من «نفح الأزهار في منتخبات الأشعار» لشاكر شقير (ت ١٣١٤هـ)
الباب الثامن في الخمر
للفارض
شربنا على ذكر الحبيب مدامةسكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرهاهلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
فلولا شذاها ما اهتديت لحانهاولولا سناها ما تصورها الوهم
ولم يبق منها الدهر غير حشاشةكأن خفاها في صدور النهى كتم
فإن ذكرت في الحي أصبح أهلهنشاوى ولا عار عليهم ولا إثم
ومن بين أحشاء الدنان تصاعدتولم منها في الحقيقة إلا اسم
وإن خطرت يوماً على خاطر امرئأقامت به الأفراح وارتحل الهم
ولو نظر الندمان ختم إنائهالأسكرهم من دونها ذلك الختم
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميتلعادت إليه الروح وانتعش الجسم
ولو طرحوا في فيء حائط كرمهاعليلاً وقد أشفى لفارقه السقم
ولو قربوا من حانها مقعداً مشىوتنطق من ذكرى مذاقتها البكم
ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبهاوفي الغرب مركزم لعادله الشم
ولو خضبت من كأسها كف لامسلما ضل في ليل وفي يده النجم
يهذب أخلاق الندامى فيهتديبها لطريق العزم من لا له عزم
يقولون لي صفها فأنت بوصفهاخبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هواًونور ولا نار وروح ولا جسم
محاسن تهدي المادحين لوصفهافيحسن فيها منهم النثر والنظم
على نفسه فليبك من ضاع عمرهوليس له فيها نصيب ولا سهم
لعبد الصمد بن بابك
يا صاحبي امزجا كأس المدام لناكيما يضيء لنا من نورها الغسق
خمر إذا ما نديمي بات يشربهاأخشى عليه من اللألاء يحترق
لو رام يحلف أن الشمس ما غربتفي فيه كذبه في وجهه الشفق
وله
عقار عليها من دم الصب نقطةومن عبرات المستهام فواقع
معودة غصب النفوس كأنمالها عند الباب الرجال ودائع
تحير دمع المزن في كأسها كماتحير في ورد الخدود المدامع
لديك الجن
فقام تكاد الكأس تحرق كفهفتحسبه من وجنتيه استعارها
مشعشعة من كف ظبي كأنماتناولها من خده فأدارها
لابن القليوبي
وصافية بات الغلام يديرهاعلى الشرب في جنح من الليل أدعج
كأن حباب الماء في وجناتهافرائد در في عقيق مضرج
للزاهي البغدادي
ومدامة لضيائها في كأسهانور على فلك الأنامل بازغ
رقت فغابت في الزجاج للطفهافكأنما الإبريق منها فارغ
لعلي بن عطية
وخضبت كف ساقيها مشعشعةكأنها بالذي في ضمنها نضحت
كفاه قد أشربت من ماء وجنتيهووجنتاه بما في كفه رشحت
لأبي نواس
وندمان سقيت الراح صرفاًوستر الليل منسدل السجوف
صفت وصفت زجاجتها عليهاكمعنى دق في ذهن لطيف
وله
معتقة صاغ المزاج لرأسهاأكاليل در ما لناظمها سلك
جرت حركات الدهر فوق سكونهافذابت كذوب التبر أخلصه السبك
وقد خفيت من لطفها فكأنهابقايا يقين كاد يذهبه الشك
وله
مدام تبدت من مقام مشرفتلوح لنا أنوارها ثم تختفي
ولما شربناها ودب دبيبهاإلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو علي شعاعهافيطلع جلاسي على سري الخفي
لابن ناجية الدمشقي
وحمراء قبل المزج صفراء بعدهأتت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلطواعليها مزاجاً فاكتست لون عاشق
لصفي الدين الحلي
بدت لنا الراح في تاج من الحببفمزقت حلة الظلماء باللهب
بكر إذا زوجت بالماء أولدهاأطفال در على مهد من الذهب
بقية من بقايا قوم نوح إذالاحت جلت ظلمة الأحزان والكرب
بعيدة العهد بالمعصار لو نطقتلحدثتنا بما في سالف الحقب
بذلت عقلي صداقاً حين بت بهاأزوج ابن سحاب بابنة العنب
النص من طبعة المطبعة الأدبية ببيروت (١٨٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع