من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
مقدمة الباب (٤)
(الباب السادس في البأس والشجاعة والجبن والضّراعة) نذكر في هذا الباب ما جاء في البأس والشجاعة، والجبن والضراعة، والحرب والمقارعة، وما استعمل فيها من الآراء والمكايد، ونصب للأعداء فيها من الأشراك والمصايد، وتسمية أبطال الإسلام وقاتليهم، ومن مات منهم حتف أنفه فلم يضرّه إقدامه، ولا دنا بخوضه الغمرات حمامه، وأتبع ذلك بنوادر من هذين النوعين، يرتاح لها المتأمل من كلال الجدّ والأين.
الشجاعة عزّ والجبن ذل، وكفى بالعزّ مطلوبا، وبالذل مصروفا عنه ومرغوبا، وقد أثنى الله ﷿ على الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وعلى الذين هم أذلّة على المؤمنين أعزة على الكافرين فقال سبحانه: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
(الفتح:) ووصف المجاهدين فقال إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
(الصف:) وندب إلى جهاد الأعداء، ووعد عليه أفضل الجزاء، وجعل قتالهم أجلّ الأعمال ثوابا، والفرار أكبر وزرا وآلم عقابا. والرأي في الحرب أمام الشجاعة، قال رسول الله ﷺ: الحرب خدعة، وقال حكيم لابنه: كن بحيلتك أوثق منك بشدتك فالحرب حرب للمتهور، وغنيمة للمتحذر.
- قال رسول الله ﷺ: ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيله أو قطرة دمع في جوف الليل من خشيته.
- وسمع رجل عبد الله بن قيس يقول: قال رسول الله ﷺ:
إنّ أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله ﷺ يقوله؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدوّ فضرب به حتى قتل.
- ولحق أبو الطيب المتنبي الأوائل بقوله:
الرأي قبل شجاعة الشجعانهو أوّل وهي المحلّ الثاني
لكنه لا يستغني عنها ولا يتم إلّا بها، لأن صاحب الرأي إذا عدمها ضلّ لبّه، وانخلع قلبه، فلم يتمّ له كيده، وخانه دونه بطشه وأيده. والعرب تقول: الشجاعة وقاية والجبن مقتلة، فانظر في من رأيت أو سمعت من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا.
- قال قبيصة بن مسعود الشيباني يوم ذي قار يحرض بني وائل:
الجزع لا يغني من القدر، والدنيّة أغلظ من المنية، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثغر خير وأكرم منه في الدبر، يا بني بكر حاموا فما من
المنايا بدّ، هالك معذور، خير من ناج فرور.
- وضدّ ذلك ما روي عن أسلم بن زرعة الكلابي، وقد خرج لمحاربة أبي بلال مرداس بن أديّة الخارجي أحد بني ربيعة بن حنظلة في الفين، ومرداس في أربعين، فانهزم منه، فقال له ابن زياد: ويلك أتمضي في ألفين وتنهزم من أربعين؟ فكان أسلم يقول: لأن يذمّني ابن زياد حيّا أحبّ إليّ من أن يمدحني ميتا. وكان أسلم بعد ذلك إذا خرج إلى السوق أو مرّ بصبيان صاحوا به: أبو بلال وراءك، حتى شكا ذلك إلى ابن زياد فأمر الشرط بكفّ الناس عنه.
- قال علي بن أبي طالب ﵇: من أكثر النظر في العواقب لم يشجع.
»
- وقال ﵇: الجبن منقصة.
- قيل لأكثم بن صيفيّ: صف لنا الحرب، فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه، واعلموا أنّ كثرة الصياح من الفشل، فتثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين، وربّ عجلة تعقب ريثا، وادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل، وتحفّظوا من البيات.
- ومن كلام عليّ ﵇ لأصحابه في الحرب: قدّموا
الدارع وأخرّوا الحاسر، وعضّوا على الأضراس فإنه أنبا للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح فإنه أنور للأسنّة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل، ورايتكم فلا تميلوها ولا تحلّوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم، فإن الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفّون براياتهم ويكتنفونها، حفافها وأمامها ووراءها، لا يتأخرون عنها فيسلمونها، ولا يتقدمون عليها فيفردونها، اجزأ امرؤ قرنه، وواسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه، وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة، أنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم، إنّ في الفرار موجدة الله والذلّ اللازم والعار الباقي، وإنّ الفارّ غير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه.
- كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح: بلغني أنّ رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشا أو سرية قال: اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله، لا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا، فإذا بعثت جيشا أو سرية فمرهم بذلك.
- وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول عند عقد الألوية:
بسم الله، وبالله، وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله والنصر، ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تغفلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، توقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شنّ الغارات.
- كتب أنوشروان إلى مرازبة خراسان: عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن ظنّ بالله ﷿.
قيل لأبي مسلم من أشجع الناس؟ قال: كلّ قوم في إقبال دولتهم شجعان.
- قال عمر بن الخطاب: لا تخون قوى ما كان صاحبها ينزع وينزو (يقول: لا تنتكث قوته ما دام ينزع في القوس وينزو في السرج من غير أن يستعين بركاب).
- ومن كلام لعلي بن أبي طالب ﵇: ربّ حياة سببها التعرض للموت، وربّ منية سببها طلب الحياة.
- ومثله قول الحصين بن الحمام المري:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجدلنفسي حياة مثل أن أتقدما
وهي قصيدة طويلة مشهورة من جيد أشعار العرب في هذا الفن، فمن مختارها:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا تقطر الدما
نفلّق هاما من رجال أعزّةعلينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
ولما رأينا الصبر قد حيل دونهوان كان يوما ذا كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر منا سجيّةبأسيافنا يقطعن كفّا ومعصما
ولما رأيت الودّ ليس بنافعيعمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
فلست بمبتاع الحياة بسبّةولا مرتق من خشية الموت سلما
- قيل لعلي بن أبي طالب ﵇: إن جالت الخيل فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني.
- وقيل له: كيف صرت تقتل الأبطال؟ قال: لأني كنت ألقى الرجل فأقدّر أني أقتله، ويقدّر أني أقتله فأكون أنا ونفسه عونين عليه.
- وقال مصعب الزبيري: كان عليّ ﵇ حذرا في
الحروب، شديد الروغان من قرنه، لا يكاد أحد يتمكّن منه، وكانت درعه صدرا لا ظهر لها، فقيل له: ألا تخاف أن تؤتى من قبل ظهرك؟
فقال: إذا أمكنت عدوي من ظهري فلا أبقى الله عليه إن أبقى عليّ.
- قال ابن عبّاس: عقمت النساء أن يأتين بمثل علي بن أبي طالب ﵇، لعهدي به يوم صفين، وعلى رأسه عمامة بيضاء، وهو يقف على شرذمة من الناس يحضّهم على القتال، حتى انتهى إليّ وأنا في كنف من الناس، وفي أغيلمة من بني عبد المطلب فقال: يا معشر المسلمين تجلببوا السكينة، وأكملوا اللأمة، وأقلقوا السيوف في الأغماد، وكافحوا بالظّبا، وصلوا السيوف بالخطا، فإنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله ﷺ. عاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، فإنه عار في الاعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن الحياة أنفسا، وسيروا إلى الموت سيرا سجحا، ودونكم هذا الرواق الأعظم فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكب صعيديه. قدّموا للوثبة رجلا وأخّروا للنكوص أخرى، فصمدا صمدا حتى يبلغ الحقّ أجله، وَاللَّهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ
(محمد:). ثم صدر عني وهو يقرأ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
(التوبة:).
- وقد أكثر الشعراء في مثل معنى قوله ﵇: صلوا السيوف بالخطا.
قال كعب بن مالك:
نصل السيوف إذا قصرن بخطوناقدما ونلحقها إذا لم تلحق
ومثله لبعض بني قيس بن ثعلبة:
لو كان في الألف منّا واحد فدعوامن فارس خالهم إياه يعنونا
إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهمحدّ الظباة وصلناها بأيدينا
ومثله:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى أعدائنا فنضارب
ومثله:
إذا قصرت أسيافنا عن عداتناجعلنا خطانا وصلها فتطول
. ومثله لوداك بن ثميل المازني:
مقاديم وصّالون في الروع خطوهمبكلّ رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهملأيّة حرب أم بأيّ مكان
- تمثّل معاوية في عبد الله بن بديل:
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّهاوإن شمّرت يوما به الحرب شمّرا
ويدنو إذا ما الموت لم يك دونهقدى الشبر يحمي الأنف أن يتأخرا
- وقال نضلة السّلمي:
ألم تسأل فوارس من سليمبنضلة وهو موتور مشيح
رأوه فازدروه وهو خرقوينفع أهله الرجل القبيح
فلم يخشوا مصالته عليهموتحت الرغوة اللبن الصريح
فأطلق غلّ صاحبه وأردىجريحا منهم ونجا جريح
- وقال حاتم:
لحا الله صعلوكا مناه وهمّهإذا بات أن يلقى لبوسا ومطعما
ولكنّ صعلوكا خميصا فؤادهويمضي على الهيجاء ليثا مصمّما
فذلك إن يلق المنية يلقهاكريما وإن يستغن يوما فربما
- وقال الأعرج المعنيّ:
أنا أبو برزة إذ جدّ الوهلخلقت غير زمّل ولا وكل
ذا قوّة وذا شباب مقتبللا جزع اليوم على قرب الأجل
نحن بنو ضبّة أصحاب الجملنحن بنو الموت إذا الموت نزل
لا عار بالموت إذا حمّ الأجلالموت أحلى عندنا من العسل
وقال الأقرع بن معاذ القشيري:
وفيّ على ما كان من شيب لمتيخلائق مما يستحبّ وينفع
جوامع من قول ونفس سخيةوقلب إذا ما غشّي الهول أشجع
وغلظة إضباري إذا رامني العداوليني إذا حاد الضعيف المدفّع
- وقال قطريّ بن الفجاءة المازني:
أقول لها وقد طارت شعاعامن الأبطال ويحك لن تراعي
فانك لو سألت بقاء يومعلى الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرافما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عزفيطوى عن أخي الخنع اليراع
ويروى أخي الجزع، واليراع: القصب، واحدته يراعة وإنما يريد خوره، والخنع: الخضوع
سبيل الموت غاية كلّ حيّوداعيه لأهل الأرض داع
ومن لا يعتبط يسأم ويهرموتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياةإذا ما عدّ من سقط المتاع
- وقال قيس بن الخطيم الأوسي:
وكنت امرءا لا أسمع الدهر سبّةأسبّ بها إلا كشفت غطاءها
وإنّي في الحرب العوان موكّلباقدام نفس ما أريد بقاءها
- وقال بعض بني قيس بن ثعلبة:
دعوت بني قيس إليّ فشمّرتخناذيذ من سعد طوال السواعد
إذا ما قلوب الناس طارت مخافةمن الموت أرسوا بالنفوس المواجد
- وقال القتّال الكلابي:
إذا همّ همّا لم ير الليل عمّةعليه ولم تصعب عليه المراكب
إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعةولم يبتئس من فقدها وهو ساغب
يرى أن بعد العسر يسرا ولا يرىإذا كان عسر أنه الدهر لازب
- وقال آخر:
إني إذا ما القوم كانوا أنجيهواضطرب القوم اضطراب الأرشيه
وشدّ فوق بعضهم بالأرويههناك أوصيني ولا توصي بيه
- وقال بعضهم:
قد علم المستأخرون في الوهلإذا السيوف عريت من الخلل
أنّ الفرار لا يزيد في الأجل
- وقال سالم بن وابصة:
عليك بالقصد فيما أنت فاعلهإنّ التخلق يأتي دونه الخلق
وموقف مثل حدّ السيف قمت بهأحمي الذمار وترميني به الحدق
فما زلقت ولا أبديت فاحشةإذا الرجال على أمثالها زلقوا
قيل: أراد تبع أن يجهّز جيشا وأن يؤمّر عليه رجلا، فأتي برجل فقال: انعت لي نفسك، فقال: أنا جريء عضب لساني، أعرض عن الأمر وإن ساءني، لا أنتقص في قومي، ولا يظفر بي خصمي، قال:
انصرف ليس لهذا دعوتك؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: إذا تطاولت علوت، وإذا ساورت استويت، وإذا قدرت عفوت، وإذا غمزت قسوت، قال: ليس لهذا دعوتك انصرف؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: أعطي المائة، وأحمل الدية، وأسير بالسوية، وأسبق إلى الغاية، قال: انصرف ليس لهذا دعوتك؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: أصطنع الجميل، وأنهض بالثقيل، وأعود وأجود، وأكرم القعيد، وأنضي الشديد، وأشبع ضيفي وإن جاع عيالي قال: كدت ولم تفعل انصرف؛ ثم دعا بآخر فقال: انعت لي نفسك قال: أضرب عند النزال، وأغشى الأبطال، وألقح الحرب بعد الحيال، إذا أدبروا طعنت، وإذا أقبلوا ضربت، أترك قرني سطيحا، وكبش القوم نطيحا، فقال الملك: سئلت فبيّنت، ونطقت فأحسنت، اذهب فأنت أنت، وولّاه.
- قال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه، وكان يجتنب غير الأدباء: أيّ المناديل أفضل؟ فقال قائل: مناديل مصر كأنها غرقىء البيض، وقال آخر: مناديل اليمن كأنها أنوار الربيع، فقال عبد الملك: ما صنعتم شيئا، أفضل المناديل ما قال أخو تميم، يعني عبدة بن الطبيب:
لما نزلنا أصبنا ظلّ أخبيةوفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر ما ينهيه طابخهما غيّر الغلي منه فهو مأكول
ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمةأعرافهنّ لأيدينا مناديل
وقد جمع ذلك امرؤ القيس في بيت واحد فقال:
نمشّ بأعراف الجياد أكفّناإذا نحن قمنا عن شواء مضهّب
المضهب: الذي لم يدرك، ونمش: نمسح، ويقال للمنديل المشوش، وغرقىء البيض: قشره الباطن، وقشره الظاهر القيض، وينهيه:
ينضجه.
- كان إبراهيم بن الأشتر من الشجعان المعدودين، حارب عبيد الله بن زياد وهو في أربعة آلاف وعبيد الله في سبعين ألفا فظفر به وقتله بيده وهزم جيشه. قال عمير بن الحباب السّلمي، وكان يقال له فارس الاسلام: كان إبراهيم لي صديقا، فلما كان الليلة التي يريد أن يواقع في صبيحتها ابن زياد خرجت إليه ومعي رجل من قومي، فصرت في عسكره، فرأيته وعليه قميص هرويّ وملاءة، وهو متوشح بالسيف، يجوس عسكره فيأمر فيه وينهى، فالتزمته من ورائه فو الله ما التفت إليّ ولكن قال: من هذا؟
فقلت: عمير بن الحباب، فقال: مرحبا بأبي المغلّس، كن بهذا الموضع حتى أعود إليك. (أرأيت أشجع من هذا قط؟ يختضنه رجل من عسكر عدوه لا يدري من هو فلا يلتفت إليه؟) ثم عاد إليّ فقال: ما الخبر؟
فقلت: القوم كثير، والرأي أن تناجزهم فإنه لا صبر بهذه العصابة القليلة على مطاولة هذا الجمع الكثير، فقال: نصبح إن شاء الله، ثم نحاكمهم إلى ظباة السيوف وأطراف القنا؛ والقصة طويلة لا يتعلق تمامها بهذا الباب.
قال ابن أبي عتيق: نظرت إلى عبد الله بن الزبير وعبد الله ابن صفوان وقد ذهب الناس عنهما ولم يبق معهما أحد، وهما نائمان يغطّان في الليلة التي قتلا في صبيحتها.
- ولما ذهب بهدبة بن الخشرم ليقتل انقطع قبال نعله، فجلس يصلحه، فقيل له: أتصلحه وأنت على مثل هذه الحال؟ فقال:
أشدّ قبال نعلي أن يرانيعدوّي للحوادث مستكينا
- وكان الناس يختبرون جلد هدبة حين أخرج ليقتل، لقيه عبد الرحمن بن حسان فقال له: يا هدبة أتأمرني أن أتزوج هذه بعدك؟ يعني زوجته، فقال له: إن كنت من شرطها قال: وما شرطها؟ قال: قد قلت ذلك وهو:
فلا تنكحي إن فرّق الدهر بينناأغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
كليلا سوى ما كان من حدّ ضرسهأكيبد مبطان العشيّات أروعا
ضروبا بلحييه على عظم زورهإذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا
وحلّي بذي أكرومة وحميةوصبر إذا ما الدهر عضّ فأسرعا
- وقالت له حبى في تلك الحال: لقد كنت أعدّك من الفتيان وقد زهدت فيك اليوم لأني لا أنكر صبر الرجال على الموت، ولكن كيف تصبر عن هذه؟ فقال: والله إنّ حبي لها لشديد، وإن شئت لأصفنّ ذلك، ووقف ووقف الناس معه فقال:
وجدت بها ما لم تجد أمّ واحدولا وجد حبّى بابن أمّ كلاب
رأته طويل الساعدين شمردلاكما اشترطت من قوة وشباب
فانقمعت داخلة في بيتها وأغلقت الباب دونه.
- سأل ابن هبيرة عن مقتل عبد الله بن خازم، فقال رجل ممن حضر مجلسه: سألت وكيع بن الدورقية: كيف قتلته ؟ قال: غلبته بفضل قنا كان لي عليه، فصرعته وجلست على صدره وقلت: يا لثارات دوبلة، يعني أخاه من أمه، فقال: ويلك تقتل كبش مضر بأخيك وكان لا يساوي كفّ نوى؟ ثم تنخم فملأ وجهي، فقال ابن هبيرة: هذه البسالة والله،
استدلّ عليها بكثرة ريقه في ذلك الوقت.
- لما أخذ بيهس الخارجيّ قطعت يداه ورجلاه وترك يتمرغ في التراب، فلما أصبح قال: هل أحد يفرغ عليّ دلوين فاني احتلمت في هذه الليلة، وهو عجب إن كان صادقا، وإن كان كاذبا فيدلّ أيضا على قلة مبالاته وفراغه للمجون.
ووقف عليه رجل وهو مقطوع فقال: ألا أعطيك خاتما تتختم به؟ فقال له بيهس: أشهد أنك إن كنت من العرب فأنت من هذيل، وإن كنت من العجم فأنت بربري، فسئل عنه فإذا هو من هذيل وأمّه بربرية.
- ذكر أعرابي قوما فقال: يقتحمون الحرب كأنهم يلقونها بنفوس أعدائهم.
- كان عبّاد بن الحصين الحبطيّ من فرسان الإسلام، فقيل له: في أيّ جنّة تحبّ أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل مستأخر.
- قال المهلب: أشجع الناس ثلاثة: ابن الكلبية وأحمر قريش وراكب البغلة، فابن الكلبية مصعب بن الزبير أفرد في سبعة نفر وأعطي الأمان
وولاية العراقين فأبى ومات كريما، وأحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر ما لقي خيلا قطّ إلا كان في سرعانها، وراكب البغلة عبّاد بن الحصين الحبطي ما كنّا قط في كربة إلا فرّجها؛ فقال الفرزدق وكان حاضرا: فأين أنت عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن خازم؟ فقال: ويحك إنما ذكرنا الإنس، فأما الجن فلم نذكرهم بعد.
- كان المهلب بن أبي صفرة وأولاده من الشجاعة والنجدة بالموضع المعروف، إلا أنّ المغيرة بن المهلب من بينهم كان أشدّ تمكنا، وكان المهلب يقول: ما شهد معي حربا إلا رأيت البشرى في وجهه، وكان أشدّ ما تكون الحرب أشدّ ما يكون تبسما، وكان إذا نظر إلى الرماح قد تشاجرت في وجهه نكس على قربوس السرج وحمل من تحتها فبراها بسيفه وأثر في أصحابها.
- قيل للمهلب: إنك لتلقي نفسك في المهالك، قال: إن لم آت الموت مسترسلا أتاني مستعجلا، إني لست آتي الموت من حبه وإنما آتيه من بغضه، ثم تمثل بقوله:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجدلنفسي حياة مثل أن أتقدّما
- وقيل له في بعض حروبه: لو نمت، فقال: إن صاحب
الحرب إذا نام نام قلبه.
- وقال المهلب: يا بني تباذلوا تحابوا، فإن بني الأمّ يختلفون فكيف بنو العلّات؟ البرّ ينسأ في الأجل، ويزيد في العدد، وإن القطيعة تورث القلّة وتعقب النار بعد الذلة، واتقوا زلّة اللسان فإن الرجل نزلّ رجله فينتعش ويزلّ لسانه فيهلك، وعليكم في الحرب بالمكيدة فإنها أبلغ من النجدة، فإن القتال إذا وقع وقع القضاء وبطل الخيار، فان ظفر فقد سعد، وإن ظفر به لم يقولوا فرّط؛ واقتدوا بقول نبيكم ﷺ: الحرب خدعة، فليكن أول أمركم منها وآخره المكيدة، فإذا اضطررتم إلى المجالدة فعليكم بالمطاولة فإنها نتيجة الظفر وذريعة المكايد، وهي بعد دربة الفارس وتخريج الناشىء.
- قال الجاحظ، قال المهلب: ليس أنمى من سيف، فوجد الناس تصديق قوله فيما نال ولده من السيف، فصار فيهم النماء؛ وقال علي بن أبي طالب ﵇: السيف أنمى عددا، وأكرم ولدا، ووجد الناس ذلك بالعيان الذي صار إليه ولده من نهك السيف وكثرة الذروء وكرم النجل.
- قال حبيب بن المهلب: ما رأيت رجلا مستلئما في الحرب إلا كان عندي رجلين، ولا رأيت حاسرين إلا كانا عندي واحدا، فسمع بعض أهل المعرفة هذا الكلام فقال: صدق، إن للسلاح فضيلة، ألا تراهم ينادون السلاح السلاح ولا ينادون الرجال الرجال.
- قال رجل: كنت عند يزيد بن حاتم بافريقية، وكنت به خاصّا، فعرض عليه تاجر أدراعا فأكثر تقلبيها ومزاولة صاحبها، فقلت له:
أصلح الله الأمير فعلام نلوم السوق؟ فقال: ويحك إنّي لست أشتري أدراعا إنما أشتري أعمارا.
- قال بعض لصوص بني سعد:
ألم ترني صاحبت صفراء نبعةوأسمر إلا ما تحلّل عامله
وطال احتضاني السيف حتى كأنمايلاط بكشحي جفنه وحمائله
أخو فلوات صاحب الجنّ وانتحىعن الإنس حتى قد تقضّت وسائله
له نسب في الإنس يعرف نجرهوللجنّ منه شكله وشمائله
- وقال العبّاس بن عبد المطلب:
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفتقواطع في أيماننا تقطر الدما
تركناهم لا يستحلّون بعدهالذي رحم من سائر الناس محرما
وزعناهم وزع الخوامس غدوةبكلّ سريجيّ إذا هزّ صمما
أبا طالب لا تقبل النّصف منهموإن أنصفوا حتى تعفّ وتظلما
- قال أبو طالب بن عبد المطلب:
وإنا لعمر الله إن جدّ قومنالتلتبسن أسيافنا بالأماثل
بكفّ فتى مثل الشهاب سميدعأخي ثقة حامي الحقيقة باسل
وحتى ترى ذا الرّدع يركب ردعهمن الطّعن فعل الأنكب المتحامل
- قطري بن الفجاءة:
إلى كم تعاديني السيوف ولا أرىمعاداتها تدعو إليّ حماميا
أقارع عن دار الخلود ولا أرىبقاء على حال لمن ليس باقيا
ولو قرّب الموت القراع لقد أنىلموتي أن يدني إليّ قراعيا
أغادي جلاد المعلمين كأننيعلى العسل الماذيّ أصبح غاديا
وأدعو الكماة للنزال إذا القناتحطّم فيما بيننا من طعانيا
ولست أرى نفسا تموت وإن دنتمن الموت حتى يبعث الله داعيا
- سأل عبد الملك بن مروان عن أشجع الناس في الشعر فقالوا: عمرو بن معدي كرب فقال عبد الملك: كيف وهو الذي يقول:
وجاشت إليّ النفس أوّل مرةوردّت على مكروهها فاستقرّت
قالوا: فعامر بن الطفيل، قال: وكيف وهو الذي يقول:
أقول لنفس لا يجاد بمثلهاأقلّي مراحا إنني غير مدبر
قالوا فعنترة، قال: كيف وهو الذي يقول:
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخمعنها ولكنّي تضايق مقدمي
قالوا: فمن أشجعهم؟ قال: ثلاثة نفر: قيس بن الخطيم الأوسي والعبّاس بن مرداس السلمي ورجل من مزينة، أما قيس بن الخطيم فقال:
وإني لدى الحرب العوان موكّلبإقدام نفس ما أريد بقاءها
وأما العبّاس بن مرداس فقال:
أشدّ على الكتيبة لا أباليأحتفي كان فيها أم سواها
وأما المزني فقال:
دعوت بني قحافة فاستجابوافقلت ردوا ألا طاب النزول
- قيل للمهلب بن أبي صفرة: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟ فقال: فتى كان يخرج إلينا منهم في كل غداة فيقف ويقول:
وسائلة بالغيب عني ولو درتمقارعتي الأبطال طال نحيبها
إذا ما التقينا كنت أوّل فارسيجود بنفس أثقلتها ذنوبها
ثم يحمل فلا يقوم له شيء إلا أقعده فإذا كان من الغد عاد لمثل ذلك.
- وقال زيد الخيل:
هلا سألت بني نبهان ما حسبيعند الطعان إذا ما احمرّت الحدق
وجالت الخيل مبتلّا جحافلهازورا يسفح من لبّاتها العرق
هل أطعن الفارس الحامي حقيقتهنجلاء يهلك فيها الزيت والخرق
وأضرب الكبش والخيلان جانحةوالهام منا ومن أعدائنا فلق
- وقال آخر:
وقد طال حملي الرمح حتى كأنهعلى فرسي غصن من البان نابت
يطول لساني في العشيرة مصلحاعلى أنّني يوم الكريهة ساكت
- وقال آخر:
حرام على أرماحنا طعن مدبروتندقّ قدما في الصدور صدورها
محرمة أعجاز خيلي على القنامحللّة لبّاتها ونحورها
- وقال جابر بن حنيّ:
نعاطي الملوك السّلم ما قصدوا لناوليس علينا قتلهم بمحرّم
يرى الناس منّا جلد أسود سالخوفروة ضرغام من الأسد ضيغم
وعمرو بن همّام صقعنا جبينهبشنعاء تشفي سورة المتظلم
- وقال القطامي:
بضرب يبصر العميان منهوتعشى دونه الحدق البصار
- وقال الأعشى:
وإذا تجيء كتيبة ملمومةيخشى الكماة الدارعون نزالها
كنت المقدم غير لابس جنّةبالسيف تضرب معلما أبطالها
وقال رجل من بني كاهل:
يزيد اتساعا في الكريهة صدرهتضايق أطراف الوشيج المقوّم
فما شارب بين الندامى معللبأطرب منه بين سيف ولهذم
كأنّ نفوس الناس في سطواتهفراش تهادى في حريق مضرّم
- وقال أبو ذؤيب:
حميت عليه الدرع حتى وجههمن حرّها يوم الكريهة أسفع
تعدو به خوصاء يفصم جريهاحلق الرحالة فهي رخو تمزع
بينا تعنّقه الكماة وروغهيوما أتيح له جريء سلفع
وكلاهما متوشّح ذا رونقعضبا إذا مسّ الكريهة يقطع
وعليهما مسرودتان قضاهماداود أو صنع السوابغ تبّع
وكلاهما في كفّه يزنيّةفيها سنان كالمنارة أصلع
يتناهبان المجد كلّ واثقببلائه واليوم يوم أشنع
فتنازلا وتواقفت خيلاهماوكلاهما بطل اللقاء مخدّع
فتخالسا نفسيهما بنوافذكنوافذ العبط التي لا ترقع
وكلاهما قد عاش عيشة ماجدوجنى العلاء لو أنّ شيئا ينفع
السلفع: الجريء، يقال: ناقة سلفع أي جريئة على السير، وقوله كالمنارة أراد المصباح نفسه فلما لم يستقم له أقام المنارة مقامه، وأصلع:
براق، والمخدّع ها هنا أي ذو خدعة في الحرب، وقال أبو عمرو: مجدّع مضروب بالسيف ومخدّع أيضا بالخاء وهو المقطع بالسيوف.
- أمّر عثمان بن عفان ﵁ عبد الله بن سعد بن أبي سرح على إفريقية فغزاها، وكان المسلمون عشرين ألفا، وفيهم عبد الله بن الزبير بن العوام، قال عبد الله بن الزبير: أحاط بنا جرجير صاحب إفريقية وهو ملك فرنجة في مائة وعشرين ألفا، فضاق بالمسلمين أمرهم واختلفوا في الرأي، فدخل عبد الله بن سعد فسطاطه يخلو ويفكر، قال عبد الله بن الزبير:
فرأيت عورة من جرجير، والناس على مصافّهم، رأيته على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا منهم، معه جاريتان تظلان عليه من الشمس بريش الطواويس،
فجئت فسطاط عبد الله بن سعد فطلبت الإذن عليه من حاجبه فقال:
إنه في شأنكم وقد أمرني أن أمسك الناس عنه، قال: فدرت فأتيت مؤخر الفسطاط فرفعته فإذا هو مستلق على فراشه، ففزع وقال: ما أدخلك عليّ يا ابن الزبير؟ فقلت: انه كلّ أزبّ نفور، إني رأيت عورة من عدونا فرجوت الفرصة منها وخشيت فوتها، فاندب الناس لي، قال: وما هي؟ فأخبرته فقال: فرصة وعورة لعمري، ثم خرج فقال: أيها الناس انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم. فاخترت ثلاثين فارسا وقلت: إني حامل فاضربوا عن ظهري فاني سأكفيكم من ألقى إن شاء الله تعالى، فحملت في الوجه الذي هو فيه وحملوا فذبّوا عني حتى حزتهم إلى أرض خالية وتبيّنني فصمدت صمده، فو الله ما حسب إلا أني رسول ولا ظنّ أكثر أصحابه إلا ذاك، حتى رأى ما بي من السلاح فثنى برذونه هاربا. فأدركته فطعنته فسقط، فرميت بنفسي عليه، واتقت جاريتاه عنه السيف فقطعت يدا إحداهما، وأجهزت عليه ثم رفعت رأسه في رمحي، وجال أصحابه، وحمل المسلمون في ناحيتي وكثروا، فقتلوهم كيف شاءوا وكانت الهزيمة.
- لما كان يوم مسكن وهرب الناس عن مصعب بن الزبير، دخل على سكينة بنت الحسين، وكانت شديدة المحبة له، وكانت تخفي ذلك عنه، فلبس غلالة وتوشح عليها وانتضى السيف، فلما رأت ذلك علمت أنه عزم على أن لا يرجع، فصاحت من ورائه واحرباه، فالتفت إليها وقال: أو هذا لي في قلبك؟ فقالت: أي والله وأكثر من هذا، فقال: أما لو علمت
لكان لي ولك شأن، ثم خرج فقال لابنه عيسى: يا بنيّ انج إلى نجائك فإن القوم لا حاجة بهم إلى غيري، وستفلت بحيلة أو بقيا فقال: يا أبتاه لا أخّرت والله عنك أبدا فقال: أما والله لئن قلت ذلك لما زلت أتعرّف الكرم في أساريرك وأنت تقلّب في مهدك، فقتل بين يدي أبيه. ففي ذلك يقول الشاعر:
فلو كان شهم النفس أو ذا حفيظةرأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب
وأم عيسى هذا بنت فلان بن السائب من بني أسد بن عبد العزّى، وروي أن أباها زوجها عمرو بن عثمان بن عفان فلما نصت عليه طلّقها على المنصة، فجاء أبوها إلى عبد الله بن الزبير فقال له: إنّ عمرو بن عثمان طلّق ابنتي على المنصّة، وقد ظنّ الناس أنّ ذلك لعاهة، وأنت عمها فقم فادخل إليها، فقال عبد الله: أو خير من ذلك؟ جيئوني بالمصعب فخطب عبد الله فزوجها من المصعب وأقسم عليه ليدخلنّ بها في ليلته، فلا يعلم أنّ أمرأة نصت على رجلين في ليلة غيرها، فأولدها المصعب عيسى وعكاشة.
- كان محمد بن الحنفية شجاعا أيّدا وله في أيده أحاديث مشهورة، منها: أن أباه عليا ﵇ اشترى درعا فاستطالها، فقال:
لينقص منها كذا، وعلّم على موضع منها، فقبض محمد بيده اليمنى على ذيلها وبالأخرى على فضلها، ثم جذبه فقطعها من الموضع الذي حدّ أبوه، وكان عبد الله بن الزبير يحسده على قوته، فإذا حدّث بهذا الحديث غضب واعتراه أفكل.
- كان مسلمة بن عبد الملك فارس بني أمية وشجاعهم، قال له أخوه هشام: يا أبا سعيد هل دخلك ذعر قطّ بحرب شهدتها أو لعدو؟ قال:
ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة، ولم يفتني فيها ذعر سلبني رأيي، قال هشام: هذه البسالة.
- لم يكن في بني العبّاس أشجع من المعتصم، ولا أشدّ قلبا وأيدا، ولا أحسن تيقظا في الحرب، وكان من شدته يسمي ما بين إصبعيه السبابة والوسطى «المقطرة»، واعتمد بها مرة على ساعد إنسان فدقّه، وكتب إليه ملك الروم يتهدّده، فأمر بكتب جوابه فلما قرىء عليه لم يرضه وقال للكاتب: اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد قرأت كتابك والجواب ما ترى لا ما تسمع وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ
(الرعد:
).
- وقال ابن أبي دواد: كان المعتصم يقول لي: يا أبا عبد الله عضّ ساعدي بأكثر قوتك، فأقول: والله يا أمير المؤمنين ما تطيب نفسي بذلك، فيقول: إنه لا يضرّني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة فكيف الأسنان؟
- ويقال إنه طعنه بعض الخوارج وعليه جوشن، فأقام المعتصم ظهره فقصف الرمح بنصفين.
كان عبد الملك بن صالح واليا للرشيد على الشام، فكان إذا وجه سريّة إلى أرض الروم أمّر عليها أميرا شهما وقال له: اعلم أنك مضارب الله تعالى بخلقه، فكن بمنزلة التاجر الكيّس إن وجد ربحا وإلا احتفظ برأس المال، وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذرا من احتيال عدوك عليك.
- وولّى العبّاس بن زفر الثغر فودّعه وقال: يا عبّاس إنّ حصن المحارب من عدوه حسن تدبيره، والمقاتل عنه جليد رأيه وصدق بأسه.
- يقال: إنه لا يصدق ويصبر في اللقاء إلا ثلاثة: مستبصر في دين، أو غيران على حرمة، أو ممتعض من ذلّ.
- كان حبيب بن مسلمة الفهري يغزو الترك، فخرج ذات مرّة إلى بعض غزواته فقالت له امرأته: أين موعدك؟ قال: سرادق الطاغية أو الجنة، قالت: إني لأرجو أن أسبقك إلى أيّ الموضعين كنت فيه، فجاء فوجدها في سرادق الطاغية تقاتل الترك.
- قال جعفر بن علبة الحارثيّ:
لا يكشف الغماء إلّا ابن حرّةيرى غمرات الموت ثم يزورها
نقاسمهم أسيافنا شرّ قسمةففينا غواشيها وفيهم صدورها
- وقال ابن هرمة:
إذا شدّوا عمائمهم ثنوهاعلى كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهمولكن بالطعان هم تجار
قيل: دخل على معاوية بعض كنانة فقال له: هل شهدت بدرا؟ قال: نعم، قال: مثل من كنت يومئذ؟ قال: غلام ممدود مثل عصا الجلمود، قال: فحدثني ما رأيت وحضرت، قال: ما كنّا إلا شهودا كأغياب، وما رأيت ظفرا كان أوشك منه، قال: فصف لي من رأيت، قال: رأيت في سرعان الناس عليّ بن أبي طالب غلاما ليثا عبقريا يفري الفريّ، لا يلبث له أحد إلّا قتله، ولا يضرب شيئا إلا هتكه، لم أر من الناس أحدا قطّ أثقف منه، يحمل حملة ويلتفت التفاتة كأنه ثعلب روّاغ، وكأن له عينين في قفاه، وكأنّ وثوبه وثوب وحشيّ، يتبعه رجل معلم بريش نعامة، كأنه جمل يحطم يبيسا، لا يستقبل شيئا إلا هدّه، ولا يثبت له شيء إلا ثكلته أمّه، شجاع ابله يحمل بين يديه، قيل هذا حمزة بن عبد المطلب عم محمد ﷺ قال: فرأيت ماذا؟ قال: رأيت ما وصفت لك، ورأيت جدّك عتبة وخالك الوليد حيث قتلا، ورأيت من حضر من أهلك لم يغنوا عنه شيئا، قال: فكنت من المنهزمين؟ قال: نعم لما انهزمت عشيرتك، قال:
فأين كنت منهم؟ قال: لما انهزمنا كنت في سرعانهم، قال: فأين أرحت؟
قال: ما أرحت حتى نظرت إلى الهضبات، قال: لقد أحسنت الهرب،
قال: قبلي ما أحسنه أبوك وبعد ما اتعظت بمصرع كمصرع جدّك وخالك وأخيك، قال: إنك لغليظ الكلام، قال: إنني ممن تعرف، قال: إنكم لتبغضون قريشا، قال: أما من كان أهله منهم فنبغضه، قال: ومن الذين هم اهله ؟ قال: من قطع القرابة واستأثر بالفيء وطلب الحقّ فلما أعطيه منعه، قال: ما فيك خير من أن نسكت عنك، قال: ذاك إليك، قال:
قد فعلت، قال: فقد سكت.
- قال الحارث بن خالد المخزومي، وقد فرّ عبد العزيز بن عبد الله بن أسيد من الخوارج فرارا قبيحا، على كثرة عدده وقلتهم:
فرّ عبد العزيز حين رأى الأبطال بالسفح نازلوا قطريّا
عاهد الله إن نجا ملمناياليعودنّ بعدها حرميّا
حيث لا يشهد القتال ولا يسمع يوما لكرّ خيل دويا
- قيل لأعرابي: ألا تغزو فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي في عافية فكيف أمضي إليه ركضا، ومثله قول الشاعر:
تمشي المنايا إلى قوم فأبغضهافكيف أعدو إليها عاري الكتف
- أنفذ الحجاج رجلا من ثقيف يستحثّ المهلب على مناجزة الخوارج، فلما وقعت الحرب انهزم الثقفيّ، فقال رجل من بني عامر بن صعصعة:
ما زلت يا ثقفيّ تخطب بينناوتعمّنا بوصية الحجّاج
حتى إذا ما الموت أقبل زاخراوسما لنا صرفا بغير مزاج
ولّيت يا ثقفيّ غير مناظرتنساب بين أحزّة وفجاج
ليست مقارعة الكماة لدى الوغىشرب المدامة في إناء زجاج
- قال أعرابيّ لقومه، وقد صافّوا بعض أصحاب السلطان: يا قوم لا أعرّكم من نشّاب معهم في جعاب كأنها نيوب الفيلة، وقسيّ كأنها العتل، ينزع أحدهم حتى يتفرق شعر إبطه، ثم يرسل نشابة كأنها رشاء مقطع، فما بين أحدكم وبين أن ينصدع قلبه منزلة، قال: فطاروا رعبا قبل اللقاء.
- قيل: كانت لفتى من قريش وصيفة نظيفة جميلة الوجه حسنة الأدب وكان بها معجبا، فأضاق واحتاج إلى ثمنها، فحملها إلى العراق زمن الحجاج فباعها، فوقعت إلى الحجاج، فكانت تلي خدمته، فقدم عليه
فتى من ثقيف، أحد بني عقيل، فأنزله قريبا منه وألطفه، فدخل عليه يوما والوصيفة تغمز رجل الحجاج، وكان للفتى جمال وهيئة، فجعلت الوصيفة تسارق الثقفيّ النظر، وفطن الحجاج فقال للفتى: ألك أهل؟ قال: لا، قال: خذ بيد هذه الوصيفة فاسكن إليها واستأنس بها حتى أنظر لك بعض بنات عمك، فدعا له، وأخذها مسرورا وانصرف إلى رحله، فباتت معه ليلتها وهربت بغلس، فأصبح لا يدري أين هي، وبلغ الحجاج ذلك، فأمر مناديا فنادى: برئت الذمة ممن آوى وصيفة من صفتها كذا وكذا، فلم يلبث أن أتي بها، فقال لها: يا عدوة الله، كنت عندي من أحبّ الناس، واخترت لك ابن عمي شابا حسن الوجه، ورأيتك تسارقينه النظر، فدفعتك إليه وأوصيته بك، فما لبثت إلا سواد ليلتك حتى هربت، قالت: يا سيدي، اسمع قصتي ثم اصنع ما أحببت، قال: هات، قالت: كنت لفلان القرشي، وكان بي معجبا، فاحتاج إلى ثمني فحملني إلى الكوفة، فلما صرنا قريبا من البلد دنا مني فوقع عليّ فلم يلبث أن سمع بزئير الأسد، فوثب عني إليه واخترط سيفه ثم حمل عليه فضربه وقتله، ثم أقبل إليّ وما برد ما عنده، فقضى حاجته، وكان ابن عمك هذا الذي اخترته لي لما أظلم الليل قام إليّ، فإنه لعلى بطني إذ وقعت فأرة من السقف عليه، فضرط ثم وقع مغشيا عليه، فمكث زمانا طويلا أقلّبه وأرشّ على وجهه الماء وهو لا يفيق، فخفت أن تتهمني به فهربت فزعا من القتل، فما ملك الحجاج نفسه وقال: ويحك لا تعلمي بهذا أحدا، قالت: يا سيدي على أن لا تردني إليه، قال: لك ذلك.
- حدّث جار لأبي حية النميري قال: كان لأبي حيّة سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان يسميه لعاب المنية، فأشرفت عليه وقد انتضاه من غمده وقد استذمر، وهو واقف على باب بيت في داره، وقد سمع حسا، وهو يقول: أيّها المغترّ بنا والمجترىء علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنايا الذي سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، اخرج بالعفو عنك لا أدخل بالعقوبة عليك، إني والله إن أدع قيسا تملأ الفضاء خيلا ورجلا، فيا سبحان الله ما أكثرها وأطيبها، ثم فتح الباب على وجل فإذا كلب قد خرج فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني حربا.
- قال الأخطل يذكر شجاعا:
وكرّار خلف المرهقين جوادهحفاظا إذا لم يحم أنثى حليلها
ثنى مهره والخيل رهو كأنهاقداح على كفّي مفيض يجيلها
يهين وراء الخيل نفسا كريمةلكبّة موت ليس يودى قتيلها
ويعلم أنّ المرء ليس بخالدوأن منايا المرء يسعى دليلها
- وقال أبو كبير الهذلي:
صعب الكريهة لا يرام جنابهماضي العزيمة كالحسام المقصل
يحمي الصحاب إذا تكون كريهةوإذا هم نزلوا فمأوى العيّل
- وقال تأبّط شرا:
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزلله كالىء من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبهإلى سلّة من حد أخلق صائك
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتديبحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك
أراد المجرة وقيل الشمس.
- وقال موسى بن جابر الحنفي:
ألم تريا أني حميت حقيقتيوباشرت حدّ الموت والموت دونها
وجدت بنفس لايجاد بمثلهاوقلت اطمئنّي حين ساءت ظنونها
وما خير مال لا يقي الذمّ ربّهونفس امرىء في حقّها لا يهينها
- وقال عروة بن الورد:
ولكنّ صعلوكا صفيحة وجههكضوء شهاب القابس المتنوّر
مطلّا على أعدائه يزجرونهبساحتهم زجر المنيح المشهر
إذا بعدوا لا يأمنون اقترابهتشوّف أهل الغائب المتنظّر
فذلك إن يلق الكريهة يلقهاحميدا وإن يستغن يوما فأجدر
- وقال عمرو بن كلثوم:
معاذ الاله أن تنوح نساؤناعلى هالك أو أن نضجّ من القتل
قراع السيوف بالسيوف أحلّنابأرض براح ذي أراك وذي أثل
- وقال عبد الله بن سبرة:
وإني إذا ضنّ الأمير باذنهعلى الإذن من نفسي إذا شئت قادر
- وقال تأبط شرا:
قليل غرار النوم أكبر همّهدم الثأر أو يلقى كميّا مقنّعا
يماصعه كلّ يشجّع قومهوما ضربه هام العدى ليشجّعا
قليل ادّخار الزاد إلّا تعلّةفقد نشز الشّرسرف والتصق المعا
يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنهويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
وإني وإن عمّرت أعلم أننيسألقى سنان الموت يبرق أصلعا
ومن يغز بالأعداء لا بد أنهسيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا
- وقال معبد بن علقمة:
فقل لزهير إن شتمت سراتنافلسنا بشتّامين للمتشتّم
ولكننا نأبى الظّلام ونعتصيبكلّ رقيق الشفرتين مصمّم
وتجهل أيدينا ويحلم رأيناونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وان التمادي في الذي كان بيننابكفّيك فاستأخر له أو تقدّم
- وقال موسى بن جابر الحنفي:
وإنا لوقّافون بالموقف الذييخاف رداه والنفوس تطلّع
وإنّا لنعطي المشرفيّة حقّهافتقطع في أيماننا وتقطّع
- تزوج الهذلول بن كعب العنبريّ امرأة من بني بهدلة، فرأته يوما يطحن وقد نزل به ضيف، فضربت صدرها وقالت: هذا زوجي ؟ فقال في ذلك:
تقول ودقّت صدرها بيمينهاأبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فقلت لها لا تعجبي وتبيّنيفعالي إذا التفّت عليّ الفوارس
ألست أردّ القرن يركب ردعهوفيه سنان ذو غرارين يابس
وأحتمل الأوق الثقيل وأمتريخلوف المنايا حين فرّ المغامس
وأقري الهموم الطارقات حزامةإذا كثرت للطارقات الوساوس
إذا خام أقوام تقحمت غمرةيهاب حميّاها الألدّ المداعس
لعمر أبيك الخير إني لخادملضيفي وإني إن ركبت لفارس
وإني لأشري الحمد أبغي رباحهوأترك قرني وهو خزيان تاعس
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع