من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
حكايات مختلفة عن الوفاء
- أحضر الحجاج رجلا من الخوارج فمنّ عليه وأطلقه، فلما عاد إلى أصحابه قالوا له: إنّ الله تخلّصك من يده ليزيدك بصيرة في مذهبك، فلا تقصّر في الخروج عليه، فقال: هيهات غلّ يدا مطلقها، واسترقّ رقبة معتقها.
- دخل هارون بن أبي زياد مؤدب الواثق على الواثق، فأكرمه وأظهر من برّه ما شهره به، فقيل له: يا أمير المؤمنين من هذا الذي فعلت به ما فعلت؟
قال: هذا أوّل من فتق لساني بذكر الله تعالى وأدناني من رحمته.
- ومن الوفاء المستحسن ما روي عن أبي زكّار الأعمى، وهو مغنّ منقطع إلى آل برمك، قال مسرور الكبير: لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى دخلت وعنده أبو زكار الأعمى الطّنبوريّ يغنيه:
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
فقلت له: في هذا والله أتيتك، ثم أخذت بيده فأقمته وأمرت بضرب رقبته، فقال لي أبو زكار: نشدتك الله إلّا ألحقتني به، فقلت له: وما رغبتك في ذلك؟
فقال: إنه أغناني عما سواه بإحسانه فما أحبّ أن أبقى بعده، فقلت: أستأذن أمير المؤمنين في ذلك، فلما أتيت الرشيد برأس جعفر أخبرته بقصة أبي زكار فقال: هذا رجل مصطنع فاضممه إليك، وانظر ما كان جعفر يجريه عليه فأقمه له.
- لقي الفضل بن يحيى إبراهيم الموصلّي وهو خارج من دار الفضل بن الربيع، وكانا متجاورين في الشماسية، فقال: من أين يا أبا إسحاق؟ أمن عند الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى؟ هذان والله أمران لا يجتمعان لك، فقال:
والله لئن لم يكن فيّ ما يتّسع لكما حتى يكون الوفاء لكما جميعا واحدا ما فيّ خير، والله لا أترك واحدا منكما لصاحبه، فمن قبلني على هذا قبلني، ومن لم يقبلني فهو أعلم، فقال له الفضل بن يحيى: أنت عندي غير متّهم، والأمر كما قلت، وقد قبلتك على ذلك.
- قيل إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوّقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه.
ب- قال لقمان لابنه: إذا كان خازنك حفيظا وخزانتك أمينة سدت في دنياك وآخرتك.
قيل: أكرم الوفاء ما كان عند الشدة، وألأم الغدر ما كان عند الثقة.
كان يحيى بن خالد إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي جعل الوفاء أعزّ ما برأ.
- أبو فراس بن حمدان:
بمن يثق الإنسان فيما ينوبهومن أين للحرّ الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلّا أقلّهمذئابا على أجسادهنّ ثياب
- وله:
أبغي الوفاء بدهر لا وفاء بهكأنني جاهل بالدهر والناس
- عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن عن الأرذنّ وضربه وحلقه وأقامه للناس، وقال للموكلين به: من أتاه متوجعا فائتوني به، فأتاه عديّ ابن الرقاع العامليّ، وكان عبيدة إليه محسنا، فوقف عليه وقال:
فما عزلوك مسبوقا ولكنإلى الغايات سبّاقا جوادا
وكنت أخي وما ولدتك أميوصولا باذلا لا مستزادا
فقد هيضت بنكبتك القدامىكذاك الله يفعل ما أرادا
فوثب الموكلون إليه فأدخلوه إلى الوليد، وأخبروه بما جرى، فتغيّظ عليه الوليد وقال له: أتمدح رجلا قد فعلت به ما فعلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه كان إليّ محسنا، ولي مؤثرا، وبي برّا، ففي أيّ وقت كنت أكافيه بعد هذا اليوم؟
فقال: صدقت وكرمت، وقد عفوت عنه لك وعنك، فخذه وانصرف.
- ولما حمل رأس مروان بن محمد إلى السفّاح وهو بالكوفة جلس مجلسا عامّا، وجاءوا بالرأس فوضع بين يديه، فقال لمن حضره: أفيكم من يعرف هذا الرأس؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعد بن هبيرة فأكبّ عليه فتأمّله مليّا ثم قال: نعم هذا رأس أبي عبد الملك خليفتنا بالأمس ﵀، وعاد إلى مجلسه فقعد. ووثب أبو العباس فطعن في حجزته، وانصرف ابن جعدة إلى منزله، وتحدّث الناس بكلامه، فلامه بنوه وأهله وقالوا: عرّضتنا ونفسك للبوار فقال:
اسكتوا، قبّحكم الله، ألستم الذين أشرتم عليّ بالأمس بحرّان بالتخلّف عن مروان ففعلت في ذلك غير فعل أهل الوفاء والشكر؟ وما كان ليغسل عني عار تلك الفعلة إلّا هذه، وإنما أنا شيخ هامة اليوم أو غد، فإن نجوت يومي هذا من القتل متّ غدا. فجعل بنوه وأهله يتوقعون رسل السفاح أن تطرقه في جوف الليل، وغدا الشيخ فإذا هو بسليمان بن مجالد، فلما بصر به قال: ألا أسرّك يا ابن جعدة بجميل رأي أمير المؤمنين فيك؟ إنه ذكر في هذه الليلة ما كان منك فقال:
أما والله ما أخرج ذلك الكلام من الشيخ إلّا الوفاء، ولهو أقرب بنا قرابة وأمس بنا رحما منه بمروان إن أحسنّا إليه، قال: أجل والله.
- وسأل المنصور بعض بطانة هشام عن تدبيره في بعض حروبه مع الخوارج فقال: فعل كذا وصنع كذا ﵀، فقال المنصور: قم عليك لعنة الله، تطأ بساطي وتترحّم على عدوي؟! فقام الرجل وهو يقول: والله إنّ نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلّا غاسلي، فقال المنصور: ارجع يا شيخ فإني أشهد أنك نهيض حرّة وغراس شريف، ودعا له بمال فأخذه وقال: لولا جلالة عزّ أمير المؤمنين وامتطاء طاعته ما لبست بعده لأحد نعمة، فقال له المنصور:
مت إذا شئت، لله أنت، فلو لم يكن في قومك غيرك لكنت قد أبقيت لهم مجدا مخلّدا.
- قيل: بينما عيسى بن موسى يساير أبا مسلم في مقدمه به على أبي جعفر إذ أنشد عيسى:
لينهك ما أفنى القرون التي خلتوما حلّ في أكناف عاد وجرهم
ومن كان أنأى منك عزّا ومنعةوأنهد بالجيش اللهام العرموم
فقال أبو مسلم: علام أعطيتني عهد الله يا أبا موسى؟ قال: أعتق ما يملك إن كان أرادك بما قال، وإنما هو خاطر جرى على لساني، قال: ذاك شرّ.
- ومن شعر عيسى بن موسى لما خلع من العهد:
أينسى بنو العباس ذبّي عنهمبسيفي نار الحرب ذاك سعيرها
فتحت لهم شرق البلاد وغربهافذلّ معاديها وعزّ نصيرها
أقطّع أرحاما عليّ عزيزةوأسدي مكيدات لها وأنيرها
فلما وضعت الأمر في مستقرّهولا حت له شمس تلألأ نورها
دفعت عن الحقّ الذي أستحقّهوسيقت بأوساق من الغدر عيرها
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع