تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

اشتر لنفسك وللسوق

!

هذا مثل يضرب في الاحتياط. ومثله قولهم: إذا اشتريت فأذكر السوق! وقد تقدم في الباب الأول. ومثله ما حكى البكري أنَّ عمر بن الخطاب ﵁، كان يقول: إذا اشتريت بعيرا فاجعله ضخما، فإنَّ أخطئك خيراً لم يخطئك سوقا.

شغلت شعابي جدواي الشغل بالضم وبضمتين، وبالفتح وبفتحتين ضد الفراغ شغله شغلا بالفتح، وأشغله أيضا؛ والشعاب جمع شعب بالكسر من الأرض؛ والجدوى: المطر العام والعطية أيضاً.

ويضرب هذا المثل فيما إذا لم يكن لمالك أو عطائك أو علمك أو نحو ذلك فضل عن نفسك أو عن من يتعلق بك، كالمطر تشغله شعابك، فلا يصل إلى موضع آخر.

ومعنى ذلك إنّه إذا قل المطر الواقع في الشعاب أو النازل إليها من التلاع، شربته وشغلته بذلك عن إنَّ يخلص إلى ما بعدها من الأودية والبقاع.

أشغل من ذات النحيين الشغل مر؛ والنحي بكسر النون وسكون الحاء المهملة: الزل. وقيل مخصوص بما كان للسمن؛ وذات النحيين امرأة من تيم الله بن ثعلبة، كانت خرجت في الجاهلية تبيع السمن فأتاها خوات بن جبير الأنصاري ﵁ فسألوها فحلت نحيا مملوءاً فنظر إليه ثم قال: امسكيه حتى أنظر إلى الآخر! ثم حل نحيا آخر فقال: امسكيه حتى انظر إلى خيره! فلما شغل يدها معا وقع عليها حتى قضى

أربه منها فهرب. فضربت العرب بشغلها المثل وقالوا: اشغل من ذات النحيين، وبنو أشغل من شغل بالبناء لمّا لم يسم فاعله، على وجه الشذوذ. وتقدم نظيره وتوجيهه.

وقال خوات في ذلك

وذات عيال واثقين بعقلهاخلجت لها جار أستها خلجات
وشدت يداها إذ أردت خلاطهابنحيين من سمن ذوي عرجات
فكان لها الويلات من ترك سمنهاورجعت صفراً بغير بتات
فشدت على النحيين كفا شحيحةعلى سمنها والفتك من فعلاتي

قال في الصحاح: ثم اسلم خوات وشهد بدرا، فقال له الرسول ﷺ: يا خوات، كيف شراؤك؟ وتبسم ﷺ. فقال: يا رسول الله، قد رزق الله خيراً، واعوذ بالله من الحور وهجا رجل تيم الله فقال:

أناس ربه النحيين منهمفعدوها إذا عد الصميم
للشاعر العديل بن الفرخ العجلي، اقرأ القصيدة

شغلهم الصفق بالأسواق يتمثل له وهو كلام عمرو بن أبي هريرة ﵄ لمّا ذكر لعمر حديث عن النبي ﷺ لم يروه. قال: اخفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ شغلني الصفق بالأسواق، أي بالبيع والشراء، لأن المشتري والبائع يضرب أحدهما بيده على يد صاحبه وهو الصفق.

وقال أبو هريرة: إنَّ إخواني من المهاجرين والأنصار شغلهم الصفق بالأسواق، وكانت ألزم رسول الله ﷺ على شبع بطني، كما في الصحيح.

شق العصا الشق: الصدع والعصا بالقصر العود يضرب به. والعصا أيضاً: اللسان وعظم الساق وجماعة الإسلام. وقولهم: شق فلان العصا أي فارق الجماعة ويقال

في الخوارج: شقوا عصا المسلمين، أي فارقوا جماعتهم.

وقال الشاعر:

إذا كانت الهيجاء وانشقت العصافحبسك والضحاك سيف المهند!

أشكر من بروقةٍ الشكر بالضم أنَّ تعرف الإحسان وتشكره: والشكر من الله تعالى: المجازاة والثناء الجميل؛ والبروقة بكون الراء واحدة البروق، وهو شجر ضعيف، إذا غامت السماء أخضر، فوصف لذلك الشكر.

أشكر من كلبٍ الشكر مر، والكلب معروف، وشكره رضاه بالموجود وحياطته لصاحبه وقيامة عليه واتباعه له مع ذلك. ومما يحكى في هذا عن بعضهم قال: دخلت على العتابي، فوجدته جالسا على حصير وبين يديه شراب في إناء، وكلب رابض حوله يشرب كأسا ويولغه أخرى. فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: إنّه يكف عني أذاه ويكفيني أذى من سواه، ويشكر قليلي، ويحفظ مبيني ومقيلي، فهو من الحيوان خليلي.

قال الراوي: فتمنين والله أنَّ أكون كلابا لأحوز هذا النعت منه! ويقال إنَّ الحارث بن صعصعة كان له ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم فخرج في بعض متنزهاته ومعه ندماؤه. فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته فأكلا وشربا ثم اضطجعا. فوثب الكلب عليهما فقتلهما. فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما ميتين وعرف الأمر. فأنشأ يقول:

فيا عجبا للخل يهتك حرمتيويا عجبا للكلب كيف يصون
ما زال يرعى ذمتي ويحوطنيويحفظ عرسي والخليل يخون!

ويوثر في الحديث إنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلا مقتولا فقال: ما شأنه؟ قالوا: إنّه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال ﷺ؛ قتل نفسه وأضاع دينه وعصى ربه وخان أخاه وكان الكلب خير منه.

ويحكى عن أبن عباس ﵁: كلب أمين خير من صاحب خؤونٍ وقد ألف بعض العلماء تأليفا في فضل الكلاب على كثير من لبس الثياب.

شاكه أبا فلانٍ المشاكهة: المشابهة.

وأصله أنَّ رجلا عرض فرسا له في السوق، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال: رُبَّ الفرس: شاكه، أي قارب في المدح ولا تفرط. فيضرب في الأمر بالقصد في المدح.

ويحكى أيضاً في هذا القصة إنَّ الأعرابي أقام فرسه للبيع فقال صاحبه: إنّها لتصاد عليها الوحش وهي رابضة. فقال له: رُبَّ الفرس، لا أبالك، كذب كذبا مؤاما به الدهر! أي موفقا به الدهر في تقلباته وأحواله الجائزة الوقوع.

وقيل إنَّ رجلا أدخل حمارا له في السوق، فجعل يقال له أبو اليسار يمدحه ويقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحب الحمار: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! وتقدم هذا في الدال.

شكا إلى غير مصمتٍ الشكوى أنَّ تذكر الغير بسوء فعله بك، تقول: شكوت فلانا أشكوه شكوى وشاكية وشكية، فهو مشكو ومشكي؛ واشتكيه: فعلت به ما يشكوه، أو أعتبته وأزلت شكواه. فهو من الأضداد. قال الراجز:

تمد بالأعناق أو تلويهاوتشتكي لو أننا نشكيها

وصمت يصمت صموتا وصمتا، وأصمت إصماتا وصمت تصميتا: سكت؛ وأصمته أنا وصمته تصميتا: أسكته، لا زمان متعديان. فيقال: شكا فلان إلى غير مصمت، أي إلى من لا يبالي به، فلا يصمته لأن من شكا إلى من يعنى بحاجته ويهتبل بأمره ويقوم بحقه ويقضي أربه ويزيل شكواه ويشفي ما في صدره فيصمت عن الشكوى حينئذ.

قال الراجز:

انك لا تشكوا إلى مصمتفاصبر على الحمل الثقيل أو مت!

ونحوه المثل الآتي: هان على الأملس ما لقي الدبر.

الشماتة لؤم الشماتة: الفرح بمصيبة العدو، ويقال: شمت به بالكسر يشمت شماتا وشماتة، فهو شامت. قال أبو صخر الهذلي:

وتجلدي للشامتين أريهمإني لريب الدهر لا أتضعضع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

واللؤم بضم اللام وسكون الهمزة ضد الكرم، ولؤم بالضم لؤما فهو لئيم وهو لؤماء. وهذا الكلام يعزي لأكثم بن صيفي، حكيم العرب.

والمعنى إنّه لا يتشمت بالغير ولا يفرح ببليته إلاّ من لوم أصله. وقال أبن أبي عيينة

كل المصائب قد تمر على الفتىتهون غير شماتة الحساد
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

وقال الآخر:

إذا ما الدهر جر على أناسٍكلاكله أنام بآخرينا
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
فقل للشامتين بنا: أفيقواسيلقى الشامتون كما لقينا!
للشاعر أبو الفيض الكتاني، من قصيدة «فقل للشامتين بنا أفيقوا»

أشم من نعامةٍ الشم حاسة الأنف، تقول: شممت بالكسر والفتح، أشم مفتوحا ومضموما

شما وشميما وشميمي؛ وتشممته؛ والنعام تقدم. يقال إنّه لا سمع له، ومن ثم يقال إنّه أصم. فأعطي قوة الشم بأنفه ما ينوب عن السماع، حتى إنّه يشم رائحة القناص عن بعيد.

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.