من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
اللئام مولعون بإيذاء الكرام
من أحسنِ ما قيل في شَقاءِ الكرامِ باللئامِ والأخْيارِ بالأشْرارِ قول الشاعر الطِّرمّاح بنِ حكيم - شاعر إسلامي، قال بعض العلماء: لو تقدَّمت أيامُه قليلاً لفُضِّل على الفرزدق وجرير - انظر ترجمته في الأغاني - قال:
لقَدْ زادَني حُبّاً لِنَفسي أنَّنيبَغيضٌ إلى كلِّ امْرئٍ غيرِ طائلِ
وأنّي شَقيٌّ باللئامِ ولا تَرىشَقيّاً بِهمْ إلا كَريمَ الشَّمائِلِ
إذا ما رآني قَطَّعَ الطَّرْفَ بينَهوبينيَ فِعْلَ العارِفِ المُتَجاهِلِ
مَلأتُ عليهِ الأرْضَ حتَّى كأنّهامِنَ الضِّيقِ في عَيْنَيه كِفَّةُ حابِلِ
أكلُّ امْرئٍ ألفى أباه مُقصِّراًمُعادٍ لأهلِ المَكْرُماتِ الأوائِلِ
إذا ذُكِرَتْ مَسْعاةُ والِده اضْطَنىولا يَضْطَني مِنْ شَتْمِ أهْلِ الفَضائِلِ
قوله: لقد زادني... البيت يقول: لقد زادني أنني بغيضٌ إلى كل رجلٍ لا فضلَ فيه ولا خيرَ عنده حُبّاً لنفسي، لأن التمايزَ بيني وبينه هو الذي أدّاهُ إلى بُغضي، ولوْ كان بيننا تشاكلٌ لما كان كذلك، فازددتُ بذلك حباً لنفسي، لأني لو كنت مثله لأحبَّني؛ وغير طائل قال الخليل بن أحمد: يقال للشيء الدونِ: هذا غيرُ طائلٍ... وقوله: وأني شقي باللئام... البيت يقول: وزادني حبا لنفسي أيضاً شقوتي باللئام حتى تنقَّصوني وأصغوا إنائي واغتابوني؛ ثم قال: ولا ترى أحداً يشقى بهم إلا وهو كريم الأخلاق وقوله: إذا ما رآني... البيت يقول: إذا أبصرني ارْتدَّ طرْفُه عني وقطع
نظره، فِعْلَ مَنْ يعرف الشيءَ ويتكلَّفُ جهله؛ ويقال: ملأتُ عليه الأرضَ إذا ضيَّقْتَها عليه، أمّا إذا قلتَ: ملأت مِنْه الأرضَ فمعناهُ: أنّك قمتَ وقعدتَ بِذكْرِه؛ والحابِل: ناصبُ الحِبالة وهي التي يُصادُ بها، وكِفَّةُ الحابِل: حِبالته التي بها يَصيد، وكلُّ ما اسْتدارَ فَهْوَ كِفَّةٌ: يقول في هذا البيت: قد ضاقَتْ به الأرضُ مِنْ عداوتي فكأنّي مَلأتُها عليه، ويجوز أن يكون المرادُ: أنّه يخافُني في كل مَسْلكً يسلُكُه... وفي معنى هذا البيت قول القائل:
كأنَّ فِجاجَ الأرْضِ وهْيَ عَريضَةٌعَلى الخائِفِ المَطلوبِ كِفَّةُ حابِلِ
وقوله: إذا ذُكِرَتْ... البيت فالمسعاةُ: السعي، وهو العمل، واضطنى: افتعل من الضَّنى، يقال: ضنى يَضنى: إذا دقَّ وصغُرَ جِسْمُه ومن ثمَّ سمِّيَ المرضُ ضَنىً، لما يورِثُ مِنَ الهُزالِ، يقول إنه يَضنى إذا ذُكرَ صَنيعُ والده، لِقُبْحِه: ومع هذا يشتُمُ أهْلَ الفَضائلِ ولا
يَضْنى من ذلك، يصفه بالقِحَة.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع