تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

من اهتز ومن حمّق

- كان عبيد الله بن أبي عبد الله كاتب المهدي يحمّق، وقتله المهديّ في الزندقة بعد أن أقرّ بها ولم ينكرها، وكان ذلك سبب فساد حال أبيه مع المهدي.

وهب له المهديّ وصيفة ثم سأله بعد ذلك عنها فقال له: ما وضعت بيني وبين الأرض قطّ أوطأ منها حاشا سامع، فقال المهدي لأبيه: أتراه يعنيني أو يعنيك؟

قال: بل يعني أمّه الزانية، لا يكني.

قالت خيرة بنت ضمرة القشيرية امرأة المهلّب للمهلب: إذا انصرفت من الجمعة فأحبّ أن تمرّ بأهلي فقال: إنّ أخاك أحمق، قالت: فأحبّ أن تمرّ بنا. فجاء وأخوها جالس فلم يوسّع له فجلس المهلب ناحية ثم أقبل عليه وقال: ما فعل ابن عمّك فلان؟ قال حاضر قال: أرسل إليه، ففعل، فلما نظر إلى المهلب غير مرفوع المجلس قال: يا ابن اللخناء، المهلب جالس ناحية وأنت في صدر المجلس، وواثبه، فتركه المهلب وانصرف، فقالت له خيرة: أمررت بأهلي؟ قال: نعم، وتركت أخاك الأحمق يضرب.

- قال ابن عائشة: كان مالك بن أبي السمح من أحمق الناس، فلما قتل الوليد بن يزيد كنّا حاضرين معه، فقال مالك: اهرب بنا، فقلت: وما يريدون منّا؟ قال: وما يؤمّنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسّنوا أمرهم بذلك؟ قال ابن عائشة: فما رأيت أقلّ منه عقلا قط قبل ذلك اليوم.

يقولون: الخرف حمق معتّق. وقالوا: إنما يهتر كلّ إنسان بما كان مغرى به زمن الشبيبة.

ب- فمن ذلك أنّ بسر بن أرطأة أهتر فكان يطلب السيف ليضرب

به، فكانوا يعطونه سيفا من خشب، فلا يزال يضرب به كلّ ما يجده. وكان من قبل معدودا في أولي البأس، وكان سفّاكا للدماء.

ج- والنمر بن تولب العكلي كان من الأجواد فأسنّ وأهتر، فكان دأبه أن يقول: أصبحوا الراكب، اغبقوا الراكب، اقروا الضيف، انحروا له، أعطوا السائل، تحملوا لهذا في حمالة كذا وكذا.

د- وخرفت امرأة من حيّ كرام عظيم خطرهم وخطرها فيهم، فكان هجّيراها: زوّجوني، قولوا لزوجي. فقال عمر بن الخطاب ﵁ وقد بلغه خبرها: ما لهج به أخو عكل، النمر بن تولب، في خرفه أفخر وأسرى وأجمل مما لهجت به صاحبتكم، ثم ترحّم عليه.

- أتى عديّ بن أرطأة شريحا ومعه امرأة من أهل الكوفة يخاصمها، فلما جلس بين يدي شريح قال عديّ: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط، قال:

إني امرؤ من أهل الشام، قال: بعيد سحيق، قال: وإني قدمت العراق، قال:

خير مقدم، قال وتزوّجت هذه المرأة وقد أردت أن أنقلها إلى داري، قال: المرء أحقّ بأهله، قال: قد كنت شرطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: اقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: فعلى من قضيت؟ قال: على ابن أمك.

- قال محمد بن رياح القاضي: تقدم إليّ قثم مع ابن أخيه فادّعى عليه

خمسة آلاف دينار، فقال قثم: نعم له عليّ ذلك، فمن أيّ وجه؟ فقلت: قد أقررت له بالمال فإن شاء فسّر الوجه، وإن شاء لم يفسّر. فقال ابن أخيه: أشهد أنه بريء منها إن لم أثبتها، فقلت: وأما أنت فقد أبرأته إلى أن يثبت ذلك؛ فما رأيت أضعف منهما في الحكم.

- خطب سعيد بن العاص عائشة بنت عثمان على أخيه فقالت: لا أتزوّجه، قال: ولم؟ قالت: هو أحمق، له برذونان أشهبان، فيحتمل مؤونة اثنين وهما عند الناس واحد.

- وكان خالد بن عبد الله القسريّ فيما تواترت به الأخبار عنه يتظاهر بما يدلّ على الكفر والجهل، وهو في الكفر أدخل وبه أليق. ومما يليق بالجهل أنه كان يوما يخطب على المنبر وكان لحنة، وكان له مؤدّب يجلس بإزائه، فإذا شكّ في شيء أومأ إليه، وكان لخالد صديق من تغلب زنديق يقال له زمزم، فقال له وهو على المنبر: مسألة قد حضرتني، فقال له: ويحك أما ترى الشيطان عينه في عيني؟ يعني مؤدّبه، قال: لا بدّ والله منها، أخبرني عن الحمار إذا ساف وكرف ثم رفع رأسه وكرف أيّ شيء يقول؟ قال: أراه يقول: يا رباه ما أطيبه. قال: صدقت، ما كان يستشهد على هذا سوى ربّه.

- كانت امرأة أبي خراش من أحمق النساء. قال أبو بكر الأشجعي:

خرج أبو خراش الهذلي من أرض هذيل يريد مكة، فقال لزوجته أمّ خراش:

ويحك إني أريد مكّة لبعض الحاج، وإنك لمن أفك النساء، وإنّ بني الديل يطلبونني بترات، فإياك أن تذكريني لأحد [من أهل مكة] حتى أصدر عنها.

فقالت: أعوذ بالله أن أذكرك لأحد من أهل مكة وأنا أعرف السبب. قال:

فخرج يوما بأم خراش وكمن لحاجته، وخرجت إلى السوق تشتري عطرا أو بعض ما يشتريه النساء من حوائجهنّ؛ فجلست إلى عطّار فمرّ بها فتيان من بني الديل، فقال أحدهما لصاحبه: أمّ خراش وربّ الكعبة، وإنها لمن أفك النساء، وإن كان أبو خراش معها فستدلّنا عليه. قال: فوقفا عليها فسلّما وأحفيا في المسألة والسلام، فقالت من أنتما بأبي أنتما، قالا: رجلان من أهلك. قالت بأبي أنتما، فإنّ أبا خراش معي فلا تذكراه لأحد، ونحن رائحون العشيّة. فخرج الرجلان فجمعا جماعة من فتيانهم وأخذوا مولى لهم يقال له مخلد، وكان من أجود الرجال عدوا، فكمنوا في عقبة على طريقه، فلما رآهم قد لاقوه في عين الشمس قال لها: قتلتني وربّ الكعبة، لمن ذكرتني؟ قالت ما ذكرتك إلّا لفتيين من هذيل، فقال لها: والله ما هما من هذيل، ولكنهما من بني الديل، وقد جلسا لي وجمعا عليّ جماعة من قومهما، فإذا جزت عليهم فإنهم لن يعرضوا لك لئلّا أستوحش فأفوتهم، فاركضي بعيرك، وضعي عليه العصا، والنجاء النجاء؛ قال: وهي على قعود عقيليّ يسبق الريح. فلما دنا منهم وقد تلثموا ووضعوا تمرا على طريقه على كساء، فوقف قليلا كأنه يصلح شيئا، وجاوزتهم أمّ خراش فلم يعرضوا لها لئلّا ينفر منهم، ووضعت العصا على قعودها. فتواثبوا إليه ووثب يعدو، قال: فزاحمه على المحجة التي يسلك فيها على العقبة ظبي، فسبقه أبو خراش، وتصايح القوم لمخلد: يا مخلد أخذا أخذا، فقال: فات الأخذ، فقالوا: ضربا ضربا، فسبق الضرب. فقالوا: رميا رميا، فسبق الرمي. وسبقت أمّ خراش إلى الحيّ فنادت: ألا إنّ أبا خراش قد قتل، فقام الحيّ إليها وقام أبوه

فقال: ويحك ما كانت القصة ؟ قالت: فإنّ بني الديل عرضوا له الساعة في العقبة، قال: فما رأيت أو ما سمعت؟ قالت: سمعتهم يقولون: رميا رميا، قال:

فإن كنت سمعت رميا رميا فهو منا قريب. ثم صاح: يا أبا خراش، فقال أبو خراش: لبيك لبيك، فإذا هو قد وافاهم على أثرها.

- قال عبد الله بن محمد البواب: سألت الخيزران موسى الهادي أن يولّي خاله الغطريف اليمن، فوعدها بذلك ودافعها، ثم كتبت إليه يوما رقعة تناجزه فيها أمره، فوجّه إليها برسولها يقول لها: خيّريه بين اليمن وطلاق ابنته، أو مقامي عليها ولا أولّيه اليمن، فأيّهما اختار فعلته. فدخل الرسول إليها، ولم يكن فهم عنه ما قال له فأخبرها بغيره، ثم خرج إليه فقال: تقول لك ولاية اليمن، فغضب وطلّق ابنته وولّاه اليمن. ودخل الرسول فأعلمه بذلك فارتفع الصراخ من داره فقال: ما هذا؟ فقالوا: من دار بنت خالك، قال: أولم يختر ذلك؟ قالوا: لا ولكنّ الرسول لم يفهم ما قلت وأدّى غيره، وعجلت بذلك.

فندم ودعا صالحا صاحب المصلّى وقال له: أقم على رأس كلّ رجل يحضرني من الندماء رجلا بسيف، فمن لم يطلّق امرأته فليضرب عنقه، ففعل ذلك، ولم يبرح من حضرته أحد منهم حتى طلّق امرأته. قال ابن البواب: فخرج الخدم إليّ فأخبروني بذلك، وعلى الباب رجل واقف متلفع بطيلسانه يراوح بين رجليه فخطر ببالي:

خليليّ من سعد ألما فسلّماعلى مريم لا يبعد الله مريما
وقولا لها هذا الفراق عزمتهفهل من نوال قبل ذاك فيعلما

فأنشدته بالياء، فقال لي: فنعلما بالنون، فقلت له: وما الفرق بينهما؟ فقال: إنّ المعاني تحسّن الشعر وتفسده، وإنما قال «فنعلم» ليعلم هو القصة، وليست به حاجة إلى أن يعلم الناس سرّه. فقلت له: أنا أعلم بالشعر منك، قال: فلمن هو؟ قلت: للأسود بن عمارة النوفلي قال: أو تعرفه؟ قلت: لا، قال: فأنا هو.

فاعتذرت إليه من مراجعتي إياه ثم عرّفته خبر الخليفة فيما فعله، فقال: أحسن الله جزاءك، وانصرف، وقال: هذا أحقّ منزل بترك.

- مدح البحتري المتوكل بقصيدته التي أولها:

عن أيّ ثغر تبتسموبأيّ طرف تحتكم
للشاعر البحتري، من قصيدة «عن أي ثغر تبتسم»

وهي من فاخر الشعر ومونقه، فصاح به أبو العنبس الصيمري من خلفه:

في أيّ سلح ترتطموبأيّ كفّ تلتقم
للشاعر أبو العَنبَس الصَيمَري، اقرأ القصيدة
أدخلت رأسك في الحرموعلمت أنك تنهزم

وتمامها شعر سخيف ركيك، فغضب البحتريّ وخرج، وضحك المتوكل حتى أكثر، وأمر لأبي العنبس بعشرة آلاف درهم، وقيل: أمر له بالصلة التي كانت أعدّت للبحتري.

- قال المدائني: قدم البصرة راجز من أهل المدينة، فجلس إلى حلقة فيها الشعراء فقال: أنا أرجز العرب، أنا الذي أقول:

مروان يعطي وسعيد يمنعمروان نبع وسعيد خروع

وددت أني راهنت في الرجز من أحبّ، والله لأنا أرجز من العجاج، فليت البصرة جمعت بيني وبينه، قال: والعجاج حاضر، وابنه رؤبة معه. فأقبل رؤبة على أبيه فقال: قد أنصفك الرجل، فقال العجاج: ها أنا ذا العجاج، وزحف إليه، فقال: وأيّ العجّاجين أنت؟ قال: ما خلتك تعني غيري، أنا عبد الله الطويل، وكان يكنى بذلك. قال المدني: ما عنيتك ولا أردتك، قال: كيف وقد هتفت باسمي؟ قال: وما في الدنيا عجاج سواك؟ قال: ما علمت، قال:

لكني أعلم وإياه عنيت. قال: فهذا ابني رؤبة، قال: اللهم غفرا ما بيني وبينكما عمل، وإنما مرادي غيركما، فضحك أهل الحلقة، وكفّا عنه.

- قال إسحاق الموصلي: دخلت يوما على الأمين فرأيته مغضبا كالحا، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما لي أراك كالخاثر ؟ قال: غاظني أبوك الساعة، لا ﵀، والله لو كان حيا لضربته خمسمائة سوط، ولولاك لنبشت الساعة قبره وأحرقت عظامه. فقمت على رجليّ وقلت: أعوذ بالله من سخطك يا أمير المؤمنين. ومن أبي وما مقداره حتى تغتاظ منه؟ وما الذي غاظك؟ فلعلّ له فيه عذرا. فقال: شدة محبته للمأمون وتقديمه إياه عليّ حتى قال في الرشيد شعرا يقدّمه عليّ فيه وغنّاه فيه، وغنّيته الآن فأورثني هذا الغيظ، فقلت: والله ما سمعت هذا قطّ ولا لأبي غناء إلّا وأنا أرويه، فما هو؟ قال: قوله:

أبو المأمون فينا والأمينله كنفان من كرم ولين

فقلت له: يا أمير المؤمنين، لم يقدّم المأمون في هذا الشعر لتقديمه إياه في الموالاة،

ولكنّ الشعر لم يصحّ له وزنه إلّا هكذا، فقال: كان ينبغي إذا لم يصحّ له الشعر إلّا هكذا أن يدعه إلى لعنة الله. فلم أزل أداريه وأرفق به حتى سكن. فلما قدم المأمون سألني عن هذا الحديث، فحدثته به فجعل يعجب منه ويضحك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.