من «نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان» لصديق حسن خان (ت ١٣٠٧هـ)
مبحث في قسمة العشق مخاطباته
اعلم أنهم قسموا العشق على أربعة أوجه: بالسمع، وبالرؤيا، وبرؤية التصوير، وبرؤية الأصل. وعقد ابن أبي حجلة في "بستان السلطان" بابا في ذكر من عشق على السماع، وقال: إن العشق بالسمع لمشاكلة بينه وبين المحبوب، وتعارف سابق في عالم الذر، ويؤيده قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". وعلى المشاكلة لا تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما اتفاق في بعض الصفات، ولهذا اغتم بقراط حين وصف رجل من أهل البغض، إنه يحبك، فقال: ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه. وما أحسن قول ديك الجن أو عبد المحسن بن محمد الصوري:
بأبي فم شهد الضمير لهقبل المذاق بأنه عذب
كشهادتي لله خالصةقبل العيان بأنه رب
ومنه قول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقةوالأذن تعشق قبل العين أحيانا
والعشق بالرؤية، مثل ما حكي عن زليخا، أنها رأت في المنام يوسف ﵇ فهامت به. وفيه قال آزاد:
رأيته أولا في النوم جنح دجىفبات قلبي على العلات قد حفظه
لما وجدت عظيم الفوز في سنةعلمت أن الكرى خيرا من اليقظة
والعشق بالتصوير كما قال فيه آزاد:
رأيته بذات الأثل تصوير فاتنوأرجو من الله المهيمن وصله
لقد ذاب قلبي المستهام بثقلهفكيف يكون الحال إن أر أصله
والعشق برؤية الأصل لا يحتاج إلى التبيين والتمثيل. وأما المقولات في مخاطبات العشق فسبعة: مقولة المحب للمحبوبة، وبالعكس، ومقولة المحب للصاحبة وبالعكس، ومقولة الصاحبة للصاحبة، والتزموا فيها أن تكون إحداهما امرأة أو كلتاهما، والمناسب بهذا المقام أن أعرض أمثلتها على السماع الماثل، وأتصدق بجواهر ثمينة على المداد السائل، فمن مقولة المحب للمحبوبة قول الشريف الرضي:
يا ظبية البان ترعى في خمائلهليهنك اليوم إن القلب مرعاك
الماء عندك مبذول لشاربهوليس يرويك إلا مدمع الباكي
حكى لحاظك ما في الرئم من ملحيوم اللقاء وكان الفضل للحاكي
أنت السلو للقلب والغرام لهفما أمرك في قلبي وأحلاك
سهم أصاب وراميه بذي سلممن بالعراق لقد أبعدت مرماك
وقول آزاد، وهو قصيدة وغالبها الأمثلة المطلوبة:
لقد طال أشجاني بطول مطالكفعطفا على المملوك يا ابنة مالك
أرى البدر في أوج الدلال لعلهإلى الآن ما لاقى بديع جمالك
وكنت هلالا ثم أبدرت فانهضيلتكميل نقصاني بحق كمالك
وقول هذا العبد وهو قصيدة أيضا:
يا غادة فتنتني أين مغناكوحيث ما أنت عين الله ترعاك
أضنيتني ففؤادي بات محتضرافهل تداوين مضني من محياك
إن الجمال ليوري في القلوب لظىأجلى الدلائل للعشاق مرآك
عساي إن مت من أيديك مت علىشهادة وفؤادي بعد يهواك
أبعدت منك محبا ما جنى أبداأدنيت من حرم الغاوين مثواك
إني عشقت وما عشقي بمبتدعالإنس والجن والأملاك تهواك
جودي بحقي من عينيك لي نظراألست صبا قديما من نداماك
وعاضديني بتقبيل اللمى كرمافما ألذك تقبيلا وأهناك
القصيدة بتمامها. ومن مقولة المحبوبة للمحب، قول الأرجاني:
لما طرقت الحي قالت دونهملا أنت إن علم الغيور ولا أنا
وقول أزاد:
قالت أتفضحني بحبك فانتبهأخشى أبي وأخي وكل النادي
فسترت ناظرتي بجفن مانعوعجزت عن تدبير منع فؤادي
ومن مقولة المحب للصاحبة، قول ابن الفارض:
يا أخت سعد من حبيبي جئتنيبرسالة أديتها بتلطفي
فسمعت ما لم تسمعي ونظرت مالم تنظري وعرفت ما لم تعرفي
وقول أزاد:
أجارة نوحة الورقاء تشجينيهل تقدرين على شيء يسليني
ومن مقولة الصاحبة للمحب، قول محمد بن عمران الكاتب المرزباني الخراساني:
تقول نساء الحي تطمع أن ترىمحاسن ليلى مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بهاسواها وما طهرتها بالمدامع
ومن مقولة الصاحبة للمحبوبة، قول علي بن محمد التهامي:
قد بحت وجدا فلامتني فقلن لهالا تعذليه فلم يلم ولم يلم
لما صفا قلبه شفت سرائرهوالشيء في كل صاف غير منكتم
ومن مقولة المحبوبة للصاحبة، قول السيد طفيل محمد البلكرامي:
بمهجتي غادة قالت لجارتهاشخص أراه خليعا فارغ البال
يحوم كل أوان حول مشربتيإني لأقتله في أسرع الحال
ومن مقولة الصاحبة للصاحبة قول أزاد:
قالت فتاة يا نساء دويرناجليت سليمى نخبة الخفرات
فأتين تمشي إلى محل جلوسهااليوم يوم الحظ للنظرات
النص من طبعة المطبعة الرحمانية بمصر (١٣٣٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع