تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

استحياؤهم من المديح ولاسيَّما إذا كان مُتكلَّفاً أو مُبالغاً فيه

سمع سيدُنا رسولُ الله رجلاً يثني على آخرَ، فقال: (قَطَعْت مَطاه، لو سَمِعَ ما أفلحَ) المطا: الظهر وقالوا: استحياءُ الكريم من المدحِ أكثرُ من استحياءِ اللئيمِ من الذَّمِّ... وأثنى رجلٌ على هشام بن عبد الملك، فقال: إنّا نكره المدحَ، فقال: لست أمدَحُك ولكنّي أحمدُ اللهَ فيك... وكان أبو بكر الصديق رضوان الله عليه يقول إذا مُدِح: اللَّهمَّ، أنت أعلمُ منّي بنفسي منهم، اللهمّ، اجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون... وكان رجلٌ يكثر الثناء على علي بن أبي طالب ﵁، وعَلِمَ من قلبِه خلافَ

قوله، فقال له: أنا دونَ ما تقول، وفوقَ ما في نفسك؛ وقال الجاحظ: شرُّ الشُّكْرِ، ثناءُ المُواجِه لك المُسْرِف في مدحك،

وخيرُه، ثناءُ الغائبِ عنك، المقتصدِ في وصفك. وقالوا: كن ممّن أفرطَ في تزكيتك أحذرَ ممّن أفرطَ في الزِّرايةِ بك. وقالوا: من مدحَ الرجلَ بما ليس فيه فقد بالغَ في ذمِّه. وقال أبو فراس الحمداني:

ولا تَقبَلَنَّ القولَ مِنْ كلِّ قائلٍسأُرْضِيكَ مَرأىً لَسْتُ أرْضيكَ مَسْمَعا

وقال الفضيلُ بن عياض: لو شممتم رائحةَ الذُّنوبِ منّي ما قَرِبْتموني... وأُثنِيَ على زاهدٍ، فقال: لو عَرَفْتَ مني ما عرفتُ من نفسي لأبْغَضْتَني. وقال المتنبّي:

يُحَدَّثُ عَنْ فَضْلِه مُكْرَهَاًكأنَّ له مِنه قلباً حَسُودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في الشكر والحمد والثناء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.