تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

المشورة عند اليونان والفرس

- وقالت الفرس: ينبغي أن يكون المستشار صحيح العلم، مهذّب الرأي، فليس كلّ عالم عارفا بالرأي الصائب، وكم نافذ في شيء ضعيف في غيره. وقد يكون المستشار مستقيم الرأي، سديد التدبير، فتعرض له آفة أخرى:

إما في خليقته ومقاصده، فلا يكون صوابه ملائما لما هو صواب للملك، أو يكون مائلا بهواه فيما استشير فيه إلى نفع صديق أو ضرّ عدوّ. ومثال الأول: أن يكون بخيلا فيحسّن البخل لحسنه عنده، أو جبانا فيشير بما يدعوه إلى الجبن، أو يكون مبذرا أو متهوّرا فبالضدّ. فإذا عرف الملك سلامة المستشار من هذه الشوائب وسمع مشورته، طالبه بالدليل على الصواب، فإذا أتى بالحجة عرضه الملك على رأيه، ووزنه بعقله. فإذا طابق الصواب عنده عمل به. وإلى هذا المعنى ذهب الشاعر بقوله، وهي تروى لأبي الأسود الدؤلي واسمه الحارث بن ظالم:

وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحهوما كلّ مؤت نصحه بلبيب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أمنت على السر امرء غير حازم»
ولكن إذا ما استجمعا عند واحدفحقّ له من طاعة بنصيب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أمنت على السر امرء غير حازم»

- وكان اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على الأمر يستشيرون فيه، إنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به، لمعان شتّى منها:

لئلّا يقع بين المشاورين منافسة تذهب أصالة الرأي وصحة النظر فيه، لأنّ من طباع المشتركين في الأمر التنافس والتغالب والطعن من بعضهم على بعض، وربما أشار أحدهم بالرأي الصواب وسبق إليه فحسده الآخرون وتعقّبوه بالاعتراض والتأويل والتهجين، وكدّروه وأفسدوه، وشبّهوا الباطل بالحقّ ليصيّروا حقّه باطلا. وفي اجتماعهم أيضا على المشورة تعريض السرّ للإذاعة والإشاعة، فإن كان ذلك لم يستطع الملك المقابلة على كشف سرّه لأنه لا يعلم أيّهم جنى فيه، فإن عاقب الكلّ عاقب بريئا بذنب مجرم، وإن عفا عنهم ألحق الجاني بمن لا ذنب له.

وقالت الفرس: إنما يراد الاجتماع والكثرة والتناصر في الأمور التي تحتاج إلى القوة، أو ما يخشى فيه الخيانة، فأما الآراء والأمور الغامضة فإنّ الاجتماع يفسدها، ويولّد فيها التضاغن والتنافس، وربما انقبض أحدهم عن تقسيم الآراء وذكر ما يعترض فيها لما يتخوّفه من منافسة ومشاحنة. وإنما يكون الرأي في الجفلى إذا خلصت النيّات وصفت، فحينئذ تقع المجاراة فيه والتعارض حتى يصفو ويخلص ويتّضح ولا يبقى فيه مراء ولا شكّ، وذلك في الأمر الذي يعمّ ضرره ونفعه للجماعة مثل القبيلة أو العصبة إذا حزبهم أمر يخافون من تضييع الحزم فيه بآفة تعمّهم، فإنهم حينئذ يدعون التحاسد والتنافس، ويقبلون الصواب ممّن جاء به منهم لأنّ صلاح ذلك يعمّهم والخطأ فيه يشملهم.

- وقال ابن المقفع: اعلم أنّ المستشار ليس بكفيل، وأنّ الرأي ليس بمضمون، بل الرأي كلّه غرر لأنّ أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة، وليس شيء من أمرها يدركه الحازم إلّا وقد يدركه العاجز؛ بل ربما أعيا الحزمة وأمكن

العجزة. فإذا أشار عليك صاحبك برأي ثم لم تحمد عاقبته فلا تجعلنّ ذلك عليه لوما وعذابا بأن تقول: أنت فعلت هذا بي، وأنت أمرتني، ولولا أنت ولا جرم لا أطعتك، فإنّ هذا كلّه ضجر ولؤم وخفّة. وإن كنت أنت المشير فعمل برأيك أو ترك فبدا صوابه فلا تمنن عليه، ولا تكثرنّ ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلم عليه إن كان استبان في تركه ضرر، وتقول: ألم أفعل؟ ألم أقل؟ فإنّ ذلك مجانب لأدب الحكماء.

- قال أفلاطن: إذا استشارك عدوّك فجرّد له النصيحة لأنه بالاستشارة قد خرج من عداوتك إلى موالاتك.

- وقيل: إذا أردت أن تعرف الرجل فشاوره، فإنك تقف من مشاورته على جوره وعدله، وحبّه وبغضه، وخيره وشرّه.

- وقيل: من طلب الرّخص من النّصحاء عند المشاورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن العلماء عند الشّبهة، أخطأ منافع الرأي، وازداد في المرض، وحمل الوزر في الدين.

- وقيل: من بذل نصيحته واجتهاده لمن لا شكر له فإنما هو كمن بذر بذرة في السباخ، أو أشار على المعجب، أو سارّ الأصمّ.

- وكان ابن هبيرة يقول: إياك وصحبة من غايته خاصّة نفسه،

والانحطاط في هوى مستشيره، وهو من لا يلتمس خالص مودّتك إلّا بالتأتي لموافقة شهوتك، ومن يساعدك على سرور ساعتك ولا يفكّر في حوادث غدك.

- كتب الحجاج إلى المهلّب يعجله في حرب الأزارقة، فكتب إليه المهلب: إنّ البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره.

- وكان عبد الله بن وهب الراسبيّ متقدّما في الخوارج، من ذوي آرائهم، وكان يقول: إنّ الرأي ليس بنهبى، وخمير الرأي خير من فطيره.

وربّ شيء غابّه خير من طريّه، وتأخيره خير من تقديمه. وقيل له يوم عقدت له الخوارج: تكلّم، فقال: ما أنا والرأي الفطير والكلام القضيب. وكان يقول: نعوذ بالله من الرأي الدّبريّ، وهو الذي يعرض بعد وقوع الشيء.

- قال جرير:

ولا يعرفون الشرّ حتى يصيبهمولا يعرفون الأمر إلّا تدبّرا

- ويقال: أناة في عواقبها درك خير من معاجلة في عواقبها فوت.

- وأنشد الرياشي:

وعاجز الرأي مضياع لفرصتهحتى إذا فات أمر عاتب القدرا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

- وللقطامي:

وخير الأمر ما استقبلت منهوليس بأن تتبّعه اتباعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

- ويقال: من لم ينفعك ظنّه، لم ينفعك يقينه.

- وقال عبد الله بن الزبير: لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه.

- وقال أوس بن حجر:

الألمعيّ الذي يظنّ لك الظنّ كأن قد رأى وقد سمعا

- وقال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في ابن عباس: إنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.

- وقال الشاعر:

تجلّلته بالرأي حتى أريتهبه ملء عينيه مكان العواقب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

ب- آخر:

بصير بأعقاب الأمور كأنماتخاطبه من كلّ أمر عواقبه

- وقال آخر:

من النفر المدلين في كلّ حجّةبمستحصد من جولة الرأي محكم
للشاعر العجير السلولي، اقرأ القصيدة

- كان معاوية يقول: لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم أنّ في قلبه عليّ ضغنا، فأستشيره، فيثور إليّ منه بقدر ما يجد في نفسه، فما يزال يوسعني شتما وأوسعه حلما حتى يرجع صديقا أستنجده فينجدني.

- وقال جعفر بن محمد: من استشار لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا.

- وأحسن ابن الروميّ في وصف ذي رأي محكم بقوله:

تراه عن الحرب العوان بمعزلوآثاره فيها وإن غاب شهّد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»
كما احتجب المقدار والحكم حكمهعن الناس طرّا ليس عنه معرّد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»

- ومن كلام لعبد الله بن المعتز: مشاورة المشفق الحازم ظفر، ومشاورة المشفق غير الحازم خطر. ومنه: المشورة راحة لك وتعب على غيرك.

- وقال الأحنف: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى

يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المضلّ حتى يجد، ولا الراغب حتى ينجح.

- ومن الآراء قول الأحنف لأبي موسى لما حكّم: يا أبا موسى، إنّ هذا الأمر له ما بعده من عزّ الدنيا أو ذلّها آخر الدهر. ادع القوم إلى طاعة عليّ فإن أبوا فادعهم إلى أن يختار أهل الشام من قريش العراق من أحبّوا، وإياك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه بنيّة، أو أن يقعدك على صدر المجلس، فإنها خديعة، وأن يضمّك وإياه بيت يكمن لك فيه الرجال. ودعه فليتكلّم لتكون عليه بالخيار، فإنّ البادىء مستغلق، والمجيب ناطق. فعمل أبو موسى بخلاف ما أشار به، فقال له والتقيا بعد ذلك: أدخل والله قدميك في خف واحد.

وقال قتيبة بن مسلم في الرأي: إذا تخالجتك الأمور فاستقلّ بأعظمها خطرا، فإن لم يستبن فأرجاها دركا، فإن اشتبهت عليك فأحراها أن لا يكون لها مرجوع عليك.

- قال الفضل بن سهل: الرأي يسدّ ثلم السيف، والسيف، لا يسدّ ثلم الرأي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.