من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
تسمية أبطال العرب في الإسلام وقاتليهم
قد ذكر المتقدمون فرسان العرب وجعلوهم في طبقات، ولعل العصبية قدّمت عندهم من يستحقّ التأخير والهوى أخّر مستوجب التقديم، وعلى الحقيقة فلم يجتمع القوم في حلبة فيبين السابق من المسبوق، ولا لفّتهم حرب فكشفت البطل من الفروق، والأولى كان أن يذكر الأقدم عصرا فالأقدم، ويجعل أهل
كلّ عصر طبقة، فإن ذلك أسلم من الوقوع في أهوية التعصب، وأبعد من خطاء الهوى والتحزب، وأنا أسمي هاهنا فرسان الإسلام المشهورين زمانا بعد زمان، إذ كانت الأخبار عنهم مضبوطة، وألغي تسمية فرسان الجاهلية اكتفاء بما يجيء من ذكرهم في الباب الموسوم بأخبار العرب إن شاء الله.
- الطبقة الأولى الذين أدركوا الجاهلية والإسلام:
حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف عمّ رسول الله ﷺ، أسد الله، قتل في غزاة أحد، رماه وحشيّ مولى جبير بن مطعم بحربة، ومثلت به قريش، ولاكت هند بنت عتبة بن عبد شمس كبده حنقا على قتله أباها يوم بدر، كان فارس قريش غير مدافع، وبطلها غير منازع، عظم قتله على رسول الله ﷺ ونذر أن يقتل به سبعين رجلا من قريش، وكبّر عليه في الصلاة سبعين تكبيرة.
علي بن أبي طالب واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، آية من آيات النبيّ ﷺ، ومعجزة من معجزاته، مؤيد بالأيد الالهي، كاشف الكرب ومجليها، وموطّد قواعد الإسلام ومرسيها، أجلّ من أن يقاس بغيره من الأبطال، أو يمثّل بسواه من الشجعان، وآثاره وأخباره أشهر من أن ينبّه عليها، وهو المقدّم في الشجاعة على الناس كلهم بلا مرية ولا خلاف، ولو ذكرت بعض مواقفه لضاق عنها كتاب مفرد. قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي غيلة وهو في صلاة الصبح، وقيل: كان داخلا إلى المسجد بالكوفة في الغلس، وذلك في تاسع عشر شهر رمضان سنة أربعين. ومات بعد ثلاث.
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى حواريّ رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم وابن عمته. بطل لا يجارى، وسهم من سهام الله لا يبارى، قتله عمرو بن جرموز التميمي بوادي السباع وقد انصرف من حرب الجمل مقلعا، اغتاله وهو في الصلاة فطعنه في جربّان درعه، ولما لاح عمرو قال مولى الزبير: يا مولاي هذا فارس مقبل. فقال: ما يهولك من فارس؟ قال: إنه معدّ قال: وإن كان معدا. فلما قرب منه قال: وراءك. قال: إنما بعثني من ورائي لأعلم لهم حال الناس، فقال: تركتهم يضرب بعضهم بعضا، فلما أحرم بالصلاة قتله، فقالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل:
غدر ابن جرموز بفارس بهمةيوم اللقاء وكان غير معرّد
خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي سيف الله وسيف رسوله، بطل مذكور في الجاهلية والإسلام. وكان يوم أحد على الخيل خيل المشركين، وهو صاحب أهل الردة. قتل مالك بن نويرة، وفلّ جمع طليحة الأسدي لما تنبأ واشتدت شوكته، وزحف إلى مسيلمة الحنفيّ فكانت وقعة اليمامة، ولم يلق المسلمون مثلها، وقتل فيها عالم من الصحابة رضوان الله عليهم، وقتل مسيلمة لعنه الله، وكان الفتح لخالد. وطعن قوم على خالد منهم عمر بن الخطاب عند أبي بكر ﵁ لما تزوج امرأة مالك بن نويرة بعد قتله وأنكروا فعله وأكبروه، فقال أبو بكر: لا أغمد سيفا سلّه الله على أعدائه. وخالد الذي فتح دمشق وأكثر بلاد الشام، وله وقائع عظيمة في الروم أيّد الله بها الإسلام، مات على فراشه، وكان يقول: لقد شهدت كذا وكذا زحفا وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه أثر من طعنة أو ضربة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي فلا نامت عين الجبان. ويروى أنه عدّ بجسده ثمانون ما بين طعنة وضربة، فأما السهام فلم تكن تحصى، وكان يقول: ما ليلة أسرّ من ليلة
يهدى إليّ فيها عروس إلا ليلة أغدوا في صبيحتها إلى قتال عدو. وهو صاحب وقعة اليرموك، وكان الروم في ثلاثمائة ألف.
عمرو بن معدي كرب الزبيدي: فارس من قدماء الفرسان جاهلي، له في الجاهلية مواقف مذكورة، وأسلم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام، وشهد حروب الفرس وكان له فيها أثر ونكاية، وكان موصوفا بالأيد، وقد ذكر بعض أوصافه في غير هذا المكان، وعمّر حتى ضعف وارتعش، قيل: قتل بنهاوند في وقعة الفرس، وقيل: بل مات حتف أنفه، وكان بعيد الصوت مهيب اللقاء، وهو أشهر الفرسان ذكرا. وهو معدود في الشعراء المبرزين.
طليحة الأسدي: من أكبر الشجعان جاهلية وإسلاما، أسلم ثم ارتد فتنبأ، وجمع جمعا عظيما وأغواهم، وكان يتكهن، ففلّ ذلك الجمع خالد بن الوليد، وعاد طليحة إلى الإسلام وشهد حرب القادسية وغيرها من الفتوح، وكانت له فيها آثار ومواقف.
سعد بن أبي وقاص الزهري، واسم أبي وقاص مالك: كان فارسا بطلا راميا، وهو أول من رمى في سبيل الله، ولما تخير عمر ﵁ من الصحابة من يؤمّره على قتال الفرس واستشار فيه قيل له: هو الليث عاديا سعد بن مالك، فبعثه حتى فتح العراق، ولما قتل عثمان اعتزل ولم يشهد الحرب بعده ومات حتف أنفه.
أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري الذي أخذ سيف رسول الله ﷺ بحقّه لما عرضه على الجماعة، وخرج أبو دجانة به وقد أعلم يتبختر بين الصفين، فقال ﷺ: انها لمشية يبغضها الله إلّا في هذا الموضع.
المثنى بن حارثة الشيباني هو أول من افتتح حرب الفرس في قلّ من قومه.
أبو عبيد بن مسعود الثقفي قاتل الفيل يوم قسّ الناطف في حرب القادسيّة، وقد مضى خبره، وفيه كرّ الفيل عليه فقتله.
عمّار بن ياسر صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله: قال فيه ﷺ: لا تؤذوني في عمار فعمار جلدة ما بين عينيّ، وقال فيه: الحقّ يدور مع عمار حيث دار، وأخبر أنه تقتله الفئة الباغية فقتل بصفين مع عليّ ﵇.
بديل بن ورقاء.
هاشم بن عتبة: من أكابر الشجعان، صاحب راية عليّ ﵇ بصفين، وله فتح جلولاء، وهي الوقعة المشهورة مع الفرس.
مالك بن الحارث النخعي الأشتر: مات مسموما في شربة من عسل، فقال معاوية: إن لله جنودا منها العسل.
القعقاع بن عمرو طاعن الفيل في عينه يوم القادسيّة.
أيام بني أمية: الطبقة الثانية:
عبد الله بن الزبير بن العوام: معروف بالأيد والبسالة والاقدام وهو قاتل جرجير ملك افريقية، وكان يرى أنه أشجع أهل عصره، قتله الحجاج بعد أن حوصر بمكة وأسلمه أصحابه وعشيرته، وصلبه، ويقال: أعرق العرب في القتل عمارة بن حمزة بن عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد، قتل عمارة وحمزة يوم قديد، قتلتهما الاباضية الخوارج، وقتل الحجاج عبد الله بن الزبير، وقتل عمرو بن جرموز الزبير، وقتلت بنو كنانة العوام، وقتلت خزاعة خويلدا.
أبو هاشم محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية: كان أبوه يلقيه في البهم ويتقي به العظائم، وكان شديد الأيد ذا بأس عظيم، وكان ابن الزبير مع تقدمه في الشجاعة والنجدة يحسده ويعتريه أفكل إذا سمع ذكره، مات حتف أنفه بشعب رضوى.
عبد الله بن خازم السلمي والي خراسان: كبش مضر، قريعها وفارسها في عصره، قتله وكيع بن أبي سود الغداني بخراسان في الفتنة.
وكيع بن أبي سود الغداني قاتل عبد الله بن خازم: شجاع فاتك أهوج، ولي خراسان لما قتل عبد الله بن خازم ولم يضبط الأمر لهوجه، مات حتف أنفه.
مصعب بن الزبير: شجاع بطل جواد، جاد بماله وبنفسه، عرض عليه الأمان وولاية العراقين وقد خذله أصحابه وبقي في نفر، فأبى أن يقبل وطلب أن يمضي حميدا كريما، قتله عبيد الله بن زياد بن ظبيان في الحرب التي
كانت بينه وبين عبد الملك بن مروان بمسكن.
عبيد الله بن ظبيان قاتل مصعب: بطل فتاك مقدام.
عمير بن الحباب السلمي فارس الإسلام: قتلته بنو تغلب بجانب الثرثار في الحرب التي كانت بينهم وبين قيس، وفي ذلك يقول الأخطل:
لعمري لقد لاقت سليم وعامرعلى جانب الثرثار راغية البكر
وفيه قال للجحاف السلمي:
ألا سائل الجحاف هل هو ثائربقتلى أصيبت من سليم وعامر
فحمي الجحاف وجمع جمعا فأغار على بني تغلب بالبشر، وهو ماء لهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة وبقر بطون النساء، فقال الأخطل:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعةإلى الله منها المشتكى والمعوّل
فإن لم تغيرها قريش بحملهايكن عن قريش مستراد ومرحل
شعيب بن مليل التغلبي: قتله عمير بن الحباب يوم قتل عمير وقطعت رجله، فقاتل وهو يقول:
قد علمت قيس ونحن نعلمأنّ الفتى يفتك وهو أجذم
ولما رآه عمير صريعا قال: من سرّه أن ينظر إلى الأسد معقورا فلينظر إلى شعيب.
إبراهيم بن مالك بن الحارث: وهو ابن الأشتر الآخذ بثأر الحسين ابن علي، لقي عبيد الله بن زياد في أربعة آلاف رجل، وعبيد الله في سبعين ألفا، فقتله بيده، وهزم جيشه، وحارب مع مصعب حتى لم يبق سواهما، وبذل له الأمان والولاية على أيّ بلد شاء فلزم الوفاء لمصعب، وقتل أمامه يوم مسكن.
مسلمة بن عبد الملك بن مروان: فحل بني أمية وفارسها وقريعها ووالي حروبها، مات حتف أنفه، جلس يقضي بمصر بين الناس فكلّمته امرأة فلم يقبل عليها فقالت. ما رأيت أقلّ حياء من هذا قطّ، فكشف عن ساقه فإذا فيها أثر تسع طعنات، فقال لها: هل ترين أثر هذا الطعن؟ والله لو أخّرت رجلي قيد شبر ما أصابتني واحدة منهنّ، وما منعني من تأخيرها الا الحياء، وانت تنحليني قلّته.
أحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي.
عبيد الله بن الحر الجعفي: شاعر شجاع فاتك، كان لا يعطي الأمراء طاعة، له وقائع عظيمة هائلة، قتل وقد تفرّق أصحابه في بعث وبقي في عشرة، صرعه أبو كدينة الباهلي، ثم إنه ألقى نفسه في سفينة ليعبر الفرات فعالجه الملاح فاتّحدا فغرقا جميعا.
جحدر بن ربيعة العكلي: لص فاتك شاعر أعيا الحجاج حتى احتال له فحصل عليه وحبسه، ثم اصطاد سبعا ضاريا وجعله في حفيرة وألقى جحدرا عليه مقيّدا وبيده سيف، فقتل الأسد وقال:
ليث وليث في مجال ضنككلاهما ذو أنف ومحك
فأطلقه الحجاج، ومات حتف أنفه.
المهلب بن أبي صفرة، واسمه ظالم، وأولاده كلهم أنجاد أبطال، وأشهرهم بالنجدة المغيرة، وكان المهلب يجمع إلى النجدة والبسالة الرأي والحزم، وله في الحرب مكايد مشهورة، وصبر مسلّم إليه غايته، ووقائعه في الخوارج أبادتهم بعد أن كانوا استولوا على المسلمين. وكان سيدا كريما، وهو أزديّ عتكي، مات حتف أنفه، وكذلك ابنه المغيرة، وفيه يقول زياد الأعجم:
مات المغيرة بعد طول تعرّضللقتل بين أسنّة وصفائح
القتّال الكلابي واسمه عبد الله بن المجيب بن المضرحيّ، يكنى أبا المسيب، وقيل اسمه عبادة، وقيل عتبة: بطل فاتك جنى جناية فخافها، فأقام في عماية، وهو جبل، عشر سنين يأكل من صيده، وألفه نمر هناك فكان رفيقه.
وكان في الخوارج فوارس مشهورون لا تلبث لهم الرجال وذكرهم يطول ويخرج عما أردناه فمنهم:
أبو بلال مرداس خرج في أربعين فهزم الفين.
وشبيب الخارجيّ الذي غرق في الفرات وكان أصحابه لا يبلغون ألفا، نذرت امرأته غزالة أن تصلّي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ في إحداهما البقرة وفي الثانية آل عمران، فعبر بها جسر الفرات وأدخلها الجامع، ووقف على بابه يحميها حتى وفت بنذرها، والحجاج بالكوفة في خمسين ألفا.
ومنهم قطري بن الفجاءة [المازني]: قتل في بعض الوقائع بين الخوارج والمهلب، وكان قطري رأس الخوارج، وخاطبوه بامرة المؤمنين وعظموه وبجّلوه، ويكنى أبا نعامة، وأشعاره في الشجاعة تدلّ على مكانه منها.
الدولة الهاشمية: الطبقة الثالثة:
معن بن زائدة الشيباني: قتلته الخوارج بسجستان في أيام المهدي.
يزيد بن مزيد الشيباني.
الوليد بن طريف الشيباني الخارجي: قتله يزيد بن مزيد، وخرجت أخته لتثأر به فضرب يزيد قطاة فرسها وقال: اغربي فقد فضحت العشيرة.
إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن: قتل بباخمرى في الوقعة بينه وبين عيسى بن موسى، والمنصور وراءه، وأتاه سهم غرب بعد أن ظفر وكسر الجيش.
عمر بن حفص هزارمرد، وهو حفص بن عثمان بن قبيصة أخي المهلب، قيل إنه كان يتصيد فتبع حمار وحش، وما زال يركض إلى أن حاذاه، فجمع جراميزه ووثب من الفرس فصار على ظهره، وما زال يحزّ عنقه بسيف أو سكين في يده حتى قتله.
أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي: فارس بطل شاعر مغنّ نديم جامع لما تفرق في غيره، طعن فارسين رديفين فأنفذهما، وقتل قرقورا
الشاري، وكان من المشهورين بالشدة، وجاء برمحه يحمله أربعة نفر.
المعتصم أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد: فارس بني العبّاس وأشدهم بأسا، طعنه رجل مرة فأمال ظهره في الرمح فقصفه، وكان يسمي ما بين سبابته والوسطى «المقطرة»، واعتمد به على عضد رجل فكسره، وكان يشدّ يده على كتابة الدينار فيمحوها، ويأخذ العمود الحديد فيلويه حتى يصير طوقا في العنق، وهمته في فتوحه تناسب شدّته في جبلّته.
بكر بن النطاح الحنفي: فاتك شاعر نجد، له خبر مع أبي دلف يدلّ على حميته ونجدته، لم يزل معه يمتدحه ويحارب بين يديه حتى مات.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع