من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
عند المأمون
- خاصم أحمد بن يوسف رجلا بين يدي المأمون، وكان قلب المأمون على أحمد مملوءا، فعرف أحمد ذلك فقال: يا أمير المؤمنين إنه يستملي من عينيك ما يلقاني به، ويستبين بحركتك ما تجنّه له، وبلوغ إرادتك أحبّ إليّ من بلوغ أملي، ولذة إجابتك آثر لديّ من لذّة ظفري، وقد تركت له ما نازعني فيه، وسلّمت إليه ما طالبني به. فشكر المأمون له ذلك.
وهب المأمون لطاهر بن الحسين الهنيء والمريء، وهما نهران بقرب الرقة فقال: يا أمير المؤمنين كفى بالمرء شرها أن يأخذ كلّ ما أعطي، ما هما يا أمير المؤمنين من ضياع السّوقة، ما يصلحان إلّا لخليفة أو وليّ عهد، ولم يقبلهما.
وشبيه بهذا الفعل الذي هو نتيجة العقل ما روي عن الفضل بن سهل، وهو أنّ حمزة العطارة كانت تتولّى جوهر الخلافة، فلما قتل محمد الأمين حملت الجوهر إلى المأمون بمرو، فأحضر التجار والفضل بن سهل، فقوّم بعشرين ألف ألف دينار، فقال المأمون للفضل بن سهل: خذه فقد جعلته جميعه لك، فاستعفاه، والّح المأمون عليه حتى قال له: فخذ النصف فامتنع، فأخذ المأمون منه عقدا كان أكبر ما فيه وأحسنه، فحلف ليأخذنّه ففعل. فلما قتل الفضل بن سهل وجد في رحله حقّ مختوم، ففتح فإذا فيه العقد، ومعه رقعة بخطّه مكتوب فيها: كنت بحضرة المأمون وقد حمل إليه جوهر الخلافة، فقوّم بكذا، فوهبه جميعه لي، فامتنعت. ثم أمرني بأخذ نصفه فامتنعت، فأعطاني هذا العقد وحلف على أخذه ففعلت، وهو عندي لأمير المؤمنين المأمون وديعة، وليس لي فيه حقّ، فإن حدث بي حدث الموت فيحمل إلى أمير المؤمنين، فلا شيء لي فيه ولا لورثتي.
- كتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم: إني قد طلّقت أمّ خالد بنت قطن الهلالية عن غير ريبة ولا سوء، فتزوّجها. فكتب إليه قتيبة: إنه ليس كلّ مطالع الأمير أحبّ أن أطلع، فقال الحجّاج: ويل امّ قتيبة، وأعجبه ذلك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع