من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أقوال في العقل والحمق
- والمثل يضرب في حمق هبنّقة القيسيّ، واسمه يزيد بن ثروان وكنيته أبو نافع، شرد له بعير فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له أتجعل في بعير بعيرين؟ قال: إنكم لا تعرفون فرحة الوجدان.
- قيل: أحقّ الناس بالرحمة ثلاثة: عاقل قد نفذت عليه أحكام جاهل، وبرّ سلّط عليه فاجر، وكريم عرضت له حاجة إلى لئيم. ومنه قول الأعشى:
حسب الكريم مذلّة ومسبّةأن لا يزال إلى لئيم يرغب
قال أبو تمام الطائي: قلت لأعرابيّ أيسرّك أنك جاهل ولك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قلت: ولم؟ قال: لأنّ يسر الجاهل شين، وعسر العاقل زين، وما افتقر رجل صحّ عقله.
وقال الأحنف: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وبرّ من فاجر، وشريف من دنيء.
- وقال أعرابي: العاقل حقيق أن يسخّي نفسه عن الدنيا علمه بأن
لا ينال منها شيئا إلّا قلّ إمتاعه به، ويكثر عناؤه فيه، وتشتد مرزئته عند فراقه، وتعظم التّبعة فيه بعده.
- قال وهب بن منبه، كان يقال: الأحمق إذا تكلّم فضحه حمقه، وإذا سكت فضحه عيّه، وإذا عمل أفسد، وإذا ترك أضاع، لا علمه يغنيه، ولا علم غيره ينفعه. تودّ أمه أنها ثكلته، وتتمنّى امرأته أنها عدمته، ويتمنّى جاره منه الوحدة، وتأخذ جليسه منه الوحشة.
- وقال أفلاطن: الخصال رعيّة القلب، فعلى حسب قوّة تدبير العقل صلاح الخصال وفسادها. وللعقل تدبير ظاهر وباطن، فمن ظاهره الحياء وحسن البشر، ومن باطنه الوفاء والحلم.
- وقال آخر: العقل صديق مقطوع، والهوى عدوّ متبوع.
- قالت الحكماء: العلم قائد، والعقل سائق، والنفس ذود، فإذا كان قائد بلا سائق هلكت، وإن كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا، فإذا اجتمعا أجابت طوعا وكرها.
دخل رجل على سليمان بن عبد الملك فتكلّم عنده بكلام أعجب سليمان، وأراد أن يختبره وينظر: أعقله على قدر كلامه أم لا؛ فوجده مضعوفا فقال: فضل العقل على المنطق حكمة، وفضل المنطق على العقل هجنة، وخير الأمور ما صدّق بعضها بعضا، وأنشد:
ما المرء إلّا الأصغران لسانهومعقوله والجسم خلق مصوّر
فإن تر منه ما يروق فربّماأمرّ مذاق العود والعود أخضر
- وقال الحسن البصري: لو كان الناس كلّهم عقول خربت الدنيا.
- وقال زياد: ليس العاقل الذي إذا وقع في الأمر احتال له، ولكنّ العاقل يحتال للأمر حتى لا يقع فيه.
- وقيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغك الجنّة وعدل بك عن النار. قال السائل: ليس هذا أريد، قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع، ومن لم يحسن أن يسمع، لم يحسن أن يسأل، ومن لم يحسن أن يسأل لم يحسن أن يقول. قال: ليس هذا أريد؛ قال: قال النبي ﷺ:
إنّا معشر الأنبياء بكاء، أي قليلو الكلام، وهو جمع بكيء، وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله. قال السائل ليس هذا أريد. قال: فكأنك تريد تحبير اللفظ في حسن إفهام، قال: نعم، قال: إنك إن أردت تقرير حجة الله في عقول المتكلمين، وتخفيف المؤونة عن المستمعين، وتزيين المعاني في قلوب
المستفهمين، بالألفاظ الحسنة، رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الناطقة عن الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب.
سأل الحسن بن سهل عليّ بن عبيدة فقال له: من الحاكم على الملوك؟
قال: أهل الآراء والعقول (وتمام الكلام من غير هذا الباب).
قيل: نفور العالم من الجاهل أشدّ من نفور العالم من الجهل.
- أعرابي: لولا ظلمة الخطأ ما أشرق نور الصواب.
قيل لبزرجمهر: لم لا تعاتبون الجهلة؟ قال: لأنّا لا نريد من العميان أن يبصروا.
- عمرو بن أعبل التميمي:
وإنّ عناء أن تفهّم جاهلافيحسب جهلا أنه منك أفهم
متى يبلغ البنيان يوما تمامهإذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
- حدّث شريك فقال عافية القاضي: ما سمعنا بهذا الحديث، فقال شريك: وما يضرّ عالما أن جهل جاهل؟! - قال عيسى ﵇: عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما، وعالجت الأحمق فأعياني.
- كان شريح يقول: لأن أزاول أحمق أحبّ إليّ من أن أزاول نصف الأحمق قيل: يا أبا أمية، ومن نصف الأحمق؟ قال: الأحمق المتعاقل.
- شاعر
لكلّ داء دواء يستطبّ بهإلّا الحماقة أعيت من يداويها
- آخر:
أبا جعفر إنّ الجهالة أمّهاولود وأمّ العقل جدّاء حائل
الأدب صورة العقل فحسّن صورة عقلك كيف شئت.
ابن السماك: أعقل الناس محسن خائف، وأجهلهم مسيء آمن.
قال حكيم: من أعجب الأشياء جاهل يسلم بالتهوّر، وعاقل يهلك بالتوقّي.
وقيل: العقل بلا أدب فقر، والأدب بغير عقل حتف. العقل يحتاج إلى مادة الحكمة كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الأطعمة.
- قال الحسن: ثلاثة أشياء تذهب ضياعا: دين بلا عقل، ومال بلا بذل، وعشق بلا وصل.
قال زياد: الحديث أسمعه من عاقل أحبّ إليّ من سلافة فتقت بماء ثغب في يوم ذي وديقة.
- أبو ذرّ عن النبي ﷺ: يوشك أن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع.
- فيلسوف: إفراط العقل مضرّ بالجد.
- وقال النبي ﷺ: إنّ في كلّ أمّة محدّثين أو مروّعين، فإن يكن في هذه الأمة أحد فإن عمر منهم. (المحدّث المصيب في حديثه كأنما حدّث بالأمر، والمروّع الذي يلقى الأمر في روعه).
- محمد بن علي الصيني في طاهر بن الحسين:
كأنّك مطّلع في القلوبإذا ما تناجت بأسرارها
فكرّات طرفك ممتدّةإليك بغامض أخبارها
- ابن المعتز:
تفقّد مساقط لحظ المريبفإنّ العيون وجوه القلوب
وطالع بوادره في الكلامفإنك تجني ثمار الغيوب
- قال فيلسوف: عقل الغريزة سلّم إلى عقل التجربة.
- قال أعرابيّ: لو صوّر العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صوّر
الحمق لأضاء معه الليل.
الهيثم بن القاسم الخثعمي:
قد يرزق الأحمق المرزوق في دعةويحرم الأحوذيّ الأرحب الباع
كذا السّوام تصيب الأرض ممرعةوالأسد منزلها في غير إمراع
والناس من كان ذا مال وسائمةمدّوا إليه بأبصار وأسماع
- قيل لحكيم: متى عقلت؟ قال: حين، ولدت. فلما رأى إنكارهم قال: أما أنا فقد بكيت حين جعت، وطلبت الثّدي حين احتجت، وسكتّ حين أعطيت؛ يعني من عرف مقادير حاجاته فهو عاقل. وهذا كلام فاسد لأنّ ضرورات البدن والجوع والعطش يدركها العاقل والجاهل والبهائم وكلّ ذي روح، والطفل لا يعقل مقادير حاجاته.
- قال الحجاج لابن القريّة: من أعقل الناس؟ قال: الذي يحسن المداراة مع أهل زمانه.
- حكيم: العقل والتجربة في التعاون بمنزلة الماء والأرض، لا يطيق أحدهما دون الآخر إنباتا.
- إذا غلب العقل الهوى صرف المساوىء إلى المحاسن، فجعل البلادة حلما، والحدّة ذكاء، والمكر فطنة، والهذر بلاغة، والعيّ صمتا، والعقوبة أدبا، والجبن حذرا، والإسراف جودا.
- قال أردشير بن بابك: أربعة تحتاج إلى أربعة: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودّة، والعقل إلى التجربة.
قال ابن الأعرابي: قلت لشيخ من قريش: من علّمك كذا؟ قال:
علّمني الذي علّم الحمامة على بلهها تقليب بيضها كي تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من الحضن.
قال النظام: ثلاثة تخلق العقل: طول النظر في المرآة، والاستغراب في الضحك، ودوام النظر في البحر.
- المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهوأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع