من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
توقير العالم والشريف والكبير والترفع عن الوضيع
كان زياد بن أبيه يقول: أُوصيكم بثلاثة: بالعالِم، والشريف - يعني العظيم القدر - والشيخ - يريد: الذي تقدمت به السن - فو الله لا أُوتى بوضيع سَبَّ شريفاً، أو شابٍّ وَثَبَ بشيخ، أو جاهلٍ امتَهَنَ عالماً، إلا عاقبتُ وبالغْتُ... وقال عُمارَة بن عقيل بن بلال بن جرير لبني أسد بن خزيمة:
يا أيّها السائلي عمداً لأُخْبِرَهبذاتِ نَفْسي وأيدي اللهِ فوقَ يدي
إنْ تَسْتَقِمْ أسدٌ ترشَدْ وإنْ شَغَبَتْفلا يَلُمْ لائِمٌ إلا بَني أسدِ
إني رأيتكُمُ يُعْصَى كبيرُكموتَكْنَعونَ إلى ذي الفَجْرَةِ النَّكِدِ
فباعَدَ اللهُ كلَّ البُعْدِ دارَكُمُولا شَفاكُمْ مِنَ الأضْغانِ والحَسَدِ
فرأى عِصْيانَهمْ الكبيرَ مِنْ أقْبحِ العيب وأدلِّه على ضِغْنِ بعضهم لبعض وحَسَدِ بعضهم بعضا، والوضيع ينقلب إلى الشريف لأنه يرى مُقاولته فخرا، والاجْتراء عليه ربحا، كما أن مُقاولة الشريف للئيم ذلُّ وضَعةٌ قال الشاعر:
إذا أنْتَ قاوَلْتَ اللئيمَ فإنّمايكونُ عليك العَتْبُ حينَ تُقاوِلُهْ
ولستَ كَمَنْ يَرضى بما غيرُهُ الرِّضاويَمْسحُ رأسَ الذِّئْبِ والذِّئْبُ آكِلُهْ
قال المبرد: وفي هذا الشعرِ بيتان يقدّمان في باب الفَتك - وفي باب العَزْم والشجاعة والإقدام - وهما:
فلا تَقْرِنَنْ أمْرَ الصَّريمةِ بامْرئٍإذا رامَ أمْراً عَوَّقَتْهُ عَواذِلُهْ
وقلْ للفُؤادِ إنْ نزا بكَ نزوةٌمن الرَّوعِ: أفْرِخْ أكْثرُ الرَّوعِ باطِلُهْ
قال المبرد: وقد امتنع قوم من الجواب - أي من مُقاولةِ اللئيم - تنبلاً - يريد ترفعاً - ومواضِعهم تُنْبئُ عن ذلك - أي أن مراكِزَهم تدلُّ على أن امْتِناعهم ترفّعٌ - وامتنع قوم عِيّاً بلا اعتلال - يريد دون أن يُبدوا عِلَّةً لِهذا الإعْراضِ عن اللئام - وامتنع قوم عَجزاً واعتلُّوا بكراهة السَّفه، وبعضهم معتلٌّ برفعة نفسه عن خصمه، وبعضهم كان يسُبُّه الرجل الرّكيكُ من العشيرة، فُيعرضُ ويسبُّ سيِّدَ قَوْمه، وكانت الجاهلية ربَّما فعلته في الذُّحول
-
جمع ذُحْل وهو الثأر - قال الراجز:
إنّ بَجيلاً كلّما هجانيمِلْتُ على الأغْطَشِِ أو أبانِ
أو طلْحةِ الخيرِ فتى الفتيانِأولاكَ قومٌ شأنُهمْ كَشاني
ما نِلْتُ مِنْ أعْراضِهمْ كَفانيوإنْ سَكَتُّ عَرفوا إحْساني
وقال أحد المحدثين:
إنَي إذا هَرَّ كلْبُ الحيِّ قلتُ لهُإسْلَمْ وربُّكَ مخنوقٌ على الجِرَرِ
وفي مثلِ اخْتيارِ النّبيل لتتكافأَ الأعْراض قول الأخطل:
شَفى النفسَ قَتْلَى من سُليمٍ وعامرٍولم يَشْفِها قَتلَى غَنيّ ولا جَسْرِ
ولا جُشَمٍ شَرِّ القبائلِ إنّهاكبيضِ القَطا ليسوا بِسودٍ ولا حُمْرِ
ولَوْ بِبَني ذُبيانَ بُلَّتْ رِماحُنالقَرَّتْ بِهمْ عَيْني وباَء بِهمْ وِتْري
وقال رجلٌ من المحدثين وهو حمدانُ بنُ أبان اللاّحِقي:
ألَيْسَ مِنَ الكَبائرِ أنّ وَغْداًلآلِ مُعَذَّلٍ يَهْجو سَدوسا
هَجا عِرْضاً لَهمْ غَضًّا جَديداًوأهْدفَ عِرْضَ والِدِه اللَّبيسا
وقال آخر:
اللّؤْمُ أكْرمُ مِنْ وَبْرٍ ووالدِهواللّؤْمُ أكْرمُ مِنْ وَبْرٍ وما وَلَدا
قومٌ إذا جَرَّ جاني قومِهم أَمِنوامِنْ لُؤْمِ أحْسابِهمْ أنْ يُقتلوا قَوَدا
اللّؤْمُ داءٌ لِوَبْرٍ يُقْتَلونَ بهِلا يُقْتَلونَ بِداءٍ غَيْرِه أبَدا
وقال أحد المحدثين هو - دِعْبِل بن علي الخزاعي -:
أمّا الهجاء فَدَقَّ عِرْضُك دونَهوالمَدْحُ عَنْك كَما عَلِمْتَ جليلُ
فاذْهَبْ فأنْتَ عَتيقُ عِرْضِك إنّهعِرْضٌ عَزَزْتَ بهِ وأنْتَ ذَليلُ
وقال آخر:
نُبِّئْتُ كلْباً هابَ رمْيي لَهيَنْبَحُني مِنْ مَوْضعٍ نائي
لَوْ كنتَ مِنْ شيءٍ هَجَوْناك أوْلوْ بِنْتَ للسَّامعِ والرائي
فعَدِّ عَنْ شَتْمي فإنّي امْرؤٌحَلَّمَني قِلَّةُ أكْفاني
وقال دعبل أيضاً:
فلَوْ أنّي بُليتُ بِهاشِمِيٍّخُؤولتُه بَنو عَبْدِ المدانِ
صَبَرْتُ على عَداوَتِه ولكِنْتَعالَيْ فانْظُري بِمَنِ ابْتلاني
ووقف رجلٌ عليه مقطَّعاتٌ على الأحنف بن قيس يسبُّه، وكان عمرو بن الأهْتم جعلَ له ألفَ دِرهمٍ على أن يُسفِّه الأحنف، فجعل لا يَأْلو أنْ يَسبَّه سبًّا يُغضِب، والأحْنَفُ مُطْرقٌ صامتٌ، فلما رآه لا يُكلمه أقبل الرجلُ يَعَضُّ إبْهامَيْه ويقول: يا سَوْأتاه، والله ما يمنعُه من جوابي إلا هَواني عليه... وفعلَ ذلك آخرُ فأمسكَ عنه الأحنف، فأكثرَ الرجلُ، إلى أن أراد الأحنفُ القيامَ للغَداء فأقبَل على الرَّجل فقال: يا هذا، إنَّ غَداءَنا قدْ حَضَرَ فانْهَضْ بنا إليه إن شئتَ فإنك مُذ اليوم تحْدو بِجَملٍ ثَفال.
قال: بما رأيت، قال: مات عُمرُ بْنُ عبد العزيز وخلَّف أحدَ عشر ابْناً وبلغت تَرِكَتُهُ سبعةَ عشرَ دينارا، كُفِّنَ منها بخمسة، واشترى موضعاً لقبره بدينارين، وأصابَ كلُّ واحدٍ من أولاده ثمانيةَ عشرَ قيراطاً من دينار... ومات هشامُ بن عبد الملك فخلَّف أحدَ عشرَ ابْنا أصاب كلُّ واحدٍ من أولاده ألفَ ألفِ دينار، فرأيت رجلاً من أولاد عمر بن عبد العزيز قد حَمَّل في يوم واحد على مِائةِ فَرَسٍ في سبيل الله، ورأيت رجلاً من أولاد هشام على قارعة الطريق يسأل الصدقة...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع