تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الجمل

الذكر من الإبل قال الفراء هو زوج الناقة. وكذا قال ابن مسعود لما سئل عن الجمل كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا وجمع الجمل جمال وأجمال وجمائل وجمالات.

قال الله تعالى: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ

قال أكثر المفسرين: هي جمع جمال على تصحيح البناء، كرجال ورجالات وقال ابن عباس وابن جبير لجمالات قلوس السفن وهي حبالها العظام إذا جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عظام وقال ابن عباس أيضا: الجمالات قطع النحاس العظام وإنما يسمى البعير جملا إذا أربع.

فائدة كان اسم الجمل الذي ركبته عائشة رضي الله تعالى عنها يوم وقعته عسكر اشتراه لها يعلى بن أمية بأربعمائة درهم، وقيل بمائتي درهم، وهو الصحيح. قال ابن الأثير: مر مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي، وكان من الأبطال المشهورة، وكان من أصحاب علي يوم الجمل، بعبد الله بن الزبير، وكان مع عائشة رضي الله تعالى عنها وكان من الأبطال فتماسكا فصار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه، جعله تحته وركب على صدره فعلا ذلك مرارا، وابن الزبير يصيح بأعلى صوته:

اقتلوني ومالكاواقتلوا مالكا معي
للشاعر ابن الزمكدم، اقرأ القصيدة

يريد بذلك الاشتر النخعي قال ابن الزبير: أمسيت يوم الجمل وفيّ سبع وثلاثون جراحة ما بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم قال: ولا ينهزم من الفريقين أحد وما أخذ أحد بخطام الجمل إلا قتل فأخذت الخطام فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: من أنت؟ قلت: ابن

الزبير. فقالت: واثكل أسماء ومر بي الأشتر فعرفته فاقتتلنا فو الله ما ضربته ضربة إلا ضربني بها ستا أو سبعا فجعلت أنادي:

اقتلوني ومالكاواقتلوا مالكا معي
للشاعر ابن الزمكدم، اقرأ القصيدة

وضاع الخطام مني ثم أخذ مالك برجلي فرماني في الخندق، وقال: لولا قرابتك من رسول الله ﷺ ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبدا. وفي رواية فجاء أناس منا ومنهم، وتقاتلوا حتى تحاجزنا، وضاع مني الخطام وسمعت عليا ﵁ يقول: اعقروا الجمل، فإنه إن عقر تفرقوا فضربه رجل فسقط. فما سمعت قط أشد من عجيج الجمل، ثم أمر علي بحمل الهودج من بين القتلى، فاحتمله محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، فأدخل محمد بن أبي بكر يده في الهودج.

فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: من هذا الذي يتعرض لحرم رسول الله ﷺ؟ أحرقه الله بالنار! فقال: يا أختاه قولي بنار الدنيا فقالت: بنار الدنيا. وقتل طلحة رضي الله تعالى عنه في الوقعة، وكان من حزب عائشة. ورجع الزبير فقتله عمرو بن جرموز بوادي السباع وهو نائم، وعاد بسيفه إلى علي، فلما رآه قال: إنه لسيف طالما جلا الكرب عن رسول الله ﷺ. وأحيط بعائشة ودخل علي البصرة فبايعه أهلها، وأطلق عثمان بن حنيف وجهز عائشة وأخرج أخاها محمدا معها وشيعها علي بنفسه أميالا وسرح بنيه معها يوما وقيل: إن عدة المقتولين من أصحاب الجمل ثمانية آلاف وقيل سبعة عشر ألفا. ومن أصحاب علي نحو ألف وقطع علي خطام الجمل يومئذ نحو ثمانين كفا معظمهم من بني ضبة كلما قطعت يد رجل أخذ الخطام آخر وفي ذلك يقول الضبي:

نحن بني ضبة أصحاب الجملننازل الموت إذا الموت نزل

والموت أحلى عندنا من العسل

وكانوا قد ألبسوه الأدراع إلى أن عقر. ونصب نبي، عند النحويين على المدح والتخصيص، وكانت وقعة الجمل يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى أو الآخرة وقيل في خامس عشرة سنة ست وثلاثين من ارتفاع الشمس إلى قريب العصر. ويروى أن عائشة أعطت الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم.

وذكر: ابن خلكان وغيره أن الأشتر دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها، بعد وقعة الجمل، فقالت له: يا أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الجمل؟ فأنشدها:

أعائش لولا أنني كنت طاوياثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «أعائش لولا إنني كنت طاويا»
غداة ينادي والرماح تنوشهبآخر صوت اقتلوني ومالكا
فنجاه مني أكله وشبابهوخلوة جوف لم يكن متماسكا

ونقل أنه كان في رأس ابن الزبير ﵁ ضربة عظيمة من الأشتر لو صب فيها قارورة دهن لاستقر. وروى الحاكم من حديث قيس بن أبي حازم وابن أبي شيبة، من حديث ابن

عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لنسائه: «أيتكن صاحبة الجمل الأديب تسير، أو تخرج حتى ينبحها كلاب الحوأب؟» والحوأب نهر بقرب البصرة والأديب الأزب وهو الكثير شعر الوجه. قال ابن دحية والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب الغوامض والعواصم له! وذكر أنه لا يوجد له أصل وهو أشهر من فلق الصبح. وروي أن عائشة لما خرجت، مرت بماء يقال له الحوأب فنبحتها الكلاب، فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب». وهذا الحديث مما أنكر على قيس بن أبي حازم. وأما قول الشاعر:

شكا إلى جملي طول السرىيا جملي ليس إلى المشتكى

صبرا جميلا فكلانا مبتلى

فمعلوم أن الجمل لا ينطق، وإنما أراد التجوز ومقابلة الكلام بمثله كقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ

وكقول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وكقول الآخر:

ولي فرس للحلم بالحلم ملجمولي فرس للجهل بالجهل مسرج
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
فمن رام تقويمي فإني مقومومن رام تعويجي فإني معوج
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «فيا سائلي عن مذهبي إن مذهبي»

يريد: أكافىء الجاهل والمعوج لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج. وأما قوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ

فأراد به الحيوان المعروف لأنه أعظم الحيوانات المتداولة للإنسان جثة فلا يلج إلا في باب واسع كأنه قال لا يدخلون الجنة أبدا قال الشاعر:

لقد عظم البعير بغير لبفلم يستغن بالعظم البعير
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

وقرأ ابن عباس ومجاهد الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وفسر بحبل السفينة الغليظ. وسم الخياط هو بخش الإبرة أي ثقبها وقد ألغز فيها الشاعر فقال:

سعت ذات سم في قميصي فغادرتبه أثرا والله يشفي من السم
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
كست قيصرا ثوب الجمال وتبعاوكسرى وعادت وهي عارية الجسم
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وكنية الجمل أبو أيوب وأبو صفوان. وفي حديث أم زرع زوجي «لحم جمل غث على رأس جبل وعر». وفي سنن أبي داود عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ «أهدى عام

الحديبية في هداياه جملا كان لأبي جهل بن هشام في أنفه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين».

قال الخطابي وفيه من الفقه أن الذكران في الهدي جائزة. وقد روي عن ابن عمر أنه كان يكره ذلك في الإبل ويرى أن تهدى الإناث منها. وفيه دليل أيضا على جواز استعمال اليسير من الفضة في لجم المراكب من الخيل وغيرها وقوله: يغيظ بذلك المشركين، معناه أن هذا الجمل كان معروفا لأبي جهل، فحازه النبي ﷺ، فكان يغيظهم أن يروه في يده ﷺ، وصاحبه قتيل سليب. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال ﷺ:

«قد تركتكم على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، واياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد». والأنف الجمل المخزوم الأنف الذي لا يمتنع على قائده. وقيل: الأنف الذلول ويروى كالجمل الآنف بالمد وهو بمعناه: وفيه أن قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ» والنواجذ بالذال المعجمة الأشهر أنها أقصى الأسنان أي تمسكوا بها كما يتمسك العاض بجميع أضراسه. وفي الحديث أنه ﷺ «ضحك حتى بدت نواجده». والمراد ههنا الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك لأنه ﷺ كان ضحكه تبسما.

وروى الإمام أحمد أبو داود النسائي عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل، وليضع يديه ثم ركبتيه». قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا وهو ما رواه الأربعة عنه أنه قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر بن عبد الله ﵁ «أنه كان مع النبي ﷺ على جمل فأعيا، فنخسه النبي ﷺ ودعا له وقال: اركب فركب فكان أمام القوم قال فقال لي النبي ﷺ: كيف ترى بعيرك؟ فقلت: قد أصابته بركتك قال: أفتبيعنيه؟

فاستحييت ولم يكن لي ناضح غيره، فقلت: نعم. فما زال ﷺ يزيدني ويقول: والله يغفر لك حتى بعته بأوقية من ذهب، على أن لي ركوبه حتى أبلغ المدينة. فلما بلغتها، قال ﷺ لبلال: اعطه الثمن وزده. ثم رد ﷺ علي الجمل». وفي كتاب ابن حيان من حديث حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: «استغفر لي رسول الله ﷺ، ليلة البعير، خمسا

وعشرين مرة». وبهذا استدل على جواز بيع وشرط. والخلاف فيه مقرر في كتب الفقه، قال السهيلي: والحكمة في شرائه الجمل، ورده عليه وإعطائه الثمن بزيادة، أنه ﵊ كان أخبره بأن الله تعالى أحيا أباه ورد عليه روحه. فاشترى الجمل منه. وهو مطيته كما اشترى الله أنفس الشهداء، بثمن هو الجنة. ونفس الإنسان مطيته ثم زادهم فقال لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى

وزيادة ثم رد عليهم أنفسهم التي اشترى منهم فقال وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ

الآية. فأشار ﷺ بالشراء ورد الثمن والزيادة ثم رد الجمل إليه إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن الله ﷿ فتشاكل الفعل والخبر. وفي مسند الإمام أحمد والحاكم، عن عبد الله بن جعفر ﵁، أن النبي ﷺ «دخل حائطا لبعض الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي ﷺ ذرفت عيناه، فمسح النبي ﷺ سنامه، وفي رواية فمسح ذفرييه، فسكن. ثم قال ﷺ: من رب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله فقال ﷺ: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا لي أنك تجيعه وتدئبه». وروى الطبراني عن جابر ﵁، قال: «خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع، حتى إذا كنا بحرة واقم، إذ أقبل جمل يرقل حتى دنا من النبي ﷺ، فجعل يرغو على هامته، فقال رسول الله ﷺ: إن هذا الجمل يستعديني على صاحبه، يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين، حتى إذا أعجزه وأعجفه وكبر سنه، أراد نحره، إذهب يا جابر إلى صاحبه فائت به. قلت: ما أعرفه. فقال: إنه سيدلك عليه، قال فخرج الجمل بين يدي معنقا حتى وقف بي في مجلس بني خطمة. فقلت أين رب هذا الجمل؟

فقالوا: هذا لفلان بن فلان، فجئته فقلت له: أجب رسول الله ﷺ، فخرج معي حتى جاء رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: إن جملك يزعم أنك حرثت عليه زمانا حتى إذا أعجزته وأعجفته وكبر سنه أردت أن تنحره، فقال: والذي بعثك بالحق إن ذلك لكذلك، فقال ﷺ: ما هكذا جزاء المملوك الصالح. ثم قال ﷺ: تبيعه؟ قال: نعم فابتاعه منه ثم أرسله ﷺ في الشجر حتى نصب سنامه». فكان إذا اعتل على بعض المهاجرين والأنصار من نواضحهم شيء أعطاه إياه، فمكث كذلك زمانا.

وحكى: القشيري في رسالته وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن عن أحمد بن عطاء الروذباري، أنه قال: كنت راكبا جملا فغاصت رجلا الجمل في الرمل فقلت: جل الله، فقال الجمل: جل الله.

وحكى: القشيري عنه أيضا في باب كرامات الأولياء، قال: كلمني رجل في طريق مكة، فقال: إني رأيت جمالا والمحامل عليها وقد مدت أعناقها في الليل، فقلت سبحان الله سبحان من يحمل عنها ما هي فيه، فالتفت إلي جمل، وقال: قل جل الله. فقلت: جل الله.

غريبة رأيت بخط بعض العلماء المتقدمين المبرزين، أنه كان بخراسان رجل عائن، فجلس يوما إلى جماعة فمر بهم قطار جمال فقال العائن: من أي جمل تريدون أن أطعمكم من

لحمه؟ فأشاروا إلى جمل من أحسنها، فنظر إليه العائن فوقع الجمل لساعته. وكان صاحب الجمل حكيما، فقال: من ربط جملي فليحله، وليقل: بسم الله عظيم الشان شديد البرهان ما شاء الله، كان حبس حابس من حجر يابس وشهاب قابس، اللهم إني رددت عين العائن عليه، وفي أحب الناس إليه وفي كبده وكليتيه لحم رقيق، وعظم دقيق فيما له يليق فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ

. فوقف الجمل لساعته كأن لم يكن به بأس وندرت عين العائن.

فائدة العائن إذا اعترف أنه قتل غيره بالعين فلا قود عليه، ولا دية ولا كفارة، وإن كانت العين حقا، لأنه لا يفضي إلى القتل غالبا، ويندب للعائن أن يدعو له بالبركة فيقول اللهم بارك فيه ولا تضره وأن يقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

وذكر القاضي حسين أن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استكثر قومه ذات يوم فأمات الله تعالى منهم مائة ألف في ليلة واحدة، فلما أصبح شكا إلى الله من ذلك، فقال الله تعالى له: إنك لما استكثرتهم عنتهم فهلا حصنتهم! فقال: يا رب فكيف أحصنهم؟ قال: تقول حصنتكم بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا، ودفعت عنكم السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال القاضي: وهكذا السنة في الرجل إذا رأى نفسه سليمة وأحواله معتدلة، يقول في نفسه ذلك.

وكان القاضي يحصن تلامذته بذلك إذا استكثرهم. وذكر الإمام فخر الدين الرازي في بعض كتبه أن العين لا تؤثر ممن له نفس شريفة لأنها استعظام للشيء وما ذكره القاضي حسين يرد ذلك.

وحكى القشيري في رسالته عن محمد بن سعيد البصري أنه قال: بينما أنا أمشي في بعض طرق البصرة إذ رأيت أعرابيا يسوق جملا، ثم التفت فإذا الجمل قد وقع ميتا، ووقع الرجل والقتب، فمشيت قليلا ثم التفت، فإذا الأعرابي يقول يا مسبب كل سبب يا مؤمل كل من طلب رد على ما ذهب، يحمل الرجل والقتب، فقام الجمل وعليه الرجل والقتب. واحياء الموتى كرامة فهو وإن كان عظيما إلا أنه جائز على القول الصحيح المختار، عند المحققين المعتمدين من أئمة الأصول، إذ ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، بشرط أن لا يدعي التحدي كالنبوة. وإحياء الموتى كرامة للأولياء كثير لا ينحصر وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر طرف من ذلك في أماكنه من هذا الكتاب.

فائدة:

قال شيخنا اليافعي ﵀: لا يلزم أن يكون من له كرامة من الأولياء أفضل ممن ليس له كرامة منهم، بل قد يكون بعض من ليس له كرامة منهم أفضل من بعض، من له كرامة، لأن الكرامة قد تكون لتقوية يقين صاحبها، وكمال المعرفة بالله. ولهذا قال قطب العلوم وتاج العارفين وقرة أعين الصديقين أبو القاسم الجنيد قدس الله سره: قد مشى رجال باليقين على الماء، ومات بالعطش رجال أفضل منهم. وقال أيضا: اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب وقال أيضا: اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير وقال: (يعني اليافعي)، قلت:

ولأن الكرامة قد تقع لكثير من المحبين والزهاد، ولا تقع لكثير من العارفين، والمعرفة أفضل من

المحبة عند الأكثرين، وأفضل من الزهد عند الكل. اهـ قلت: وهذا هو المختار عند المحققين والله أعلم.

وفي كتاب خبر البشر بخير البشر، للإمام العلامة محمد بن ظفر أنه كان على باب من أبواب الاسكندرية، صورة جمل من نحاس، عليه راكب من نحاس، في هيئة العرب متزر مرتد، وعليه عمامة وفي رجليه نعلان، كل ذلك من نحاس. وكانوا إذا تظالموا يقول المظلوم للظالم:

أعطني حقي قبل أن يخرج هذا فيأخذ بحقي منك شئت أو أبيت! ولم يزل الصنم على ذلك حتى افتتح عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أرض مصر، فغيبوا الصنم وفي ذلك إشارة إلى البشارة بمحمد ﷺ.

وحكمه وخواصه تقدما في الإبل.

الأمثال قالوا: «الجمل من جوفه يجتر». يضرب لمن يأكل من كسبه، أو ينتفع بشيء يعود عليه منه ضرر. وقالوا: أخلف من بول الجمل». وهو من الخلف لا من الخلاف، لأنه يبول إلى خلف. وقالوا: «وقع القوم في سلى جمل». يضرب لمن بلغ في الشدة منتهى غاياتها.

كما قالوا: «بلغ السكين العظم» وذلك أن الجمل لا يكون له سلى فأرادوا أنهم وقعوا في أمر صعب. والسلى الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي إن نزعت عن وجه الفصيل ساعة ما يولد إلا قتلته. وهذا كقولهم: «أعز من الأبلق العقوق» وقالوا: «الثمر في البئر وعلى ظهر الجمل». وأصله أن مناديا، كان في الجاهلية، يقف على أطم من آطام المدينة حين يدرك الثمر، ينادي بذلك. أي من سقى ماء البئر على ظهر الجمل بالسانية وجد عاقبة سقيه في ثمره. وهذا قريب من قولهم: «عند الصباح يحمد القوم السرى». وقريب من قول الشاعر:

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداندمت على التفريط في زمن الزرع
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صبرت وكان الصبر مني سجية»

وقول الآخر:

تسألني أم الوليد جملايمشي رويدا ويكون أولا

يضرب في طلب ما لا يكون، هذا إذا ذكر البيت كله. وأما قولهم: «يمشي رويدا ويكون أولا» فيضرب للرجل يدرك حاجته في تؤدة ودعة. وأما قولهم: «لا ناقتي فيها ولا جملي»، فسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النون في الكلام على الناقة.

التعبير الجمل في المنام حج لقول النبي ﷺ: «والجمل الأعرابي يدل على الحج» لقوله

تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ

الآية. والجمل البختي رجل أعجمي. ومن رأى جملا يصول عليه فإنه يخاصم سفيها. ومن قاد جملا بخاطمه، فإنه يهدي رجلا ضالا ومن أكل رأس جمل، اغتاب رجلا رئيسا. ومن رأى جمالا عربا، ولي على قوم من الأعراب. ومن رأى جملين يقتتلان، فإنهما ملكان. ومن رأى أنه يجر جملا فإنه يقهر عدوا. وقال ارطاميدورس: رؤية الجمل تدل على مجاديف السفينة وعلى سرعة سيرها والجمال تدل على أقوام جهال، لا معرفة لهم ولا رأي.

والغالب عليهم الذلة ومن رأى أنه سقط من ظهر جمل خشي عليه الفقر. ومن رأى أنه رمحه جمل مرض. والقطار من الجمال إذا كان يتلو بعضها بعضا أمطار لأن المطر يتلو بعضه بعضا، وهي تحمل الأثقال كما تحمل السحب الأمطار. وإذا ذبحت الجمال ولم يكن في ذلك المكان رجل فتاك فإنها دعوة لكرام. ومن رأى كأنه صار جملا فإنه يحمل أثقالا من تبعات الناس. والبخت سفر بعيد لراكبها بلا عناء. وربما دل الجمل على المسكن، وعلى السفينة، لأنه من سفن البر. وربما دل على الموت، لأنه يظعن بالأحباب إلى الأمكنة البعيدة. وربما دل على الزوجة ويدل الجمل على الحقد وأخذ الثأر ولو بعد حين. وربما دل على الرجل الصبور. وربما دل على البطء في الأحوال لمن يريد الاستعجال. وربما دل الجمل على الجمال، لأنه مشتق من لفظها. وللآية وتدل رؤيا الجمال على الجان، لأنها خلقت من أعين الجان. وتدل الجمال على الأرزاق والفوائد لامتهانها وملكها قال ابن المقري: ورؤية الجمال البخت تدل على الأجلاء من الناس وأرباب الأسفار كالتجار في البر والبحر. وربما دلت على الأعجام والغرباء. وربما تدل رؤيتها على الهموم والأنكاد والسبي وسلب المال. والله ﷾ أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.