من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
عروة بن أذينة والرزق
- خرج عروة بن أذينة إلى هشام بن عبد الملك في قوم من أهل المدينة وفدوا عليه، وكان ابنه مسلمة بن هشام سنة حجّ أذن لهم في الوفود عليه. فلما دخلوا على هشام انتسبوا له، فقال له: ما جاء بك يا ابن أذينة؟ فقال:
أتينا نمتّ بأرحامناوجئنا بإذن أبي شاكر
بإذن الذي سار معروفهبنجد وغار مع الغائر ضإلى خير خندف في ملكها
لباد من الناس أو حاضر
فقال له هشام: ما أراك إلّا قد أكذبت نفسك حيث تقول:
لقد علمت وما الإشراف من خلقيأنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
فقال له ابن أذينة: ما أكذبت نفسي يا أمير المؤمنين، ولكني صدقتها وهذا من ذاك. ثم خرج من عنده وركب راحلته راجعا إلى المدينة، فلما أمر لهم هشام
بجوائزهم تفقدهم فقال: أين ابن أذينة؟ فقالوا: غضب من تقريعك له فانصرف راجعا إلى المدينة. فبعث إليه بجائزته وقال للرسول: قل له قد أردت أن تكذبنا وتصدّق نفسك. فمضى الرسول فلحقه على ماء يتغدّى عليه فأبلغه رسالته ودفع إليه الجائزة فقال: قال له: قد صدقني الله وكذبك.
وبيت عروة الذي واقفه هشام عليه من قصيدة مختارة وبعده:
أسعى له فيعنّيني تطّلبهولو جلست أتاني لا يعنّيني
لا خير في طمع يدني إلى طبعوغفّة من قوام العيش تكفيني
لا أركب الأمر تزري بي عواقبهولا يعاب به عرضي ولا ديني
كم من فقير غنيّ النفس تعرفهومن غنيّ فقير النفس مسكين
ومن عدوّ رماني لو قصدت لهلم آخذ النّصف منه حين يرميني
ومن أخ لي طوى كشحا فقلت لهإنّ انطواءك عني سوف يطويني
إني لأنظر فيما كان من أربيوأكثر الصمت فيما ليس يعنيني
لا أبتغي وصل من يبغي مقاطعتيولا ألين لمن لا يبتغي ليني
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع