من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
مقدمة الباب (٤) (٢)
- وقال طفيل الغنوي:
إذا تخازرت وما بي من خزرثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوى بعيد المستمرذا صولة في المصمئلّات الكبر
أحمل ما حمّلت من خير وشركالحية الصمّاء في ظلّ الحجر
- قال آخر ويروى لابن قيس الرقيات:
وإني لآبى الشرّ حتى إذا أبىتجنّب بيتي قلت للشرّ مرحبا
وأركب ظهر الأمر حتى يلين ليإذا لم أجد إلا على الشرّ مركبا
- وقال آخر:
أفرّ حذار الشرّ والشرّ تاركيوأطعن في أنيابه وهو كالح
.- وقال ابن هرمة:
إذا ما أراد الأمر ناجى ضميرهفناجى ضميرا غير مضطرب العقل
ولم يشرك الأدنين في جلّ أمرهإذا انتقضت بالأضعفين قوى الحبل
وقال أيضا في مثل ذلك:
يزرن امرءا لا يمحض القوم أمرهولا ينتجي الأدنين فيما يحاول
إذا ما أبى شيئا مضى كالذي أبىوإن قال إني فاعل فهو فاعل
- ومثله لسعد بن ناشب المازني:
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمهونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في أمره غير نفسهولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
- وقال مالك بن الريب في مثله:
وما أنا بالنابي الحفيظة بالوغىولا المتّقي في السلم جرّ الجرائم
ولا المتأرّي في العواقب للذيأهمّ به من فاتكات العزائم
ولكنني ماضي العزيمة مقدمعلى غمرات الحادث المتفاقم
قليل اختلاج الرأي في الجدّ والهوىجميع الفؤاد عند وقع العظائم
- وقال [أبو] قيس بن الأسلت:
قالت ولم تقصد لقيل الخنامهلا فقد أبلغت أسماعي
واستنكرت لونا له شاحباوالحرب غول ذات أخداع
من يذق الحرب يجد طعمهامرّا وتتركه بأوجاع
قد حصّت البيضة رأسي فماأطعم نوما غير تهجاع
أسعى على جلّ بني مالككلّ امرىء في شأنه ساع
أعددت للأعداء فضفاضةموضونة كالنّهي بالقاع
أحفزها عني بذي رونقأبيض مثل الملح قطّاع
صدق حسام وادق حدّهومارن أسمر قرّاع
بزّ امرىء مستبسل حاذرللدهر جلد غير مجزاع
الكيس والقوة خير من الإدهان والفهّة والهاع
هلا سألت القوم إذ قلّصتما كان إبطائي وإسراعي
هل أبذل المال على حبّهفيهم وآتي دعوة الداعي
وأضرب القونس يوم الوغىبالسيف لم يقصر به باعي
.- وقال العلوي صاحب الزنج:
يلقى السيوف بوجهه وبنحرهويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطّرف اصطبر لشبا القنافعقرت ركن المجد إن لم تعقر
وقال أيضا:
إذا اللئيم مطّ حاجبيهوذبّ عن حريم درهميه
فاقذف عنان البخل في يديهوقم إلى السيف وشفرتيه
فاستنزل الرزق بمضربيهإن قعد الدهر فقم إليه
ومن شعره أيضا:
وإنّا لتصبح أسيافناإذا ما اهتززن ليوم سفوك
منابرهنّ بطون الأكفّوأغمادهنّ رؤوس الملوك
- أبو العشائر ابن حمدان:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفيوالخيل م تحت الفوارس تنحط
لقرأت منا ما تخطّ يد الوغىوالبيض تشكل والأسنة تنقط
- وقال أبو العبّاس النامي:
ومنازلين إذا بدوا في شارقشبّوا ضياء وقوده بوقود
ردّوا على داود صنعة سردهلغناهم بالصبر عن داود
لا يصبحون إذا انتضوا بيض الظباوشبا القنا غير المنايا السود
- ومن كلام لأبي محمد المهلبي يناسب معنى البيت الثاني:
فإنهم لشدّة تجهمهم، وسرعة تهجمهم:
تركوا المكيدة والكمين لجهدهموالنّبل والأرماح للأسياف
- ومن كلامه أيضا: قد صدقه الحملة، ومنعه المهلة،
وأصلاه حر جحيم الحديدتحت دخان من القسطل
.- وقال أبو الفرج الببغاء:
من كلّ متّسع الأخلاق مبتسمللخطب إن ضاقت الأخلاق والحيل
يسعى به البرق إلا أنّه فرسفي صورة الموت إلا أنه رجل
يلقى الرماح بصدر منه ليس لهظهر وهادي جواد ما له كفل
وقال أيضا:
الباذلي العرف والأنواء باخلةوالمانعي الجار والأعمار تخترم
حيث الدجى النقع والبيض الكواكب والأسد الفوارس والخطيّة الأجم
- وقال السريّ الرفّاء:
طلعت على الديار وهم نباتوأغمدت السيوف وهم حصيد
فما أبقيت إلا مخطفاتحمى الأخطاف منها والنهود
- وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري:
يا نفس إن لم تقتلي تموتيإن تسلمي اليوم فلن تفوتي
أو تبتلى فطالما عوفيتهذي حياض الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
.- وقال عنترة:
بكرت تخوّفني الحتوف كأننيأصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهللا بدّ أن أسقى بكأس المنهل
فأقني حياءك لا أبا لك واعلمياني امرؤ سأموت إن لم أقتل
. وقال عنترة أيضا:
وعلمت أن منيتي إن تأتنيلا ينجني منها الفرار الأسرع
فصبرت عارفة لذلك حرّةنفسي إذا نفس الجبان تطلّع
- وقال العبّاس بن مرداس:
القائلون إذا لقوا أقرانهمإنّ المنايا قصر من لم يقتل
فتعانقوا الأبطال في حمس الوغىتحت الأسنّة والغبار الاطحل
- وقال ضابىء البرجمي:
وما الفتك ما شاورت فيه ولا الذيتخبّر من لاقيت أنك فاعله
- وقال حارثة بن بدر:
ولا تلتمس أمر الشديدة بامرىءإذا رام أمرا عوّقته عواذله
وما الفتك الا لامرىء رابط الحشاإذا صال لم ترعد إليه خصائله
- وقال حسان بن ثابت:
كرهوا الموت فاستبيح حماهموأقاموا فعل اللئيم الذليل
أمن الموت يهربون فإن الموت موت الهزال غير جميل
- وقال هدبة بن خشرم العذري:
وليس أخو الحرب الشديدة بالذياذا زبنته كان للسلم أخضعا
ولكن أخو الحرب الحديد سلاحهإذا حملته فوق حال تشجعا أ
خو الحرب لا ينآد للحرب متنهولا يظهر الشكوى إذا كان موجعا
ركوب على أثباجها متخوفلعوراتها ينمي إذا الثقل أضلعا
- وقال الحطيئة:
إذا همّ بالأعداء لم يثن همّهكعاب عليها لؤلؤ وشنوف
أخذ المعنى وبعض اللفظ كثير فقال لعبد الملك:
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّهحصان عليها عقد درّ يزينها
- وقالت امرأة من بني عبد القيس:
أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهمولم يبتغوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّةولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
- وقال آخر:
قد علم المستأخرون في الوهلإذا السيوف عريت من الخلل
أنّ الفرار لا يزيد في الأجل
- ومما يروى لعلي بن أبي طالب ﵇:
من أيّ يوميّ من الموت أفرمن يوم لا يقدر أم يوم قدر
- وقال المخبّل السعدي:
وإنا أناس تعرف الخيل زجرناإذا أمطرت سحب الصوارم بالدّم
وأنا لنعطي النصف من لو نضيمهأقرّ ونأبى نخوة المتظلم
- ومما جاء في ذكر الجبناء قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطاولو سلكت سبل المكارم ضلّت
ولو أنّ برغوثا على ظهر قملةيكرّ على صفّي تميم لولّت
ولو جمعت يوما تميم جموعهاعلى ذرّة معقولة لاستقلّت
- وقال آخر:
إذا صوّت العصفور طار فؤادهوليث حديد الناب عند الثرائد
- وقول الأخطل:
ونجّى ابن بدر ركضه من رماحناونضاحة الأعطاف ملهبة الحضر
كأنهما والآل ينجاب عنهماإذا انغمسا فيه يعومان في بحر
يسرّ إليها والرماح تنوشهفدى لك أمّي إن دأبت إلى العصر
فظل يفدّيها وظلّت كأنهاعقاب دعاها جنح ليل إلى وكر
وقال آخر:
لو كنت في مائتي ألف جميعهممثل المزرفن داود بن حمدان
وتحتك الريح تجري حيث تأمرهاوفي يمينك ماض غير خوّان
لكنت أول فرار إلى عدنإذا تحرك سيف في خراسان
- قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن أشجع من رأيت، فقال: والله يا أمير المؤمنين لأخبرنّك عن أحيل الناس، وعن أشجع الناس، وعن أجبن الناس، فقال له عمر:
هات، فقال: أربعت الصعابية فخرجت كأحسن ما رأيت، شقّاء مقاء طويلة الأنقاء [تمطّق بالعرق] تمطّق الشيخ بالمرق، فركبتها ثم آليت لا ألقى أحدا إلّا قتلته، فخرجت وهي تتقدّى [بي]، فإذا بفتى بين عرضين، فقلت
له: خذ حذرك فإني قاتلك، فقال: والله ما أنصفتني يا أبا ثور أنا كما ترى أعزل أميل، فأنظرني حتى آخذ نبلي، فقلت: وما غناؤها عنك؟ قال:
أمتنع بها، قلت: خذها، قال: لا والله أو تعطيني من العهود ما يثلجني أنّك لا تروعني حتى آخذها، قال: فأثلجته فقال: وإلهي قريش لا آخذها أبدا، فسلم والله وذهبت، فهذا أحيل الناس.
ثم مضيت حتى اشتمل عليّ الليل، فو الله إني لأسير في قمر زاهر، كالنور الظاهر، إذا بفتى على فرس يقود ظعينة وهو يقول:
يا لدينا يا لديناليتنا يعدى علينا
ثم يبلى ما لدينا
ثم يخرج حنظلة من مخلاته فيرمي بها في السماء فلا تبلغ الأرض حتى ينتظمها بمشقص من نبله، فصحت به: خذ حذرك ثكلتك أمّك فاني قاتلك، فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض، فقلت: إن هذا إلّا استخفاف، فدنوت منه فصحت به ويلك ما أجهلك، فما تحلحل ولا زال عن موضعه، فشككت بالرمح إهابه فإذا هو كأنه قد مات منذ سنة، فهذا أجبن الناس.
ثم مضيت فأصبحت من دكادك هرشى إلى غزال، فنظرت إلى أبيات فعدلت إليها، فإذا فيها جوار ثلاث كأنهنّ نجوم الثريا، فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكن؟ فقلن: لما ابتلينا به منك، ومن ورائنا أخت لنا هي أجمل منا، فأشرفت من فدفد، فإذا بامرىء لم أر قطّ أحسن من وجهه، وهو غلام يخصف نعله، عليه ذؤابة يسحبها، فلما نظر إليّ وثب على الفرس مبادرا، ثم ركض فسبقني إلى البيوت، فوجدهن قد ارتعن، فسمعته يقول:
مهلا نسيّاتي لا تروّعنإن يمنع اليوم نساء تمنعن
أرخين أذيال المروط وأرتعن
فلما دنوت منه قال: أتطردني أم أطردك؟ فركض وركضت في أثره، حتى إذا أمكنت السنان من لفتته- واللفتة أسفل من الكتف- اتكأت عليه فإذا هو والله مع لبب فرسه، ثم استوى في سرجه فقلت: أقلني، قال: اطرد، فتبعته حتى إذا ظننت أن السنان بين ناغضتيه اعتمدت عليه، فإذا هو والله قائم على الأرض والسنان زالج، ثم استوى على فرسه فقلت: أقلني، قال:
اطرد فطردته حتى إذا أمكنت السنان من متنه اتكأت عليه وأنا أظنّ أن قد فرغت منه، فمال في سرجه حتى نظرت إلى يديه في الأرض ومضى السنان زالجا، ثم قال: بعد ثلاث تريد ماذا؟ اطردني ثكلتك أمك، فوليت وانا مرعوب منه، فلما غشيني ووجدت مسّ السنان التفتّ فإذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكفّ عني واستنزلني فنزلت، فجز والله ناصيتي وقال: انطلق فأنا أنفس بك عن القتل، فكان ذاك والله يا أمير المؤمنين عندي أشدّ من الموت، فذاك أشجع من رأيت، وسألت عن الفتى فقيل ربيعة بن مكدّم الفراسي من بني كنانة.
- وكان عمرو بن معدي كرب موصوفا بالأيد والشدة عظيم الخلقة، جاء إليه رجل وهو واقف بالكناسة على فرس له وقد أسنّ، فقال:
لأنظرنّ ما بقي من قوة أبي ثور، فأدخل يده بين ساقه وبين السرج، وفطن له عمرو فضمّها عليه وحرك فرسه، فجعل الرجل يعدو مع الفرس لا يقدر أن ينزع يده، حتى إذا بلغ منه قال: يا ابن أخي مالك؟ قال: يدي تحت ساقك، فخلّى عنه وقال: يا ابن أخي إن في عمك لبقية بعد.
- ومن بليغ الشعر في الحرب والبأس والنجدة قول محمد بن هانئ:
ومضرمة الأنفاس جمر وطيسهاشرنبثة الكفّين فاغرة الفم
ضروس لها أبناء صدق تحشّهافمن خادر ورد وأشجع أيهم
وأرعن يحموم كأنّ أديمهإذا شرعت أرماحه ظهر شيهم
فما تنطق الأرماح غير تصلصلولا ترجع الأبطال غير تغمغم
فتملأ سمعا من رواعد رجّفوتملأ عينا من بوارق ضرّم
فلا راجع باللأم غير مبتّكولا بحبيك البيض غير مثلّم
رفعت على هام العدى منه قسطلاخضبت مشيب الفجر منه بعظلم
فلا تتكلّف للخميس من العدىخميسا ولكن رعه باسمك يهزم
لقد أعذرت فيك الليالي وأنذرتفقل للعقول استأخري أو تقدمي
كأن قد كشفت الأمر عن شبهاتهفلم يضطهد حقّ ولم يتهضّم
وفاض دما موج الفرات فلم يجزلوارده طهر بغير تيمم
فلا حملت فرسان حرب جيادهاإذا لم يزرهم من كميت وأدهم
ولا عذب الماء القراح لشاربوفي الأرض مروانيّة غير أيّم
بريغون في الهيجا إلى ذي حفيظةطويل نجاد السيف أبلج خضرم
قليل لقاء البيض إلا من الظباقليل شراب الكأس الا من الدم
وأيّ قوافي الشعر فيك أحوكهاوما ترك التنزيل من متردّم
- وكان حسان بن ثابت الشاعر من الجبناء، وكان ابن الزبير يحدث أنه كان في فارع أطم ابن ثابت، يعني حسان، مع النساء يوم الخندق ومعهم عمرو بن أبي سلمة [قال ابن الزبير]: ومعنا حسان بن ثابت ضارب وتدا في ناحية الأطم، فإذا حمل أصحاب رسول الله ﷺ على المشركين حمل على الوتد يضربه بالسيف، وإذا أقبل المشركون انحاز عن الوتد، كأنه يقاتل قرنا، يتشبه بهم كأنه يرى أنه يجاهد حين جبن. وقيل إنه أتاهم في ذلك اليوم يهوديّ يطيف بالحصن، وقد قطعت قريظة ما بينها وبين رسول الله ﷺ، قالت صفية بنت عبد المطلب فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدلّ على عورتنا من وراءنا من اليهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه فانزل إليه فاقتله، فقال:
يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت:
فلمّا قال ذلك ولم أر عنده شيئا اعتجرت، ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلّا أنه رجل، قال:
مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.
- كان حارثة بن بدر الغدانيّ من سادات بني تميم ووجوههم، وكان في وجه الخوارج والإمارة لغيره، فقتل صاحب الجيش فعقدوا الرياسة لآخر فقتل، فعقدوها لحارثة بن بدر فنادى في الناس: أن تثبتوا فتح الله
عليكم فللعرب زيادة فريضتين وللموالي زيادة فريضة، وندب الناس فالتقوه وانهزم حارثة وقال:
كرنبوا ودولبواوحيث شئتم فاذهبوا
أير الحمار فريضة لعبيدكموالخصيتان فريضة الأعراب
فتتابع الناس على أثره منهزمين.
- وكان في الخوارج امرأة يقال لها أم حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجها، وخطبها جماعة منهم فردتهم، وكانت في الحرب تحمل على الناس وتقول:
أحمل رأسا قد سئمت حملهوقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عنّي ثقله
وهم يفدّونها بالآباء والأمهات.
- وقال الحارث بن هشام يعتذر من الفرار.
الله يعلم ما تركت قتالهمحتى علوا فرسي بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل واحداأقتل ولا يضرر عدوّي مشهدي
فصددت عنهم والأحبّة فيهمطمعا لهم بعقاب يوم مرصد
- وقال زفر بن الحارث وقد فرّ يوم مرج راهط عن أبيه وأخيه:
أيذهب يوم واحد إن اسأتهبصالح أعمالي وحسن بلائيا
ولم ير منّي زلّة قبل هذهفراري وتركي صاحبيّ ورائيا
- وقال أزهر بن هلال التميمي:
أعاتك ما ولّيت حتى تبددترجالي وحتى لم أجد متقدّما
وحتى رأيت الورد يدمى لبانهوقد هزّه الأبطال فانتعل الدما
أعاتك أفناني السلاح ومن يطلمقارعة الأبطال يرجع مكلّما
- وأحسن ما قيل في الفرار قول قيس بن الخطيم:
إذا ما فررنا كان أسوا فرارناصدود الخدود وازورار المناكب
صدود الخدود والقنا متشاجرولا تبرح الأقدام عند التضارب
- وقال مالك بن أبي كعب:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاوأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب
- وقال جرير يعيّر الأخطل إيقاع قيس ببني تغلب:
حملت عليك حماة قيس خيلهاشعثا عوابس تحمل الأبطالا
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهمخيلا تكرّ عليهم ورجالا
نظر المتنبي إلى المعنى فقال وأحال:
وضاقت الأرض حتى صار هاربهمإذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
وغير شيء ليس بشيء فيرى، وهذا مما طعن به عليه.
وبيت جرير مأخوذ من قوله ﷿: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
- (المنافقون:).
- خرجت المغيرية على خالد القسري وهو يخطب على المنبر ولا يعلم بهم، فخرجوا في التبابين ينادون: لبّيك لبيك جعفر، وعرف خالد خبرهم وهو يخطب على المنبر، فدهش ولم يعقل ما يقول فزعا، فقال:
أطعموني ماء، ثم خرج الناس إليهم فأخذوا، فكان ضعفه على المنبر وجبنه حين خاف من أضعف خصم، ولما أمنهم وحصلوا في قبضته جعل يأخذ للرجل طنّ
قصب فيطلى بالنفظ ويقال له احتضنه، ويضرب حتى يفعل ذلك، ثم يحرق، فأحرقهم جميعا، فجمع القسوة وانخلاع القلب في حالتيه، وفي ذلك يقول الكميت يمدح يوسف بن عمر:
خرجت لهم تمشي البراح ولم تكنكمن حصنه فيه الرتاج المضبّب
وما خالد يستطعم الماء فاغرابعدلك والداعي إلى الموت ينعب
- لما دخلت غزالة الحروريّة الكوفة على الحجاج ومعها شبيب تحصّن منها وأغلق قصره، فكتب إليه عمران بن حطان، وكان الحجاج قد لجّ في طلبه:
أسد عليّ وفي الحروب نعامةربداء تجفل من صفير الصافر
هلّا برزت إلى غزالة في الوغىبل كان قلبك مثل قلب الطائر
صدعت غزالة قلبه بفوارستركت مدابره كأمس الدابر
- ويقال إن عباد بن زياد كان جبانا، فبينا هو ذات ليلة نائم في عسكره صاحت بنات آوى، فثارت الكلاب إليها، ونفر بعض الدواب،
ففزع عباد وظنّ أنها كبسة من العدو، فركب فرسه ودهش فقال: افتحوا سيفي، فذلك قول ابن مفرغ يعيره:
ويوم فتحت سيفك من بعيدأضعت وكلّ أمرك للضياع
إذا أودى معاوية بن حربفبشّر شعب قعبك بانصداع
ألم تر إذ تحالف حلف حربعليك عددت من سقط المتاع
وكدت تموت إذ صاح ابن آوىومثلك مات من خوف السباع
- وجه المهلب كعب بن معدان الأشقريّ إلى الحجاج في وقت محاربته الخوارج، فقال له الحجاج: كيف كانت حالكم مع عدوكم؟ قال:
كنّا إذا لقيناهم بعفونا وجهدهم أيسنا منهم، وإذا لقيناهم بجهدهم وجهدنا طمعنا فيهم؛ قال: وكيف كان بنو المهلب؟ قال: حماة الحريم نهارا، وفرسان الليل تيقّظا قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان، قال:
صفهم رجلا رجلا، قال: المغيرة فارسهم وسيدهم، نار ذاكية، وصعدة عالية، وكفى بيزيد فارسا شجاعا: ليث غاب وبحر جمّ العباب، وجوادهم قبيصة، ليث المغار وحامي الذمار، ولا يستحيي الشجاع أن يفرّ من مدرك، وكيف لا يفرّ من الموت الحاضر، ولا يستحيي الشجاع أن يفرّ من مدرك، ويكف لا يفرّ من الموت الحاضر، والأسد الخادر؟ وعبد الملك سمّ ناقع، وسيف قاطع، وحبيب الموت الذّعاف إنّما هو طود شامخ، وبحر باذخ، وأبو عيينة البطل الهمام، والسيف الحسام، وكفاك بالفضل نجدة: ليث هرّار وبحر موّار، ومحمد ليث غاب، وحسام ضراب. قال: فأيهم أفضل؟ قال: هم
كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها، قال: فكيف جماعة الناس؟ قال: على أحسن حال، أدركوا ما رجوا وأمنوا ما خافوا، أرضاهم العدل، وأغناهم النّفل، قال: فكيف رضاهم بالمهلب؟ قال: أحسن رضى، وكيف لا يكونون كذلك وهم لا يعدمون منه إشفاق الوالد ولا يعدم منهم برّ الأولاد؟
قال: فكيف فاتكم قطريّ؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه، فتحوّل عن منزله، قال: فهلّا اتبعتموه؟ قال: حال الليل بيننا وبينه، وكان التحرز إلى أن يقع العيان ويعلم امرؤ ما يصنع أحزم، وكان الجدّ عندنا آثر من النّفل.
- قيل لعنترة: أأنت أشجع العرب وأشدّها؟ قال: لا، قيل له: فبم شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم اذا رأيت الإقدام عزما، وأحجم إذا رأيت الأحجام حزما، ولا أدخل موضعا لا أرى فيه مخرجا لي، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فأنثني عليه فأقتله.
- لقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب، وكان جبانا أهوج، وعليه حلّة جيّده، فقال أبو وهب لتأبط شرا: بم تغلب الرجال يا ثابت، وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ألقى الرجل: أنا تأبط شرا فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال له الثقفي: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: نعم، فبم تبتاعه؟ قال: بهذه
الحلّة وكنيتي، قال: افعل، ففعل، وقال له: لك اسمي ولي اسمك وأخذ حلّته وأعطاه طمريه ثم انصرف وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي:
ألا هل أتى الحسناء أنّ حليلهاتأبط شرا واكتنيت أبا وهب
فهبه تسمّى اسمي وسمّاني اسمهفأين له صبري على معظم الخطب
وأين له بأس كبأسي وسورتيوأين له في كلّ فادحة قلبي
- البحتري:
وفرسان هيجاء تجيش صدورهابأحقادها حتى تضيق دروعها
تقتّل من وتر أعزّ نفوسهاعليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤهاتذكرت القربى ففاضت دموعها
- مرّ خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بعروة بن الزبير، وكان بينهما تباعد، فقال له: يا خالد أتدع ابن أثال وقد تفصّى أوصال عمّك بالشام وأنت بمكة مسبل إزارك تجرّه وتخطر فيه متخايلا؟! (وكان عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد عند معاوية بالشام، فخافه معاوية على الأمر، فدسّ إليه ابن أثال الطبيب فسقاه شربة فمات منها)، فحمي خالد بن المهاجر ودعا مولى له يدعى نافعا فأعلمه الخبر، وقال له: لا بدّ من قتل ابن أثال، وكان نافع جلدا شهما، فخرجا حتى قدما دمشق، وكان ابن أثال يمسي عند معاوية،
فجلس له في مسجد دمشق إلى أصطوانة، وجلس غلامه إلى أخرى حتى خرج، فقال خالد لنافع: إيّاك أن تعرض له أنت، ولكن احفظ ظهري واكفني من ورائي، فإن رابك شيء من خلفي يريدني فشأنك، فلما حاذاه وثب إليه خالد فقتله، وثار إليه من كان معه فصاح بهم نافع فانفرجوا، ومضى خالد ونافع وتبعهما من كان معه، فلما غشاهما الليل حملا عليهم فتفرقوا حتى دخل خالد ونافع زقاقا ضيّقا ففاتا القوم، فبلغ معاوية الخبر، فقال: هذا خالد بن المهاجر، اقلبوا الزقاق، ففتش عليه فأتي به فقال: لا جزاك الله من زائر خيرا قتلت طبيبي، قال: قتلت المأمور وبقي الآمر، فقال: أم والله لو كان تشهّد مرّة واحدة لقتلتك به، وحبسه وضرب نافعا مائة سوط، وألزم بني مخزوم اثني عشر ألف درهم، أدخل بيت المال منها ستة آلاف وأخذ هو ستة آلاف، فلم يزل ذلك يجري دية المعاهد حتى جاء عمر بن عبد العزيز فأبطل الذي يأخذه السلطان لنفسه، وأثبت الذي يدخل بيت المال.
- روي أن امرأة عمران بن حطان قالت له: ألم تزعم أنك لا تكذب في شعرك؟ قال: بلى، قالت: أفرأيت قولك:
وكذاك مجزأة بن ثور كان أشجع من أسامه
أيكون رجل أشجع من أسامة؟ قال: نعم، إن مجزأة بن ثور فتح مدينة
كذا وكذا، والأسد لا يقدر على فتح مدينة.
- روي أن أبا محجن عبد الله بن حبيب الثقفي كان في من خرج مع سعد بن أبي وقّاص لحرب الفرس، وكان سعد يؤتى به شاربا فيتهدّده فيقول له: لست تاركها إلّا لله، فأمّا لقولك فلا، فأتي به يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد خراجة فلم يخرج إلى الناس يومئذ، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما اشتدّ القتال تلك الليلة صعد أبو محجن إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده، وأتى سلمى بنت أبي حفصة فقال لها: يا ابنة أبي حفصة هل لك إلى خير ؟ قالت: وما ذاك؟
قال: تحلّين عني وتعيرينني البلقاء، فلّله - علي- إن سلمني الله- أن أرجع إلى حضرتك - حتى تضعي رجلي في قيدي، فقالت: وما أنا وذاك؟ فرجع يرسف في قيوده ويقول:
كفى حزنا أن تردي الخيل بالقناوأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا قمت عنّاني الحديد وأغلقتمصاريع من دوني تصمّ المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوةفقد تركوني واحدا لا أخا ليا
وقد شفّ جسمي أنني كلّ شارقأعالج كبلا مصمتا قد برانيا
فلله درّي يوم أترك موثقاوتذهل عنّي أسرتي ورجاليا
حبيسا عن الحرب العوان وقد بدتوإعمال غيري يوم ذاك العواليا
فلله عهد لا أخيس بعهدهلئن فرجت ألّا أزور الحوانيا
فقالت له سلمى: إني قد استخرت الله تعالى ورضيت بعهدك، فأطلقته ورجعت إلى بيتها، فخالفها أبو محجن إلى الفرس فأخذها وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق، فركبها ثم دبّ عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة، وأضاء النهار وتصافّ الناس كبّر ثم حمل على الميسرة يلعب برمحه وسلاحه بين الصفّين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبدر أمام الناس فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا، فعجب الناس منه وهم لا يعرفونه، ولم يروه بالأمس، فقال بعض القوم: هذا من أوائل أصحاب هاشم بن عتبة أو هشام، وقال قوم: إن كان الخضر شهد الحرب فهو صاحب البلقاء، وقال آخرون: لولا أن الملائكة لا تباشر القتال ظاهرا لقلنا هذا ملك بيننا، وجعل سعد يقول، وهو مشرف ينظر إليه: الطعن طعن أبي محجن، والضبر ضبر البلقاء، لولا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن، وهذه البلقاء، فلم يزل يقاتل حتى انتصف الليل وتحاجز أهل العسكرين، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر ووضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجليه في قيده وأنشأ يقول:
لقد علمت ثقيف غير فخربأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغاتوأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وأنا رفدهم في كلّ يوموان جحدوا فسل بهم عريفا
وليلة فارس لم يشعروا بيولم أكره لمخرجي الزّحوفا
فإن أحبس فقد عرفوا بلائيوان أطلق أجرّعهم حتوفا
فقالت له سلمى: يا أبا محجن في أيّ شيء حبسك هذا الرجل؟ فقال:
أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدبّ الشعر على لساني فينفثه أحيانا، فحبسني لأني قلت:
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمةيروّي مشاشي بعد موتي عروقها
ولا تدفنّني بالفلاة فاننيإذا رحت مدفونا فلست أذوقها
قال: وكانت سلمى قد رأت من المسلمين جولة، وسعد بن أبي وقاص في القصر لعلة كانت به لم يقدر معها على حضور الحرب، وكانت قبله عند المثنّى بن حارثة الشيبانيّ فلما قتل خلف عليها سعد، فلما رأت شدة البأس صاحت: وامثّنياه ولا مثنّى لي اليوم، فلطمها سعد، فقالت: أفّ لك أجبنا وغيرة؟ وكانت مغاضبة لسعد عشية ارماث وليلة الهرير وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته وصالحته وأخبرته خبر أبي محجن، فدعا به وأطلقه وقال: اذهب فلست مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، فقال: لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا، وذلك قول أبي محجن:
إن كانت الخمر قد عزّت وقد منعتوحال من دونها الإسلام والحرج
فقد أباكرها صرفا وأشربهاريا وامزج أحيانا فامتزج
ولما انصرف أبو محجن إلى محبسه رأته امرأته منصرفا فعيرته بفراره، فقالت له:
من فارس كره الطّعان يعيرنيرمحا إذا نزلوا بمرج الصّفّر
فقال لها أبو محجن:
إن الكرام على الجياد مبيتهافدعي الرماح لأهلها وتعطّري
- وذكر المفضل أن الناس لما التقوا مع العجم يوم قسّ الناطف كان مع الأعاجم فيل يكرّ عليهم، فلا تقوم له الخيل، فقال أبو عبيد ابن مسعود الثقفي: هل له مقتل؟ فقيل له: نعم خرطومه، إلا أنه لا يفلت منه من ضربه، فقال: أنا أهب نفسي لله، وكمن له حتى أقبل فوثب إليه فضرب خرطومه، ثم استدار فطحن الأعاجم وانهزموا.
- لما قال بكر بن النطاح الحنفي قصيدته التي يقول فيها:
هنيئا لأخواني ببغداد عيدهموعيدي بحلوان قراع الكتائب
أنشدها أبا دلف العجلي فقال له: إنك لتكثر وصف نفسك بالشجاعة، وما رأيت لذلك عندك أثرا قط ولا فيك، فقال له: أيها الأمير وأيّ غناء يكون عند الرجل الحاسر الأعزل؟ فقال: اعطوه سيفا وفرسا ودرعا ورمحا، فأعطوه ذلك أجمع، فأخذه وركب الفرس، وخرج على وجهه، فلقيه مال لأبي دلف يحمل من بعض ضياعه فأخذه، وخرج جماعة من غلمانه ومانعوه، فجرحهم جميعا وقطعهم فانهزموا، وسار بالمال فلم ينزل إلا على عشرين فرسخا، فلما اتصل خبره بأبي دلف قال: نحن جنينا على أنفسنا، وقد كنا أغنياء عن إهاجة أبي وائل، ثم كتب إليه بالأمان وسوّغه المال، وكتب إليه: صر إلينا فلا ذنب لك، نحن كنا سبب فعلك بتحريكنا إياك وتحريضنا، فرجع ولم يزل معه يمتدحه حتى مات.
- قال أبو الحسين الرواية، قال لي المأمون: أنشدني أشجع
بيت وأعفه وأكرمه من شعر المحدثين، فأنشدته:
ومن يفتقر منّا يعش بحسامهومن يفتقر من سائر الناس يسأل
وإنا لنلهو بالسيوف كما لهتعروس بعقد أو سخاب قرنفل
فقال لي: ويلك من يقول هذا؟ فقلت: بكر بن النطاح، فقال:
أحسن والله، ولكنه كذب في قوله، فما باله يسأل أبا دلف ويمدحه وينتجعه؟
هلّا أكل خبزه بسيفه كما قال؟! - قال العتبي: كتب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى الحجاج مبتدئا: أما بعد فان مثلي ومثلك كما قال القائل:
سائل مجاور جرم هل جنيت لهمحربا تزايل بين الجيرة الخلط
أم هل دلفت بجرّار له لجبيغشى الأماعز بين السهل والفرط
(والشعر لوعلة الجرميّ، وثالث البيتين:
حتى تركت نساء الحيّ ضاحيةفي ساحة الدار يستوقدن بالغبط
هذا مثلي ومثلك، سأحملك على أصعبه، وأريحك من مركبه، فكتب الحجاج بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه جوابه: أما بعد فاني قد أجبت عدوّ الرحمن ب «لا حول ولا قوة إلا بالله» ولعمر الله لقد صدق وخلع سلطان الله بيمينه وطاعته بشماله، وخرج من الدين عريان كما ولدته أمه؛ وعلى أن مثلي ومثله ما قال الشاعر:
ألم تعلموا أني تخاف عرامتيوأنّ قناتي لا تذلّ على القسر
وإني وإياكم كمن نبّه القطاولو لم ينبّه باتت الطير لا تسري
أناة وحلما وانتظارا بهم غدافما أنا بالواني ولا الضّرع الغمر
أظنّ صروف الدهر والجهل منكمستحملكم منّي على مركب وعر
- قطري بن الفجاءة:
يا ربّ ظل عقاب قد وقيت بهامهري من الشمس والأبطال تجتلد
وربّ يوم حمى أرعيت عقوتهخيلي اقتسارا وأطراف القنا قصد
ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ بهلهوي اصطلاء الوغى وناره تقد
مشهرا موقفي والحرب كاشفةعنها القناع وبحر الموت يطّرد
وربّ هاجرة تغلي مراجلهانحرتها بمطايا غارة تخد
تجتاب أودية الأفراع آمنةكأنها أسد يقتادها أسد
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمداعلى الطعان وقصر العاجز الكمد
ولم أقل لم أساق الموت شاربهفي كأسه والمنايا شرّع ورد
- وقال أبو سعيد السكري: بلغني أن أبا دلف لحق أكرادا قطعوا في عمله، وقد أردف فارس منهم رفيقا له خلفه فطعنهما جميعا فأنفذهما، فتحدّث الناس أنه أنفذ بطعنة واحدة فارسين، فلما قدم من وجهه دخل إليه بكر بن النطاح فأنشده:
قالوا وينظم فارسين بطعنةيوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا لو أنّ طول قناتهميل إذن نظم الفوارس ميلا
لما غدر أصحاب مصعب به يوم مسكن، وقتل إبراهيم بن الأشتر، بقي مصعب وابنه عيسى في نفر قليل، فدعا محمد بن مروان عيسى بن مصعب، فقال له أبوه: انظر ما يريد محمد، فدنا منه فقال له: إني لكم ناصح، إنّ القوم خاذلوكم ولك الأمان، فأبى قبول ذلك، وناشده فرجع إلى أبيه فأخبره، فقال له: إني أظنّ أنّ القوم سيفون فإن أحببت أن تأتيهم فأتهم، فقال: والله لا يتحدث نساء قريش أني خذلتك، ورغبت بنفسي عنك، قال: فتقدم حتى أحتسبك، فتقدم وتقدّم ناس معه فقتل وقتلوا، وترك أهل العراق مصعبا حتى بقي في سبعة، وجاء رجل من أهل الشام ليحتزّ رأس عيسى فشدّ عليه مصعب فقتله، وشدّ على الناس فانفرجوا، ثم رجع فقعد على مرفقة ديباج، ثم جعل يقوم عنها ويحمل على أهل الشام فيفرجون له، ثم رجع فقعد على المرفقة، ففعل ذلك مرارا، ودعاه عبيد الله بن زياد ابن ظبيان، إلى المبارزة فقال أغرب يا كلب، وشدّ عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه، فرجع عبيد الله فعصب رأسه، وجاء ابن أبي فروة كاتب مصعب فقال له: جعلت فداك، قد تركك الناس، وعندي خيل مضمّرة فاركبها وانج بنفسك، فدفع في صدره وقال: ليس أخوك بالعبد، ورجع ابن ظبيان فحمل عليه هو وروق بن زائدة بن قدامة، ونادى يا لثارات المختار، فقتله وحمل رأسه إلى عبد الملك، فلما وضعه بين يديه سجد، قال ابن ظبيان: فهممت والله أن أقتله حين سجد، فأكون أفتك العرب، قتلت ملكين في يوم واحد، ثم وجدت نفسي تنازعني إلى الحياة فأمسكت.
- وقال عبد الملك يوما لجلسائه: من أشجع الناس؟ فاكثروا
في هذا المعنى، فقال: أشجع الناس مصعب بن الزبير، جمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وأمة الحميد بنت عبد الله بن عاصم، وولي العراقين، وزحف إلى الحرب فبذل له الأمان والحباء والولاية والعفو عما خلص في يده، فأبى قبول ذلك واطّرح كلّ ما كان مشغولا به من ماله وأهله وراء ظهره، وأقبل بسيفه يقاتل قدما، وما بقي معه إلا سبعة، حتى قتل كريما.
- وكان مصعب لما قدم الكوفة يسأل عن الحسين بن عليّ ﵉ وعن قتله، فجعل عروة بن المغيرة يحدثه عن ذلك، فقال متمثلا بقول سليمان بن قتة:
إن الأولى بالطفّ من آل هاشمتأسّوا فسنّوا للكرام التأسيا
قال عروة: فعلمنا أن مصعبا لا يفرّ أبدا.
- وقال خلاد بن فروة السدوسي: لما كان يوم السبخة حين عسكر الحجاج بازاء شبيب الشاري، قال له الناس: لو تنحيت أيها الأمير عن هذه السبخة فقال لهم: ما تنحّوني إليه والله أنتن، فهل ترك مصعب لكريم مفرّا؟ ثم تمثل بقول الكلحبة:
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكتحبال الهوينا بالفتى أن تقطّعا
- حدث شيخ من أهل مكة قال: لما أتى عبد الله بن الزبير قتل
مصعب أضرب عن ذكره أياما حتى تحدّثت به إماء مكة في الطريق، ثم صعد المنبر فجلس عليه مليا لا يتكلم، فنظرت إليه والكآبة على وجهه وجبينه يرشح عرقا، فقلت لآخر إلى جنبي: ماله لا يتكلم؟ أتراه يهاب المنطق؟ فو الله إنه لخطيب فما تراه يهاب؟ قال: أراه يريد أن يذكر قتل مصعب سيد العرب، فهو يفظع بذلك، وغير ملوم هو. فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، مالك الدنيا والآخرة، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، إلا أنه والله لا يذلّ من كان الحقّ معه وان كان مفردا ضعيفا، ولا يعزّ من كان الباطل معه وإن كان في العدد والكثرة. ثم قال: إنه أتانا الخبر من العراق بلد الغدر والشقاق، فساءنا وسرّنا، أتانا أنّ مصعبا قتل، رحمة الله عليه ومغفرته، فأما الذي حزننا من ذلك فان لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي من بعد ذوو الرأي والدين إلى جميل الصبر، وأما الذي سرّنا منه فانا قد علمنا أنّ قتله شهادة، وأنّ الله ﷿ جاعل لنا وله خيرة في ذلك، إن شاء الله. إنّ أهل العراق أسلموه وباعوه بأقلّ ثمن كانوا يأخذونه منه وأخسره، أسلموه إسلام الجمل المخطم فقتل، ولئن قتل فلقد قتل أبوه وعمه وأخوه وكانوا الخيار الصالحين، إنّا والله ما نموت حتف أنوفنا، ما نموت إلا قتلا قصعا قصعا بين قصد الرماح وتحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مروان، والله ما قتل رجل منهم في جاهلية ولا إسلام. وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا ملكه، فإن تقبل الدنيا عليّ لا آخذها أخذ البطر
الأشر، وإن تدبر عنّي لا أبكي عليها بكاء الخرف المهتر؛ ثم نزل.
»
- قال المفضل الضبي: خرجت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن فلما صار بالمربد وقف على دار سليمان بن عليّ، فأخرج له صبيّان من ولده فضمهما إليه وقال: هؤلاء والله منّا ونحن منهم، إلّا أن آباءهما فعلوا بنا وصنعوا، وذكر كلاما يعتدّ عليهم فيه بالإساءة، ثم توجه لوجهه وتمثل:
مهلا بني عمنا ظلامتناإنّ بنا سورة من القلق
لمثلكم تحمل السيوف ولاتغمز أحسابنا من الرفق
إني لأنمي إذا انتميت إلىعزّ عزيز ومعشر صدق
بيض سباط كأنّ أعينهمتكحل يوم الهياج بالزرق
فقلت: ما أفحل هذه الأبيات، فلمن هي؟ قال: لضرار بن الخطاب، قالها في يوم جزع الخندق في اجتماع المشركين على رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، وتمثّل بها عليّ ﵇ يوم صفين، والحسين بن علي ﵉ يوم قتل، وزيد بن علي، ولحق القوم ثم مضى إلى باخمرى، فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد فتمثل:
نبّئت أنّ بني ربيعة أجمعواأمرا خلا لهم ليقتل خالدا
إن تقتلوني لا تصب أرماحكمثأري ويسعى القوم سعيا جاهدا
أرمي الطريق وإن صددت لضيعةوأنازل البطل الكميّ الحاردا
فقلت: لمن هذه الأبيات؟ فقال للأحوص بن جعفر بن كلاب تمثّل بها يوم شعب جبلة، وهو اليوم الذي لقيت فيه قيس تميما. قال: وأقبلت عساكر أبي جعفر فقتل من أصحابه وقتل من القوم حتى كاد الظفر يكون له، قال المفضل، فقال لي: حرّكني بشيء، فأنشدته هذه الأبيات:
ألا أيها الناهي فزارة بعد ماأجدّت أسيرا إنما أنت حالم
أبى كلّ حرّ أن يبيت بوترهويمنع منه النوم إذا أنت نائم
أقول لفتيان العشيّ تروّحواعلى الجرد في أفواههنّ الشكائم
قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدهاومن يخترم لا تتّبعه اللوائم
وهل أنت إن باعدت نفسك منهملتسلم فيما بعد ذلك سالم
فقال لي: أعد، فتنبهت فقلت: أو غير ذلك؟ فقال: لا أعدها فأعدتها فتمطّى في ركابيه حتى خلته قد قطعهما، فطعن رجلا وطعنه آخر فقلت: أتباشر الحرب بنفسك والعسكر منوط بك؟ فقال إليك يا أخا بني ضبة، كأن عويفا أخا بني فزارة كان ينظر إلينا في يومنا هذا حين يقول:
ألمّت خناس وإلمامهاأحاديث نفس وأسقامها
يمانية من بني مالكتطاول في المجد أعمامها
وإنّ لنا أصل جرثومةتردّ الحوادث أيامها
تردّ الكتيبة مفلولةبها أفنها وبها ذامها
قال: وجاءه السهم العاثر فشغله عني.
- قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لمعاوية: إني لأعجب
لك، تتقدم حتى أقول: أشجع الناس، وتتأخر حتى أقول: أجبن الناس، فقال له: إنني أتقدّم ما كان التقدم حزما، وأتأخر ما كان التأخر حزما كما قيل:
شجاع إذا ما أمكنتني فرصةفإن لم تكن لي فرصة فجبان
- محمد بن عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي:
وكتيبة كالليل بل هي أظلمفيها شعار بني النزال تقدموا
تذر الاكام صفاصفا مسلوكةوالبحر رنقا ماؤه يتقسّم
ولها يمين لا تشلّ بنانهاولها شمال صوب درّتها الدم
وكأن بين يمينها وشمالهانارا بأرواح الكماة تضرّم
نهنهت أولاها بضرب صادقهبر كما عطّ الرداء المعلم
وعليّ سابغة الذيول كأنهاسلخ كسانيه الشجاع الأرقم
- كان أبو موسى الأشعريّ محاصرا تستر، فخرج رجل من العجم فدعا إلى البراز، فخرج إليه شيخ مسن من باهلة يدعى حليل بن أوس على فرس عجفاء، فقال أبو موسى: ممن الرجل؟ قال: من باهلة، فقال ارجع يا أخا باهلة فإنك بال على بال، وأحجم الناس عن الرجل فدعا ثانية فخرج الباهليّ فردّه أبو موسى، فأبى أن يرجع ومضى، فقال أبو موسى:
اللهم إنه في حلّ، وتطاعنا فقتله الباهليّ وأقبل يجرّ رمحه ويقول:
رآني الأشعريّ فقال بالعلى بال ولم يعلم بلائي
ومثلك قد عرضت الرمح فيهفبان بدائه وشفيت دائي
إذا اجتمع العشائر واستكفّوافجامعني إلى ظلّ اللواء
فقال أبو موسى: إني لم أرد بأسا يا أخا باهلة، فقال الباهلي: وأخو باهلة لم يرد بأسا يا أخا الأشعريين. فبلغ الخبر عمر بن الخطاب ﵁، وكان لا يخفى عنه ما يجري بين الناس، فكتب إلى أبي موسى يلومه ويأمره أن يعرف لأهل البلاء بلاءهم وينزلهم منازلهم.
- كان مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان بن عفان حين شخص إلى خراسان وكان له منه رزق واسع، فبينا هم في بعض الطريق افتقدوا صاحب إبل سعيد والذي يحلب لهم نوقه واحتاجوا إلى اللبن، فقال مالك لبعض غلمان سعيد: أدن مني الفلانة- ناقة كانت لسعيد غزيرة- فأدناها منه فاحتلبها، فإذا أحسن الناس حلبا وأغزره درة، فانطلق الغلام فاخبر بذلك سعيدا فقال سعيد لمالك: هل لك أن تقيم في إبلي وأجزل لك الرزق إلى ما أرزقك، وأضع عنك الغزو؟ فقال مالك:
وإني لأستحيي الفوارس أن أرىبأرض العدى بوّ المخاض الروائم
وإني لأستحيي إذا الحرب شمّرتأن أرخي دون الحرب ثوب المسالم
(وبعدها أبيات تتضمن العزم ذكرت مع أمثالها في مكان آخر من هذا الباب).
- قيس بن الخطيم:
ومنّا الذي آلى ثلاثين ليلةعن الخمر حتى زاركم في الكتائب
فلما هبطنا الحرث قال أميرناحرام علينا الخمر ما لم نضارب
فسامحه منّا رجال أعزّةفما برحوا حتى أحلّت لشارب
ويوم بعاث ألحقتنا سيوفناإلى حسب في جذم غسّان ثاقب
يعرّين بيضا حين نلقى عدوّناويغمدن حمرا ناحلات المضارب
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهمعن السلم حتى كان أول واجب
ترى قصد المرّان تلقى كأنهاتذرّع خرصان بأيدي الشواطب
وأضربهم يوم الحديقة حاسراكأنّ يدي بالسيف مخراق لاعب
- وفد ابن أبي محجن على معاوية فقام خطيبا فأحسن، فحسده، فأراد أن يكسره فقال: أأنت الذي أوصاك أبوك بقوله:
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمةتروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي بالفلاة فاننيأخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
فقال: بل أنا الذي يقول أبي:
لا تسأل الناس ما مالي وكثرتهوسائل الناس ما جودي وما خلقي
أعطي الحسام غداة الروع حصّتهوعامل الرمح أرويه من العلق
ويعلم الناس أني من سراتهمإذا سما بصر الرعديدة الفرق
وأطعن الطعنة النجلاء عن عرضواكتم السرّ فيه ضربة العنق
- عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي:
وملمومة قد لثّم النقع وجههاوأثقلها حمل الوشيج المقوّم
تثاقل في طود من الخيل أرعنوتسبح في بحر من البيض مفعم
رداح كما مادت رداح خريدةعروس المنايا زينها نقط الدم
- محمد بن إبراهيم التميمي الكموني المغربي:
فتى الخيل يكسوها الغبار غلائلاإذا صممّمت فيه وهنّ عوابس
طوال عليهنّ الطوال رماحهمعتاق عليهنّ العتاق الأبالس
- عبد الله بن محمد الأزدي المعروف بالعطّار المغربي:
ويبيت ملتحف العجاج كأنّهقبس يضيء سناه تحت دخان
أبو عبد الله القزاز المغربي:
وإذا شمرت بنو الحرب عن ساق ونادى الأبطال بالأبطال
وتدانى خطو الجواد لقرب الطعن حتى كأنه في شكال
كان فيه ثبت الجنان بعيد النفس في ضنكة من الأوجال
يتلقّى حدّ الحديد بوجهمشرق تحت برقع من جمال
- القاضي ابن الربيب المغربي:
يفلّ الخميس المجر مصلت رأيهإذا رأي ثبت القوم فال وأحجما
إذا اشتجرت فيها الأسنّة خاضهاإلى الموت حتى يترك الموت أتحما
ويروى أعصما
ومهما انبرت أقلامه برت الطّلىوردّ بها ظفر الخطوب مقلّما
- قال عمر بن عبد العزيز لابن أبي مليكة: صف لنا عبد الله ابن الزبير، فإنه ترمرم على أصحابنا فتغشمروا عليه، فقال: والله ما رأيت جلدا قطّ ركّب على لحم، ولا لحما على عصب، ولا عصبا على عظم، مثل جلده ولحمه وعظمه، ولا رأيت نفسا بين جنبين مثل نفس ركّبت بين جنبيه، ولقد قام يوما إلى الصلاة فمرّ حجر من حجارة المنجنيق بين لحييه وصدره، فو الله ما خشع لها بصره، ولا قطع لها قراءته، ولا ركع دون الركوع الذي كان
يركع؛ إن ابن الزبير كان إذا دخل في الصلاة خرج من كلّ شيء إليها، ولقد كان يركع ويسجد كأنه ثوب مطروح.
- أجارت أمّ هانىء بنت أبي طالب الحارث بن هشام يوم الفتح، فدخل عليها عليّ ﵇ فأخذ السيف ليقتله، فوثبت فقبضت على يده، فلم يقدر أن يرفع قدميه من الأرض، وجعل يتفلت منها ولا يقدر، فدخل رسول الله ﷺ فنظر إليها فتبسّم وقال: قد أجرنا من أجرت، ولا تغضبي عليا فإن الله يغضب لغضبه، وقال: يا علي أغلبتك امرأة؟ فقال: يا رسول الله ما قدرت أن أرفع قدمي من الأرض، فضحك النبي ﵇ وقال: لو أنّ أبا طالب ولد الناس لكانوا شجعانا.
- لما قتل المأمون ابن عائشة قال:
أنا النار في أحجارها مستكنّةمتى ما يهجها قادح تتضرّم
- رأى حكيم مدينة حصينة بسور محكم فقال: هذا موضع النساء لا موضع الرجال.
- وقال المنذر بن ماء السماء: حصون العرب الخيل والسلاح؛ وقال الشاعر:
أرى الناس يبنون الحصون وإنّمابقيّة آجال الرجال حصونها
- وقال سعد بن قرط العبقسي:
ولما رأيت الموت لا ستر دونهيحوم على هامات بكر بن وائل
عطفت عليهم مهرة أعوجيّةوناديت عبد القيس دون القبائل
فجاءوا كأسد الغاب في مرجحنّةلها ذمرات بالقنا والمناصل
ففرّجت عن بكر وكانت بحالةمخنقة للقوم ذات غوائل
لأني وبكرا من ربيعة في الذرىإذا خصل الأقوام أهل الفضائل
وقال السنديّ:
ويوم كيوم البعث ما فيه حاكمولا عاصم إلّا قنا ودروع
حبست به نفسي على موقف الردىحفاظا وأطراف الرماح شروع
ولن يستوي عند الملمّات إن عرتصبور على مكروهها وجزوع
- قال سيف بن ذي يزن لأنوشروان حين أعانه بوهرز الديلمي ومن معه: أيها الملك أين تقع ثلاثة آلاف من خمسين ألفا، فقال: يا عربي، كثير الحطب يكفيه قليل النار.
داود بن رزين الواسطي في الرشيد:
أكّال أفئدة الرجال كأنمانضح الدماء بساعديه عبير
يمشي العرضنة في الحروب كأنهأسد لهيبته القلوب تطير
- صمصامة عمرو بن معدي كرب أشهر سيوف العرب، وممن
تمثل به نهشل بن حرى، وأهداه عمرو لخالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله ﷺ على اليمن وقال:
خليلي لم أخنه ولم يخنّيإذا ما صاب أوساط العظام
خليلي لم أهبه من قلاهولكنّ المواهب للكرام
حبوت به كريما من قريشفسرّ به وصين عن اللئام
وودّعت الصفي [صفيّ] نفسيعلى الصمصام أضعاف السلام
فلم يزل في آل سعيد حتى اشتراه خالد بن عبد الله القسري بمال خطير لهشام وكان قد كتب إليه، فلم يزل عند بني مروان، ثم طلبه السفاح والمنصور والمهدي فلم يجدوه، وجدّ في طلبه الهادي حتى ظفر به وأعطاه لأبي الهول الحميري الشاعر، وقد وصفه هو وغيره من الشعراء وقال فيه:
حسام غداة الرّوع ماض كأنهمن الله في قبض النفوس رسول
وكان على الصمصامة كتوبا:
ذكر على ذكر يصول بصارمذكر يمان في يمين يمان
وروي أنه وقع إلى المتوكل فدفعه إلى باغر التركي فقتله به يوم قتل.
- وأشهر منه ذو الفقار كان لمنبّه بن الحجاج فصار صفي
رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، ولم يزل في بني عليّ ﵇ يتوارثونه حتى وقع إلى بني العبّاس. قال الأصمعي: رأيت هارون متقلدا سيفا، فقال لي: يا أصمعيّ ألا أريك ذا الفقار؟ اسلل سيفي هذا، فسللته فرأيت فيه ثماني عشرة فقرة. قال المبرد في كتاب «الاشتقاق»: كانت فيه حزوز مطمئنة شبّهت بفقار الظهر.
وسيوف العرب المسماة كثيرة، ولم أجد فائدة في ذكرها فألغيته، وسترد صفة السيوف والسلاح فيما بعد حيث يليق بها، وهو يغني عن الإشارة إليه ها هنا.
- ابن الرومي.
لم أر شيئا حاضرا نفعهللمرء كالدرهم والسيف
يقضي له الدرهم حاجاتهوالسيف يحميه من الحيف
خوّف عليّ ﵇ من الغيلة فقال: إن عليّ من الله جنّة حصينة، فإذا جاء يومي انفرجت عني، فحينئذ لا يطيش السّهم ولا يبرأ الكلم.
- قال الاسكندر في الحرب: احتل للشمس والريح بأن تكونا لك ولا تكونا عليك؛ حبّب إلى عدوّك الفرار بأن لا تتبعهم إذا انهزموا.
- قال بعض العرب: ما لقينا كتيبة فيها عليّ بن أبي طالب إلا أوصى بعض إلى بعض.
- إبراهيم بن عبد الله بن الحسن في محمد أخيه حين قتل:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنافإنّ بها ما يدرك الطالب الوترا
وإنا لقوم ما تفض دموعناعلى هالك منّا ولو قصم الظهرا
ولست كمن يبكي أخاه بعبرةيعصّرها من جفن مقلته عصرا
ولكنني أشفي فؤادي بغارةتلهّب في قطري كنائنها الجمرا
- أمّ الحباب بنت غالب الكلابيّة:
إذا فزعوا طاروا إلى كلّ شطبةتكاد إذا صلّ اللجام تطير
وزغف مثنّاة دلاص كأنهاإذا أشرجت فوق الكميّ غدير
- لم يشهد أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك بدرا، فلم يزل متحسرا يقول: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيّبت عنه، إن أراني الله مشهدا آخر ليرينّ ما أصنع؛ فلما كان يوم أحد قال: واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، قالت أخته الربيع بنت النضر: فما عرفته إلّا ببنانه.
- لما خرج عبد الله بن رواحة إلى مؤتة قيل له: نسأل الله أن يردّك سالما، فقال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرةوضربة ذات فرغ تنضح الزّبدا
أو طعنة بيدي حرّان مجهزةبحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقولوا إذا مرّوا على جدثيأرشدك الله من غاز وقد رشدا
في وصف جبان: يحسب خفوق الريح قعقعة الرماح؛ فرّ فرار الليل من وضح النهار.
- قيل لأبي مسلم صاحب الدعوة: في بعض الكتب النازلة من قتل بالسيف فبالسيف يموت. فقال: الموت بالسيف أحبّ إليّ من اختلاف الأطبّاء، والنظر في الماء، ومقاساة الداء والدواء؛ فذكر ذلك للمنصور فقال: صادف منيّته كما أحبّ.
- قيل لمحمد بن الحنفية: كيف كان علي ﵇ يقحمك في المآزق ويولجك في المضايق دون الحسن والحسين؟ فقال: لأنهما كانا عينيه وكنت يديه، فكان يقي عينيه بيديه.
- قال ابن شبرمة، قلت لأبي مسلم حين أمر بمحاربة عبد الله ابن علي: أيها الأمير إنك تريد عظيما من الأمور، فقال: يا ابن شبرمة، إنك بحديث تغلق معانيه، وشعر توضح قوافيه، أعلم منك بالحرب، إن هذه دولة قد اطّردت أعلامها، [وامتدت أيامها] وخفقت ألويتها، واتّسعت أفنيتها، فليس لمناويها والطامع فيها يد تنيله شيئا من قوة الوثوب عليها، فإذا تولت مدّتها قدح الوزغ بذنبه فيها.
كان شبيب بن شبّة المنقري أحد الخطباء المصاقع، فأمره
المهدي بقتل رجل من أسارى الروم فأبى، فقال أبو الهول الحميري:
فزعت من الروميّ وهو مقيّدفكيف إذا لاقيته وهو مطلق
فنحّ شبيبا عن قراع كتيبةوأدن شبيبا من كلام يلزّق
فلم يخطب بعد هذا البيت خطبة إلا وفيها اضطراب.
- كان عبد الله بن خازم من الشجاعة بالمكان المشهور، وكان يفرق من الجرذ إذا رآه، ويقال: إن هذه جبلّة موجودة في قوم من الشجعان، فبينا هو عند عبيد الله بن زياد إذا هو بجرذ أبيض دخلوا به للتعجب، فتجمع ابن حازم حتى عاد كأنه فرخ، واصفرّ كأنه جرادة، فقال عبيد الله بن زياد: أبو صالح يعصي الرحمن، ويتهاون بالسلطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي إلى الأسد، ويلقى الرماح بوجهه، وقد اعتراه من جرذ ما ترون، أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير.
- مزرّد:
فقد علمت فتيان ذبيان أننيأنا الفارس الحامي الذمار المقاتل
وأني أردّ الكبش والكبش جامحوأرجع رمحي وهو ريّان ناهل
- جعفر بن علبة:
أرادوا ليثنوني فقلت تجنبواطريقي فما لي حاجة من ورائيا
- وقد أكثر المتنبي من ذكر الشجاعة والحماسة، فأضفت ما اخترته من ذلك بعضه إلى بعض:
أحقّهم بالسيف من ضرب الطّلّىوبالأمر من هانت لديه الشدائد
وكلّ يرى طرق الشجاعة والندىولكنّ طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حويتهلهنّئت الدنيا بأنّك خالد
تبكّي عليهنّ البطاريق في الدجىوهنّ لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلهامصائب قوم عند قوم فوائد
وله أيضا:
كأنّ الهام في الهيجا عيونوقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من همومفما يخطرن إلا في فؤاد
وله أيضا:
وفارس الخيل من خفّت فوقّرهافي الدّرب والدم في أعطافها دفع
وأوحدته وما في قلبه قلقوأغضبته وما في لفظه قذع
لا يعتقي بلد مسراه عن بلدكالموت ليس له ريّ ولا شبع
حتى أقام على أرباض خرشنةتشقى به الروم والصّلبان والبيع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدواوالنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
تهدي نواظرها والحرب مظلمةمن الأسنّة نار والقنا شمع
لا تحسبوا من قتلتم كان ذا رمقفليس تأكل إلا الميت الضبع
من كان فوق محلّ الشمس موضعهفليس يرفعه شيء ولا يضع
وما حمدتك في هول ثبتّ لهحتى بلوتك والأبطال تمتصع
فقد يظنّ شجاعا من به خرقوقد يظنّ جبانا من به زمع
إن السلاح جميع الناس يحملهوليس كلّ ذوات المخلب السبع
: وله أيضا:
وذي لجب لا ذو الجناح أمامهبناج ولا الوحش المثار بسالم
تمرّ عليه الشمس وهي ضعيفةتطالعه من بين ريش القشاعم
ويخفى عليك الرعد والبرق دونهمن الرعد في حافاته والهماهم
أرى دون ما بين الفرات وبرقةضرابا يمشّي الخيل فوق الجماجم
وطعن غطاريف كأن اكفّهمعرفن الردينيّات قبل المعاصم
وقال:
ولو أنّ الحياة تبقى لحيّلعددنا أضلّنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدّفمن العجز أن تكون جبانا
كلّ ما لم يكن من الصعب في الأنفس سهل فيها إذا هو كانا
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع