تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر هذا الباب

- قال أبو دلامة: أتي بي المنصور أو المهدي وأنا سكران، فحلف ليخرجنّي في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة، فلما التقى الجمعان قلت لروح: أم والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثّرت في عدوك اليوم أثرا ترتضيه، فضحك وقال: والله العظيم لأدفعنّ إليك ذلك ولآخذنّك بالوفاء بشرطك، ونزل عن فرسه فنزع سلاحه ودفعهما إليّ، ودعا بغيرهما فاستبدل به، فلما حصل ذلك في يدي وزالت عني حلاوة الطمع قلت له: أيها الأمير هذا مقام العائذ بك، وقد قلت بيتين فاسمعها قال: هات، فأنشدته:

إني استجرتك أن أقدّم في الوغىلتطاعن وتنازل وضراب
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني استجرتك أن أقدم في الوغى»
فهب السيوف رأيتها مشهورةفتركتها ومضيت في الهرّاب
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني استجرتك أن أقدم في الوغى»
ماذا تقول لما يجيء ولا يرىمن بادرات الموت في النشاب

فقال: دع ذا عنك وستعلم، وبرز رجل من الخوارج يدعو إلى المبارزة فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة، فقلت: أنشدك الله أيها الأمير فإنه أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، فقال: لا بدّ من ذاك، فقلت له: أنا والله جائع ما تنبعث مني جارحة من الجوع فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصفّ فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو، وقد أصابه المطر فابتلّ، وأصابته الشمس فاقفعلّ، وعيناه تقدان، فأسرع إليّ فقلت له: على رسلك، فوقف فقلت:

أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا، قلت: أفتستحلّ أن تقتل رجلا على دينك؟ قال: لا، قلت: أتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟

قال: لا، فاذهب عنّي إلى لعنة الله، فقلت: لا أفعل أو تسمع مني، قال: هات، قلت: هل كان بيننا قطّ عداوة أو ترة أو تعرفني بحال تحفظك عليّ، أو تعرف بين أهلي وأهلك وترا؟ قال: لا والله، قلت: ولا أنا والله لك إلا على جميل، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين بدينك وأريد السوء لمن أراده بك، قال: يا هذا جزاك الله خيرا فانصرف، قلت: إنّ معي زادا وأريد مؤاكلتك لتؤكد المودة بيننا، ونري أهل العسكرين هوانهم علينا، قال: فافعل، فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا، وجمعنا أرجلنا على معارفها، وجعلنا نأكل والناس قد غلبوا ضحكا، فلما استوفينا ودّعني، ثم قلت له: إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني لك، فتتعب وتتعبني، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل، قال: قد فعلت، ثم انصرف

وانصرفت، فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك، فأمسك، وخرج آخر يدعو إلى البراز فقال لي: اخرج إليه، فقلت:

إني أعوذ بربي أن تقدّمنيإلى القتال فيخزى بي بنو أسد
إن البراز إلى الأقران أعلمهمما يفرّق بين الروح والجسد
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني أعوذ بروح أن يقدمني»
إن المهلب حبّ الموت أورثكموما ورثت اختيار الموت عن أحد
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني أعوذ بروح أن يقدمني»
لو أنّ لي مهجة أخرى لجدت بهالكنها خلقت فردا فلم أجد
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني أعوذ بروح أن يقدمني»

فضحك وأعفاني.

- ولأبي دلامة في المعنى:

ألا لا تلمني إن فررت فإننيأخاف على فخارتي أن تحطّما
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «ألا لا تلمني إن فررت فإنني»
فلو أنني أبتاع في السوق مثلهاوجدّك ما باليت أن أتقدّما

- وقال آخر:

يقول لي الأمير بغير علمتقدّم حين جدّ بنا المراس
للشاعر الأعور الشني، اقرأ القصيدة

وما لي إن أطعتك من حياة، وما لي غير هذا الرأس راس - خطب ثمامة العوفي امرأة فسألت عن حرفته فقال:

وسائلة عن حرفتي قلت حرفتيمقارعة الأبطال في كلّ مأزق
وضربي طلى الأبطال بالسيف معلماإذا زحف الصفّان تحت الخوافق
للشاعر ثمامة العوفي، اقرأ القصيدة

فلما قرأت الشعر قالت للرسول قل له: فديتك أنت أسد فاطلب لنفسك لبؤة، فاني ظبية أحتاج إلى غزال.

دخل أعرابي البصرة في يوم جمعة، والناس في الصلاة، فركع معهم فزحموه، فرفع يده ولطم الذي يليه، وأخذ يزاحم ويقول في صلاته:

إن تزحماني تجداني مزحماعبل الذراعين شديدا ملطما

- لما أحضر عبد الملك بن مروان حلحلة الفزاريّ وسعيد بن أبان ابن عيينة بن حصن الفزاري ليقيد منهما، قال لحلحلة: صبرا حلحل، فقال: أي والله:

أصبر من ذي ضاغط عركركألقى بواني زوره للمبرك
للشاعر حلحلة بن أشيم الفزاري، اقرأ القصيدة

ثم قال لابن الأسود الكلبيّ أجد الضربة، فإني ضربت أباك ضربة أسلحته فعددت النجوم في سلحته، ثم قال عبد الملك لسعيد صبرا سعيد، فقال:

أصبر من عود بجنبيه جلبقد أثّر البطان فيه والحقب

- لما يئس من وكيع بن أبي سود أحد بني غدانة بن يربوع،

وهو قاتل عبد الله بن خازم، خرج الطبيب من عنده فقال له محمد ابنه: ما تقول؟ قال: لا يصلّي الظهر، وكان محمد ناسكا، فدخل إلى أبيه وكيع فقال له: ما قال لك المعلوج؟ قال وعد أنك تبرأ، قال: أسألك بحقي عليك، قال: ذكر أنك لا تصلّي الظهر، فقال: ويلي على ابن الخبيثة، والله لو كانت في شدقي للكتها إلى العصر.

- كان بهلول يوما جالسا والصبيان يؤذونه، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلّا بالله، يعيدها مرارا، فلما طال أذاهم له أخذ عصاه وقال:

حمي الوطيس وطابت الحرب، وأنا على بيّنة من ربي تعالى، ثم حمل عليهم وهو يقول:

أشدّ على الكتيبة لا أباليأفيها كان حتفي أم سواها

فتساقط الصبيان بعضهم على بعض وتهاربوا، فقال: هزم القوم وولّوا الدبر، أمرنا أمير المؤمنين ألّا نتبع موليّا ولا نذفّف على جريح، ثم رجع وجلس وطرح عصاه وقال:

فألقت عصاها واستقّرت بها النوىكما قرّ عينا بالإياب المسافر

لبس إبراهيم بن العبّاس سواده ثم قال: يا غلام، هات ذلك السيف الذي ما ضرّ الله به أحدا غيري.

- قال عمرو بن معدي كرب:

اذا قتلنا ولم يحزن لنا أحدقالت قريش ألا تلك المقادير
نعطى السويّة من طعن له نفذولا سويّة إذ تعطى الدنانير
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد»

قال فيلسوف لأهل مدينته: ليت طبيبكم كان صاحب جيشكم، فإنه قد قتل الخلق وليت صاحب جيشكم كان طبيبكم فإنه لا يقتل أحدا قط.

- خرج المعتصم إلى بعض متصيداته فظهر له أسد، فقال لرجل من أصحابه أعجبه قوامه وسلاحه وتمام خلقه: يا رجل فيك خير؟ قال بالعجلة: لا يا أمير المؤمنين، فضحك المعتصم وقال: قبحك الله وقبح طللك.

حدث بعض مشايخ الكتاب بالريّ قال: لما مات ابن قراتكين صاحب جيش خراسان، قام بالأمر بعده واحد يقال له ينال عز، قال فكنا بين يديه يوما إذ تقدم صاحب البريد وقال: أيها الأمير قد نزل ركن الدولة بالسين خارجا من أصفهان طامعا في الري، قال: فتغير لونه وتحرك فضرط، وأراد أن يستوي قاعدا فضرط أخرى وثلث وربّع، فقال له صاحب البريد: الرجل منا بعد على ثمانين فرسخا، قال: فغضب وقال له: يا فاعل تقدّر أنني هو ذا أضرط من الفزع؟ إنما أضرط من الغضب.

- تزوج عمر بن عبيد الله بن معمر التيميّ رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية، وكانت جهمة الوجه عظيمة الأنف حسنة الجسم، وتزوج عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وجمع بينهما، فقال يوما لعائشة: فعلت في محاربتي الخوارج مع أبي فديك كذا وصنعت كذا، فذكر لها شجاعته وإقدامه، فقالت له عائشة: أنا أعلم أنك أشجع الناس، وأعلم لك يوما

أعظم من هذا اليوم الذي ذكرته، قال: وما هو؟ قالت: يوم اجتليت رملة وأقدمت على وجهها وأنفها.

- كان أبو جلدة اليشكريّ من الفرسان، وكان مع عمرو بن صوحان أخي صعصعة بن صوحان العبدي في بعض قرى بست، ومعهما جماعة يشربون، فقام أبو جلدة ليبول، وكان عظيم البطن فضرط، فتضاحك القوم به، فسلّ سيفه وقال: لأضربنّ كلّ من لا يضرط في مجلسه هذا بسيفي، أمنّي تضحكون لا أم لكم؟ فما زال حتى ضرطوا جميعا غير عمرو بن صوحان، فقال له: قد علمت أنّ عبد القيس لا تضرط، ولك بدلها عشر فسوات، قال: لا والله أو تفصح بها، فجعل ينحني ولا يقدر عليها فتركه، وقال أبو جلدة في ذلك:

أمن ضرطة بالجيروان ضرطتهاتشدّد مني تارة وتلين
فما هو إلا السيف أو ضرطة لهايثور دخان ساطع وطنين
للشاعر أبو جلدة اليشكري، اقرأ القصيدة

ب- أنشد ابن الأعرابيّ لشفاء بن نصر الخزاعي:

ليت الرجال قد تلاقوا بالعطنبأرزنات ليس فيهنّ أبن
يمتن إذ يحيين أضغان الدّمنطار فؤادي طيرة ثم سكن
إنّ لهم بعد الجزاء واللّعنسبّا إذا ما ظهر السبّ بطن

- محمد بن أبي حمزة الكوفي مولى الأنصار:

باتت تشجّعني عرسي وقد علمتأنّ الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي حجّت الأنصار كعبتهما يشتهي الموت عندي من له أدب
للشاعر أبو الغَمْر الطبري، اقرأ القصيدة
للحرب قوم أضلّ الله سعيهمإذا دعتهم إلى آفاتها وثبوا
للشاعر أبو الغَمْر الطبري، اقرأ القصيدة
ولست منهم ولا أهوى فعالهملا الجدّ يعجبني منهم ولا اللعب

- فر أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد من أبي فديك الخارجي، فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فجلس يوما بالبصرة فقال: سرت على فرسي المهرجان من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فقال له بعض جلسائه: أصلح الله الأمير فلو ركبت النيروز لسرت إليهم في يوم واحد.

أغار أنس بن مدركة الخثعميّ على سرح قريش في الجاهلية فذهب به، فقال له عمر ﵁ في خلافته: لقد تبعناك تلك الليلة فلو أدركناك، فقال: لو أدركتني لم تكن للناس خليفة.

- رأى الاسكندر سميا له لا يزال ينهزم، فقال له: يا رجل، إما أن تغيّر فعلك وإما أن تغير اسمك - وقع في بعض العساكر هيج، فوثب خراسانيّ إلى دابته

ليلجمها فصيّر اللجام في الذنب من الدهش، فقال يخاطب الفرس: هب جبهتك عرضت، ناصيتك كيف طالت؟!.

- قال الجاحظ: وصف خياط حربا فقال: لقيناهم في مقدار سوق الخلقانيّين، فما كان بمقدار ما يخيط الرجل درزين حتى تركناهم في أضيق من الجربّان، وخرجنا عليهم من وجهين كأنهما مقراضان، وتشبكت الرماح كأنها خيوط، فلو طرحت إبرة ما سقطت إلّا على درز رجل.

- لما حاصر المنصور ابن هبيرة بعث إليه ابن هبيرة: لأشهرنّ امتناعك ولأعيّرنّك به، فقال المنصور: مثلنا ما قيل إن خنزيرا بعث إلى الأسد وقال: قاتلني. فقال الأسد لست بكفؤي، ومتى قتلتك لم يكن لي فخر، وان قتلتني لحقني وصم عظيم. فقال الخنزير: لأخبرنّ السباع بنكولك، فقال الأسد: احتمال العار في ذلك أيسر من التلطخ بدمك.

- قيل لعقيبة المديني: ألا تغزو؟ فقال: والله إني لأكره الموت على فراشي فكيف أنتجعه؟!.

- اجتاز كسرى في بعض حروبه بشيخ وقد تمدد في ظل شجرة ونزع سلاحه وشدّ دابته، فقال له: أنا في الحرب وانت على مثل هذه الحال؟ فقال الشيخ: إنما بلغت هذه السن باشتمال هذا التوقي.

- قال بعض الشجعان لرفيق له وقد أقبل العدوّ: اشدد قلبك، قال: أنا أشدّه ولكنه يسترخي.

نجز الباب السادس بحسن رعاية الله ﷾، يتلوه ان شاء الله الباب السابع في الوفاء والمحافظة والأمانة والغدر والملل والخيانة

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.