تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

تحضيضهم على حسن الخلق

قال الله ﷿: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: فالعفو: السهل الميسّر، يقول سبحانه: احتمل أخلاق الناس واقبل ما سَهُل منها وتيسّر، ولا تستقصِ عليهم فيستقصي الله عليك، مع ما فيه من العداوة والبغضاء قال شُرَيْح:

خُذِي العفْوَ مِنِّي تستديمي مودّتيولا تَنطِقي في سَوْرَتي حين أغْضَبُ
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «خذي العفو مني تستديمي مودتي»
فإني رأيتُ الحُبَّ في الصَّدْرِ والأذىإذا اجْتَمَعا لم يَلْبَثِ الحبُّ يَذْهَبُ

وقوله ﷾: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: فالجهل هنا ما قابل العقل والجاهلون: الحمقى الأشرار السيّئو الأخلاق، أمر الله نبيه بأن لا يماري الجاهلين ولا يكافئهم بمثل أفعالهم.

وقال سيدنا رسول الله: (إنكم لن تَسعوا الناسَ بأموالِكم فسَعوهم بأخلاقكم). ومن ذا قولُ حكيم وقد قيل له: هل من جودٍ يُتناول به الخَلْقُ؟ فقال: نعم، أن تحسن الخُلُقَ وتنوي الخيرَ لكل أحد... وقال صلوات الله عليه: (ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم مني مجالسَ يوم القيامة!: أحاسنكم أخلاقاً الموطَّؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجالسَ يوم القيامة! الثّرثارون المتفيهقون)... قوله: أحاسنكم أخلاقاً يريد: الأحاسنَ منكم على إرادة التفضيل لا الوصف، وذلك أن العرب تقول في الوصف: رجلٌ حَسنٌ ولم تقل رجلٌ أحسن، مع قولهم امرأة حسناء. ونظيره في عكسه: غلامٌ أمردُ ولم يقولوا جارية مرداء. وقوله: الموطؤون أكنافاً: يريد دماثة الخُلق ولينَ الجانبِ وأن ناحيته يتمكّن فيها صاحبه غير مؤذًى ولا نابٍ به موضعُه. وأصل التوطئة: التذليل والتمهيد يقال: فراشٌ وطيءٌ إذا كان وثيراً - أي ليّناً - والثرثارون: الذين يكثرون الكلامَ تكلّفاً وتجاوُزاً وخروجاً عن الحق، وأصل هذه اللفظة من العينِ الواسعة من عيون الماء يقال: عينٌ ثَرْثارة وثَرّارة: إذا كانت كثيرةَ الماء... والمتفيهقون: بسبيل من الثرثارون وهو تأسيس له، واشتقاقه من قولهم: فَهِقَ الغَديرُ يَفْهَقُ: إذا امتلأ ماءً فلم يكن فيه موضعٌ مزبدٌ: يصفهم

بأنهم يوسعون أشداقَهم ويملؤونها بالكلام. قال أبو العبّاس المبرّد بعد ما أورد ما أوردناه من تفسير هذا الحديث: وتصديقُ ما فسّرناه من قول رسول الله ﷺ أنه يريد الصدقَ في المنطق والقصدَ وتركَ ما لا يُحتاج إليه: قوله لجرير بن عبد الله البَجَلي: يا جرير: إذا قلتَ فأوْجِزْ وإذا بلغتَ حاجتَك فلا تتكلّف. وقال الله جل شأنه في الحث على لين الكلام: وقولوا للناس حسناً. وقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾، وقال: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾. وقال: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾... وقالوا: من لانت كلمته وجبت محبتُه. وقالت جدة سفيان بنِ عُيينة له:

بُنَيَّ إنَّ البِرَّ شيءٌ هَيْنُالمَفْرَشُ اللّيِّنُ والطُّعَيْمُ

ومَنْطِقٌ إذا نَطقْتَ لَيْنُ

قولها هَيْنٌ: فالعرب تقول: رجلٌ هَيْنٌ لَيْنٌ وهَيّنٌ لَيّنٌ وفي الحديث: (المؤمنون هيّنون ليّنون كالجملِ الأنِفِ إن قُدْتَه انقادَ وإن أنَخْتَه على صخرة اسْتَناخ) جمل أنفٌ: أي مأنوف، أي يشتكي أنفُه من خِشاشٍ أو بُرَةٍ أو خِزامة في أنفه فلا يمتنع على قائده في شيء للوجع، فهو

ذلول منقادٌ، ومعنى المؤمنون كالجمل الأنف: أنهم لا يَريمون التشكّي، أي يُديمون التشكي مما بهم إلى الله وحده لا إلى سواه. أقول: وأحسن من هذا التفسير قول بعضهم: الجمل الأنف: الذليل المُؤاتي الذي يأنَف من الزّجْر ومن الضرب ويُعطي ما عنده من السير عفواً سهلاً، كذلك المؤمن، لا يحتاج إلى زجر ولا

عتاب، وما لزمه من حقٍّ صَبرَ عليه وقام به، وهذا تفسير جميل، وهو أليق بكلام سيدنا رسول الله. وسُئلت عائشةُ ﵂ عن خُلق النبي ﷺ فقالت: أوما تقرؤون القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾... وقالوا: صفاءُ الأخلاق من نَقاء الأعراق. الأعراق جمع عِرق وهو الأصل يقال رجل مُعْرِقٌ في الحسب والكرم قالت قُتيلة بنت النضر بن الحارث أو أخته:

أمُحمَّدٌ ولأَنتَ ضِنْءُ نجيبةٍفي قومها والفحلُ فحلٌ مُعْرِقُ

أي عريق النسب أصيل، ويستعمل في اللؤم أيضاً تقول: إنّ فلاناً لمُعْرقٌ في الكرم، ومعرق في اللؤم. والضنء: الولد والأصل والمعدن وقال البحتري:

سلامٌ على تلك الخلائق إنهامُسَلَّمةٌ من كلِّ عارٍ ومأْثَمِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصر حميد لا عزاء لمغرم»

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أحسنُها أخلاقاً وأصبحُها وجوهاً وأشدُّها حياءً، إن حدثوك لم يكذِّبوك، وإن حدَّثتهم بحق أو باطل لم يكذبوك: أبو بكر الصديق، وأبو عُبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان ﵃...

وفي الأثر أيضاً: أن حُسنَ الخُلق وحُسن الجوارِ يُعمِّرانِ الديارَ ويزيدانِ في الأعمار. وفي كتاب الهند: من تزوّد خمساً بلّغته وآنَسَتْه: كفُّ الأذى، وحسنُ الخلق، ومُجانبةُ الرِّيَبِ، والنبلُ في العمل، وحسنُ الأدب.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الذخائر والعبقريات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.