تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

أخبار في هذا الباب

قال قتيبة: إنّ الحريص ليتعجّل الذلّة قبل إدراك البغية.

- وقيل: لا راحة لحريص ولا غنى لذي طمع.

- وقال جعفر بن محمد: ثمرة القناعة الراحة.

- وقال عليّ بن موسى: القناعة تجمع إلى صيانة النفس وعزّ القدرة طرح مؤن الاستكثار والتعبّد لأهل الدنيا. ولا يسلك طريق القناعة إلّا رجلان:

إمّا متقلّل يريد أجر الآخرة، أو كريم يتنزّه عن لئام الدنيا.

- وقالوا: الراضي القانع يعيش آمنا مطمئنا، مستريحا مريحا؛ والشّره الحريص لا يعيش إلّا تعبا نصبا في خوف وأذى.

- قال عبيد الله بن زياد بن ظبيان: إياكم والطمع فإنه يردي، والله لقد هممت أن أفتك بالحجاج، فإني لواقف على بابه بدير الجماجم إذا أنا بالحجاج قد خرج على دابة ليس معه غير غلام، فأجمعت على قتله، فكأنه عرف ما في نفسي فقال: ألقيت ابن أبي مسلم؟ قلت: لا، قال: فالقه، فإنّ عهدك معه على الريّ. قال: فطمعت وكففت عنه، وأتيت يزيد بن أبي مسلم فسألته فقال: ما أمرني بشيء.

قال بعض الأعراب:

أريد أن أبقى ويبقى ولديوأن تدوم صحّتي وجلدي
موفّرا عليّ ما تحوي يديوهذه أمانيات الفند

- وقال كلثوم بن عمرو العتّابي:

تلوم على ترك الغنى باهليّةزوى الدهر عنها كلّ طرف وتالد
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
رأت حولها النسوان يرفلن في الكسىمقلّدة أجيادها بالقلائد
أسرّك أني نلت ما نال جعفرمن المال أو ما نال يحيى بن خالد
وأنّ أمير المؤمنين أغصّنيمغصّهما بالمشرقات البوارد
ذريني تجئني ميتتي مطمئنّةولم أتجشّم هول تلك الموارد
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
فإنّ جسيمات الأمور منوطةبمستودعات في بطون الأساود

- صحب أعشى همدان، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، خالد بن عتّاب بن ورقاء فقصّر به في العطاء، وأعطى الناس عطايا جعله في أقلّها، وفضّل عليه آل عطارد، فقال من أبيات:

ما كنت ممّن ألجأته خصاصةإليك ولا ممّن تغرّ المواعد
ولكنّها الأطماع وهي مذلّةدنت بي وأنت النازح المتباعد
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة

قال المدائني: أبطأ على رجل من أصحاب الجنيد بن عبد الرحمن ما قبله وهو على خراسان، وكان يقال للرجل: زامل بن عمرو، من بني أسد بن خزيمة. فدخل على الجنيد يوما فقال: أصلح الله الأمير، قد طال انتظاري، فإن رأى الأمير أن يضرب لي موعدا أنتهي إليه فعل، قال: موعدك الحشر. فخرج زامل وارتحل متوجها إلى أهله. ودخل على الجنيد بعد ذلك رجل من أصحابه فقال:

أرحني بخير منك إن كنت فاعلاوإلّا فميعاد كميعاد زامل

فقال: وما فعل زامل؟ قال: لحق بأهله. فأبرد الجنيد في أثره بريدا، وبعث بعهده على الكورة التي يدرك بها، فأدرك بنيسابور فوليها.

- وفد الوليد بن عقبة إلى معاوية، فقيل له: هذا الوليد بن عقبة بالباب فقال: والله ليرجعنّ مغيظا غير معطى، فإنه قد أتانا يقول: عليّ دين وعليّ كذا وكذا. يا غلام إيذن له. فأذن له، فساءله معاوية وتحدّث معه فقال له: أما والله إن كنّا لنحبّ إتيان مالك بالوادي وقد أعجب أمير المؤمنين، فإن رأيت أن تهبه ليزيد فعلت، قال الوليد: هو ليزيد. انظر يا أمير المؤمنين في شأني، فإنّ عليّ مؤونة وقد أرهقني دين، فقال له معاوية: ألا تستحيي بحسبك ونسبك تأخذ ما تأخذه فتبذره ثم لا تنفكّ تشكو دينا؟! فقال الوليد: أفعل، ثم انطلق من مكانه وصار إلى الجزيرة وقال:

تأبى فعال الخير لاتروى وأنت على الفرات
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
فإذا سئلت تقول لاوإذا سألت تقول هات
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
أفلا تميل إلى «نعم»أو ترك «لا» حتى الممات؟
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة

وبلغ معاوية مقدمه إلى الجزيرة فخافه وكتب إليه أن أقبل إليّ، فكتب إليه:

أعفّ وأستغني كما قد أمرتنيفاعط سواي ما بدا لك وانحل
سأحدو ركابي عنك إنّ عزيمتيإذا نابني أمر كسلّة منصل
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
وإني امرؤ للرأي مني تطرّبوليس شبا قفل عليّ بمقفل

ورحل إلى الحجاز، فبعث إليه معاوية بصلته وجائزته.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.