تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

ناس ذكروا بالجهل والحمق

- كان الوليد بن عبد الملك يذكر بالجهل، وذكر يوما عليّ بن أبي طالب ﵇ على المنبر فقال: لصّ ابن لصّ، فقال بعضهم: ما أدري أيّ

أمريه أعجب: لحنه فيما لا يلحن فيه أحد، أو نسبته عليا إلى اللصوصية.

- وقريب منه ما روي عن المتوكل أنه قال يوما لأصحابه: تكابروني في أمر عليّ بن أبي طالب، ورأيته البارحة في منامي وهو في النار، قالوا: فنحضر فلانا معبّر الرؤيا ونقصّها عليه، فلعلّ لذلك تأويلا. فأحضره وعرفه ما رآه ولم يذكر عليا، فقال له: لا يجوز أن يكون الرجل إلّا نبيّا أو في منزلة الأنبياء، فقال له: وكيف ذلك، وبما استدللت عليه قال: بقول الله تعالى (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها)

(النمل:).

- وقال يوما والله لأشفعنّ للحجاج بن يوسف.

وكان أخوه يزيد بن عبد الملك جاهلا مستهترا باللذات واللهو في خلافته، وكان يقول لمولاته حبابة إذا غنته: أتأذنين أن أطير؟ فتقول: وعلى من تدع الناس؟ فيقول: عليك.

ولما غلبت عليه حبابة قال لها يوما: قد استخلفتك على ما ورد عليّ، ونصبت لذلك مولاي فلانا فاستخلفيه لأقيم معك أياما وأستمتع بك، فقالت: إني قد عزلته، فغضب عليها وقال: أستعمله وتعزلينه؟! وخرج من عندها مغضبا. فلما ارتفع النهار وطال عليه هجرها قال لخصيّ له: انطلق فانظر ما تصنع، فرآها تلعب بلعبها، فقال له: احتل لي حتى تمرّ بها عليّ. فانطلق الغلام فلاعبها ساعة ثم استلب لعبة من لعبها وخرج، فخرجت تحضر في أثره، فمرّت بيزيد فوثب يقول: قد عزلته، وهي تقول قد استعملته؛ فعزل مولاه وولّاه وهو لا يدري.

- وقد عدّ للحجاج أقوال تدلّ على الجهل، فمن ذلك أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك بعد وفاة محمد أخيه: أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أنه أصيب لمحمد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار، فإن يكن أصابها من حلّها فرحمه الله، وإن تكن من خيانة فلا ﵀. فكتب إليه الوليد: أما بعد فقد قرأ أمير المؤمنين كتابك فيما خلّف محمد من المال، وإنما أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له، فترحم عليه رحمك الله.

- وكتب الحجاج إلى عبد الملك: بلغني أنّ أمير المؤمنين عطس عطسة فشمّته قوم فقال: يغفر الله لنا ولكم ف (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً)

(النساء:).

- ووفد مرة على الوليد فقال له وقد أكلا: هل لك في الشراب؟

فقال: ليس بحرام ما أحللته، ولكنّي أمنع أهل عملي منه، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ)

(هود:).

وقيل له وقد احتضر: ألا تتوب؟ فقال: إن كنت مسيئا فليست هذه الساعة ساعة توبة، وإن كنت محسنا فليست ساعة جزع. وشكّه في نفسه بين الإساءة والإحسان من أجهل الجهل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.