لي به، وإنّما أردت أن أرى من يشتري الحكمة! وقال أبو فراس:
مالي أعاتب دهري أين يذهب بي؟قد صرح الدهر لي بالمنع والياس
أبغي الوفاء بدهر لا وفاء بهكأنني جاهل بالدهر والناس
ونحوه في المعنى قوله أيضاً:
أين الخليل الذي يرضيك باطنهمع الخطوب كما يرضيك ظاهره؟
وقول أبن الساعاتي:
لا يغرنك لتودد من قومفإنَّ الوداد منهم نفاق
والقلوب الغلاظ لا ينزع الأحقادمنها إلاّ السيوف الرقاق
وقول آخر:
لا تثق من آدميفي وداد بصفاء!
كيف ترجو منه صفواًوهو من طين وماء؟
وقول الآخر:
ومن يك اصله ماء وطينابعيد من جلبته الصفاء
وقال أبن قلاقس:
غاض الوفاء وفاض ماءالغدر أنهارا وغدرا
وتطابق الأقوام فيأقوالهم سراً وجهرا
فأنظر بعينيك هل ترىعرفا وليس تراه نكرا!
وهو من قول الطغرائي:
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفجرتمسافة الخلف بين القول والعمل
وما أعدل قول محي الدين بن تميم في هذا:
لك الخير كم صاحبت في الناس صحبافما نالني منهم سوى الهم والعنا
وجربت أبناء الزمان فلم أجدفتى منهم عند المضيق ولا أنا!
ومثله لبعضهم:
طفت زمانا على من ينصفني فلما أنصفت خنته أنا
وتتميم هذا الغرض في موضع آخر، إن شاء الله تعالى.
غيره:
لم يكفني في الرأي خيبة منظريحتى حرمت لذاذة الإيناس
كالأعور المسكين أعدم عينهوأعتاض منها بغضة في الناس
ووقال الآخر: محي الدين محمّد بن تميم في مليح ينسى كثيرا:
بروحي الذي نسيانه صار عادةوأفرط حتى كاد يعدمه الحشا
فلو إنّه بالهجر أضحى مهدديلمّا ساءني علما به إنّه ينسى
وقال الآخر:
والله ما طلعت شمس ولا غربتإلاّ وأنت مني وقلبي ووسواسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهمإلاّ وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من ظمأإلاّ رأيتن خيالاً منك في الكأس!
وقال الآخر:
إنَّ صحبنا الملوك تاهوا عليناواستخفوا جهلا بحق الجليس
أو صحبنا التجار عدنا إلى البؤسوصرنا إلى عديد الفلوس
فلزمنا البيوت نستعمل الحبرونملا به وجوه الطروس
وقعنا بما رزقنا فصرناأمراء على الملوك الرؤوس!
فقال آخر، مذيلاً لهذا الشعر:
لو تركنا وذاك كنا ظفرنامن أمانينا بعلق نفيس
غير أنَّ الزمان أعني بنيهحسودا على حياة النفوس
وقلت أنا:
إني امرؤ لا أنثني غبنايوم المصاع بصفقة الوكس
وإذا استطان البون من فرقلا ينزوي خلدي على رجس
وإذا الزمان أحال نائبهحالي عففته فلم يحل نفسي
وإذا تطاول لم
وإذا استطاب الهون محتسبانذل فلست تراه في كأسي
أرعى الهبيد على القنان ولاأرعى بوهد أطيب الخلس
وألذ آنية المياه إذاكان الفرات يشاب بالكرس
وإذا استينت الخسف في بلدٍيوما ومت لغيره عنسي
إنَّ البلاد لذي الحجى وطنوالناس كلهم بنو جنس
ويحكى إنَّ أبن سكرة في آخر أمره، لمّا مات الوزير المهلبي، سأل: ما أعددت للشتوة؟ فقال:
قيل: ما أعددت للبردفقد جاء بشده؟
قلت: دراعة عريتحتها جبة رعده!
وقلت أنا فيها، وجعلتها ثمانيا:
إذا أومض البرق اليماني وأظنبتعلى الأرض من جنون الولي قباب
فلد بثمان هن في الدهر للفتىوقاء إذا ما نالها وحجاب:
كباب وكانون وكن وكاعبوكأس وكيس وكسوة وكتاب!
وجمع بعضهم للصيق راآت ثمانية قابل بها كافات الشتاء، فقال:
عندي فديتك راآت ثمانيةألقى بها الحر إنَّ وافى وردا:
رب وروح وريحان وريق رشاورفرف ورياض ناعم وردا
وقد فتن الأدباء في هذا الغرض، فجمعوا هذا النمط أعداد، كقول بعضهم:
رمتنا يد الأيام عن قوس خطبهابسبع وهل ناج من السبع سالم:
غلاء وغارات وغزوة وغربةوغم وغدر ثم غبن ملازم!
وكقول أبن التعاويذي:
إذا اجتمعت في مجلس الشرب سبعةفبادر فما التأخير عنه صواب:
شواء وشمام وشهد وشادنوشمع وشاد مطرب وشراب!
وقول الآخر:
عجل إلي فعندي سبعة كملتوليس فيها اللذات أعوان:
طار وطبل وطنبور وطاس طلاوطفلة وطباهيج وطنان
وقوله:
جاء الخريف وعندي من حوائجهسبع بهن قوام السمع والبصر:
موز ومن ومحبوب ومائدةة مسمع ومدام طيب ومري
وقول الصفدي:
إذا تبين لي في مصر واجتمعتسبع فإني في اللذات سلطان:
خدر وخمر وخاتون وخادمهاوخلسة وخلاعات وخلان
وقوله:
ثمانية إنَّ يسمح الدهر لي بهافليس عليها بعد ذلك مطلوب:
مقام ومشروب ومزح ومأكلومله ومشموم ومال ومحبوب
وقوله:
إلى متى أنا لا انفك في بلدٍورهن جيمات جورٍ كلها عطب:
الجوع والجري والجريان والجدريوالجهل والجبن والجرذان والجرب؟
وقول الآخر:
إذا كان في اسم المرء شين هوت بهإلى الشر فليحذر أذاه المحاذر:
شريف وشيعي وشيخ وشاهدوشمر وشريب وشرح وشاعر
سوى الشافعي أو شاهد راق حسنهكذا الشهداء المتقون وشاكر
وهذه الأشعار، كما ترى، الكثير من أصحابها يقصد إلى إحراز غرض يفوته أغراض، فتجده إذا وفى بذلك الغرض تعلل به ولم يتحرز عن اللفظ الخسيس، ولا عن المقصد السقيم، ولا عن التركيب المختل، والسبك الركيك والحشو، وغير ذلك مما ينبئ إنَّ قائله متكلف رازم العارضة لين الجلدة، غير مطبوع.
وقال أعرابي يهجو قوما من طيء:
ولمّا أن رأيت بني خريقٍجلوسا ليس بينهم جليس
يئست من التي أقبلت أبغيلديهم إنني رجل يؤوس
إذا ما قلت: أيهم لأيتشابهت المناكب والرؤوس!
قوله: ليس بينهم جليس، أي لا ينتجع الناس معروفهم فليس فيهم غيرهم وهذا من أقبح الهجو.
وقال أبو بكر الخوارزمي:
يا من يحاول صرف الراح يشربهاولا يفك لمّا يلقاه قرطاس
الكأس والكيس لم يقض امتلاؤهماففرغ الكيس حتى تملأ الكاسا!
وقال عمرو بن معدي كرب:
أتوعدني كأنك ذو رعينبأنعم عيشة أو ذو نواس؟
فلا تفخر بملكك، كل ملكيصير لذلةٍ بعد الشماس!
ولنكتف بهذا القدر من هذا الباب! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع