تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

وفاء السموأل

- والعرب تضرب المثل في الوفاء بالسموأل، وهو ابن عريض بن عادياء الأزدي، وقيل هو من ولد الكاهن ابن هارون بن عمران. وكان من خبره أنّ امرأ القيس بن حجر أودعه أدراعا مائة، فأتاه الحارث بن ظالم (ويقال: الحارث بن أبي شمر الغساني) ليأخذها منه، فتحصّن منه السموأل، فأخذ ابنا له غلاما وناداه: إما إن أسلمت إليّ الأدراع وإما إن قتلت ابنك، فأبى السموأل أن يسلم الأدراع إليه، فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه، فقال السموأل:

وفيت بأدرع الكنديّ إنيإذا ما ذمّ أقوام وفيت
وأوصى عاديا يوما بأن لاتهدّم يا سموأل ما بنيت
بنى لي عاديا حصنا حصيناوماء كلما شئت استقيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «وفيتُ بأدرع الكندي إني»

- قال محمد بن السائب الكلبي: هجا الأعشى رجلا من كلب فقال:

بنو الشهر الحرام فلست منهمولست من الكرام بني عبيد
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بنو الشهر الحرام فلست منهم»
ولا من رهط جبّار بن قرطولا من رهط حارثة بن زيد
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بنو الشهر الحرام فلست منهم»

وهؤلاء كلهم من كلب، فقال: لا أبا لك، أشرف من هؤلاء أنا، قال:

فسبّه الناس بعد بهجاء الأعشى. وكان متغيّظا عليه، فأغار على قوم قد بات فيهم الأعشى فأسر منهم نفرا وأسر الأعشى، ولا يعرفه، فجاء حتى نزل بشريح بن السموأل صاحب تيماء بحصنه الذي يقال له الأبلق، فمرّ شريح بالأعشى فنادى به:

شريح لا تتركنّي بعد ما علقتحبالك اليوم بعد القدّ أظفاري
قد جلت ما بين بانقيا إلى عدنوطال في العجم تكراري وتسياري
فكان أكرمهم عهدا وأوثقهمعقدا أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث ما استمطروه جاد وابلهوفي الشدائد كالمستأسد الضاري
كن كالسموأل إذ طاف الهمام بهفي جحفل كسواد الليل جرّار
إذ سامه خطّتي خسف فقال لهقل ما تشاء فإني سامع حار
بالأبلق الفرد من تيماء منزلهحصن حصين وجار غير غدّار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فقال غدر وثكل أنت بينهمافاختر وما فيهما حظّ لمختار
فشكّ غير طويل ثم قال لهاقتل أسيرك إني مانع جاري
وسوف يعقبنيه إن ظفرت بهربّ كريم وبيض ذات أطهار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
لا سرّهنّ لدينا ذاهب هدراوحافظات إذا استودعن أسراري
فاختار أدرعه كي لا يسبّ بهاولم يكن وعده فيها بختّار

قال: فجاء شريح الكلبيّ فقال: هب لي هذا الأسير المضرور، فقال: هو لك. فأطلقه، وقال له: أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك، فقال الأعشى: من تمام صنيعتك إليّ أن تعطيني ناقة ناجية وتخلّيني الساعة، قال: فأعطاه ناقة فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبيّ أنّ الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: ابعث إليّ بالأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه، قال:

قد مضى، فأرسل الكلبيّ في طلبه فلم يلحقه.

- قال الأثرم: حجّ وفاء بن زهير المازنيّ في الجاهليّة، فرأى في منامه كأنه حاض، فغمّه ذلك، وقصّ رؤياه على قسّ بن ساعدة الإياديّ، فقال له:

أغدرت بمن أعطيته ذماما؟ قال: لا. قال: فهل غدر أحد من أهلك بجار لك؟

قال: لا علم لي؛ وقدم على أهله فوجد أخاه قد غدر بجار له فقتله، فانتضى سيفه، وناشده أخوه الله والرّحم، وخرجت أمّه كاشفة شعرها قد أظهرت ثدييها تناشده الله في قتل أخيه، فقال لها: علام سمّيتني وفاء إذا كنت أريد أن أغدر؟ ثم ضرب أخاه بسيفه حتى قتله وقال:

يناشدني قيس قرابة بينناوسيفي بكفّي وهو منجرد يسعى
غدرت وما بيني وبينك ذمّةتجيرك من سيفي ولا رحم ترعى
سأرحض عنّي ما فعلت بضربةعقيم البديّ لا تكرّ ولا تثنى

- قال صعصعة بن ناجية المجاشعي للنبي صلّى الله عليه وعلى آله: إني حملت حمالات في الجاهلية، فجاء الإسلام وعليّ منها ألف بعير، فأدّيت من ذلك سبعمائة، فقال له: إنّ الإسلام أمر بالوفاء ونهى عن الغدر، فقال: حسبي حسبي، فوفى بها.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.