من «نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان» لصديق حسن خان (ت ١٣٠٧هـ)
خاتمة
للشعراء مقاطيع فائقة، وأبيات رائقة، يشير مجموعها إلى جميع الأصول السابقة، وتترجم عنده بالغزل والنسيب، لإعراب مضمونها عن نحو محاسن الحبيب، وتهييجها الأشواق المستقرة، حيث يذكر الشعر والطرة، وتفصيلها لتلك الجملة، من حيث وصف الحجاب والمقلة، إثارة ما قر من البلبال، عند ذكر الوجنة والخال، واستمالتها نفوس الأحباب، عند ذكر الثغر والرضاب، وإتيانها بأعذب الموارد بعدما حال الصدر، إذا ذكر النهد والصدر، ونشر مطاوي الأشواق، إذا سمح مدح الخلخال والساق، إلى غير ذلك مما اقترحته أفكارهم الدقيقة اللطيفة، وتخيرته في هذا الباب أذهانهم الشريفة، وبها نختم هذا المورد اللطيف، وما يتعلق بالعشق من هذا التأليف. قال ابن نباتة المصري:
أيها العاذل الغبي تأملمن غدا في صفاته القلب ذائب
وتعجب لطرة وجبينإن في الليل والنهار عجائب
ولابن المطران:
ظباء أعارتها المها حسن مشيهاكما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك المشي جاءت وقبلتمواطئ من أقدامهن الغدائر
ولحسام الدين الحاجري:
ومهفهف من شعره وجبينهتغدو الورى في ظلمة وضياء
لا تنكروا الخال الذي في خدهكل الشقيق بنقطة سوداء
ولشمس الدين ابن العفيف:
بدا وجهه من فوق أسمر قدهوقد لاح من سود الذوائب في جنح
فقلت: عجيباً! كيف لم يظهر الدجىوقد طلعت شمس النهار على رمح
ولابن المعتز:
سقتني في ليل شبيه بشعرهاشبيهة خديها بغير رقيب
فأمسيت في ليلين للشعر والدجىوشمسين من خمر وخد حبيب
ولابن نباتة:
وأغيد جارت في القلوب لحاظهوأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى
أجلى نظرا في حاجبيه وطرفهترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى
ولعلاء الدين الوداعي:
رمتني سود عينيهفأصمتني ولم تبطي
وما في ذاك من بدعسهام الليل لا تخطي
وللصلاح الصفدي:
بسهم أجفانه رمانيفذبت من هجره وبينه
إن مت ما لي سواه خصملأنه قاتلي بعينه
ولبدر الدين بن حبيب:
عيناه قد شهدت بأنه مخطئوأتت بخط عذاره تذكارا
يا حاكم الحب اتئد في قتليفالخط زور والشهود سكارى
ولابن قلاقس:
فوق خديك دليلأن نهديك ثمار
ما اختفى الرمان إلاوتبدى الجلنار
ولمظفر الأعمى:
قبلته فتلظى جمر وجنتهوفاح من عارضيه العنبر العبق
وحال بينهما ماء ومن عجبلا ينطفي ذا ولا ذا منه يحترق
ولبعضهم:
فتنت بتركي حماني عناقهعقارب صدغيه على خده صرعى
ألم تر أني كلما رمت لثمهتخيل لي من سحرها أنها تسعى
ولابن الوردي:
قال من أهواه: صف صدغي بمافيه توجيه وحببه إلي
قلت: إن الصدغ لام قد كوىنصبها قلبي فهذا لام كي
ولابن نباتة المصري:
لله خال على خد الحبيب لهبالعاشقين كما شاء الهوى عبث
أورثته حبه للقلب القتيل بهوكان عهدي بأن الخال لا يرث
ولبعضهم:
غدا خاله رب الجمال لأنهعلى عرش كرسي الخدود قد استوى
وأرسل في الأصداغ رسلا أعزةعلى فترة تدعو القلوب إلى الهوى
وقال آخر:
أبو طالب في كفه وبخدهأبو لهب والقلب منه أبو جهل
وبنتا شعيب مقلتاه وخالهإلى الصدغ موسى قد تولى إلى الظل
وللدماميني:
تحدث ليل عارضه بأنيسأسلوه وينصرم المزار
فقال جبينه لما تبدىكلام الليل يمحوه النهار
ولغيره:
سألته في ثغره قبلةفقال: ثغري لم يجز لثمه
فهاكها في الخد واقنع بهاما قارب الشيء له حكمه
وقال آخر:
ذكرت ريق حبيبيبشرب راح معطر
وليس ذا بعجيبفالشيء بالشيء يذكر
وللصلاح الصفدي:
رشفت ريقك حلوافلم يكن لي صبر
وسوف أحظى بوصلوأول الغيث قطر
وقد أكثروا من هذا النمط، أعني التشبيب بالوجه ولأعضائه البسيطة والمركبة، لكونه أشرف وأبهج وأعلى وألطف، وأما ما عداه فنادر، إن تيسر لشاعر بيت أو بيتان أو أكثر في عضو بعينه، أما في ضمن غيره فكثير، وأما مطلق القامة بما فيها فأكثر من أن يحصى ما فيه، وما قيل من أول من وصف الثدي عمرو بن كلثوم:
وثدي مثل حق العاج رخصمصون عن اللامسينا
فأمر يحتاج إلى مزيد استقصاء وإحاطة، لأن العرب تغزلت كثيرا، غاية الأمر أن المتأخرين ألطف. وأورد الأنطاكي أشعارا كثيرة لشعراء كثيرين في وصف أعضاء المعشوقة متفرقة، وللسيد غلام علي آزاد البلكرامي ﵀ قصيدة سماها "مرآة الجمال" آتى فيها بوصف كل عضو من أعضاء الحسناء، وصنع مرآة ينطبع فيها
بدن العذراء من الرأس إلى القدم، وأبدع في تشبيهاتها واستعاراتها بما لم يسبق إليه أحد من الأمم، وهي خمسة ومئة بيت. ولقد أنشأ الفصحاء المتقدمون والبلغاء المتأخرون في الباب أشعارا أكثر من أن تعد، وأزيد من أن تحد، وذكر الأنطاكي منها جملة كافية، ونبذة وافية، لكني ما وقفت على أحد منهم شبب بمثل هذا التشبيب، ووصف الأعضاء في كلمة واحدة لا على الترتيب، إلى أن وقعت القرعة على علم آزاد، وجاءت هذه التحفة في سهم قلم هذا الجواد، ومثل هذه القصيدة الحسنية مثل القصائد البديعيات، حيث شرع فيها الشيخ صفي الدين الحلي، ثم جاء جمع من الفرسان، وأطلقوا أعنة الأقلام في الميدان، وقد قال آزاد ﵀: لقد شرعت في البنيان، وأسست قواعد العمران، فمن يجيء بعدي يزيد على هذا البناء، ويرفعه على سابعة السماء إن شاء الله تعالى. انتهى. وهذا أمر مرجو، لكن لم أقف إلى الآن على من زاد عليه بعده، وقد رأيت أن أختم هذه الخاتمة بذكر تلك القصيدة الحسنى، ليكون مسك ختام الكلام، في هذا الاحتفال في هذا المرام، وأجعلها بدلا عن أشعار كثيرة من الأدباء المتفرقين من بحور وقواف مختلفة في الانسجام، وهي هذه:
النص من طبعة المطبعة الرحمانية بمصر (١٣٣٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع