تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

فصل للغزالي في العقل

- قال أبو حامد: العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان كما

يطلق اسم العين مثلا على معان عدة، وما يجري هذا المجرى، فلا ينبغي أن يطلب لجميع أقسامه حدّ واحد، بل يفرد كلّ قسم بالكشف عنه:

فالأول: الوصف الذي به يفارق الإنسان سائر البهائم، وهو الذي به استعدّ لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الفكرية، وهو الذي أراده الحارث المحاسبيّ حيث قال في حدّ العقل: إنه غريزة يتهيّأ بها درك العلوم النظرية. ولم ينصف من أنكر هذا وردّ العقل إلى مجرّد العلوم الضرورية، فإنّ الغافل عن العلوم والنائم يسمّيان عاقلين باعتبار وجود هذه الغريزة مع فقد العلوم، وكما أنّ الحياة غريزة بها يتهيّأ الجسم للحركات الاختيارية والإدراكات الحسيّة، فكذلك العقل غريزة بها يتهيأ بعض الحيوانات للعلوم النظرية، ولو جاز أن يسوّى بين الإنسان والحمار في الغريزة. وقال: لا فرق إلّا أنّ الله تعالى بحكم إجراء العادة يخلق في الإنسان علوما ليس يخلقها في الحمار والبهائم لجاز أن يسوّى بين الجماد والحمار في الحياة. ويقال لا فرق إلّا أنّ الله يخلق في الحمار حركات مخصوصة بحكم إجراء العادة، فإنه لو قدر الحمار جمادا صمتا لوجب القول بأنّ كلّ حركة تشاهد منه فالله قادر على خلقها فيه على الترتيب المشاهد. وكما وجب أن يقال لم تكن مفارقته للجماد في الحركة إلّا لغريزة اختصّت به عبّر به عنها بالحياة، فكذا مفارقة الإنسان البهيمة في إدراك العلوم النظرية بغريزة يعبّر عنها بالعقل. وهي كالمرآة التي تفارق غيرها من الأجسام في حكاية الصورة والألوان لصفة اختصّت بها، وهي الصّقالة؛ وكذلك العين تفارق الجبهة في هيئات وصفات بها استعدّت للرؤية. فنسبة هذه الغريزة إلى العلوم نسبة العين إلى الرؤية، ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في سياقها إلى انكشاف العلوم لها

كنسبة نور الشمس إلى البصر. فهكذا ينبغي أن تفهم هذه الغريزة.

الثاني: هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميّز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، كالعلم بأنّ الاثنين أكثر من الواحد، وأنّ الشخص الواحد لا يكون في مكانين. وهو الذي عناه بعض المتكلّمين حيث قال في حدّ العقل: إنه بعض العلوم الضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وهو أيضا صحيح في نفسه، لأنّ هذه العلوم موجودة وتسميتها عقلا ظاهر، وإنما الفاسد أن تنكر تلك الغريزة ويقال: لا موجود إلّا هذه العلوم.

الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال. فإنّ من حنّكته التجارب وهذّبته المذاهب يقال إنه عاقل في العادة، ومن لا يتصف به يقال إنه غبي جاهل. فهذا نوع آخر من العلوم يسمّى عقلا.

والرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور، ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذّة العاجلة ويقهرها، فإذا حصلت هذه القوّة سمّي صاحبها عاقلا من حيث أنّ إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة. وهذه أيضا من خواصّ الإنسان التي بها يتميّز عن سائر الحيوانات.

فالأول هو الأسّ والسّنخ والمنبع، والثاني هو الفرع الأقرب إليه، والثالث فرع الأول والثاني، إذ بقوّة الغريزة والعلوم تستفاد علوم التجارب، والرابع هو الثمرة الأخيرة، وهي الغاية القصوى؛ فالأولان بالطبع، والأخيران بالاكتساب.

ولذلك قال عليّ ﵇: العقل عقلان: فمطبوع ومسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوع، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع.

والأول هو المراد بقوله ﵇: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل.

والأخير هو المراد بقوله ﵇: إذا تقرّب الناس بأبواب البرّ فتقرب أنت بعقلك. وهو المراد بقول رسول الله ﷺ لأبي الدرداء ﵁: ازدد عقلا تزدد من ربك قربا فقال: بأبي أنت وأمي، وكيف لي بذلك؟ فقال:

اجتنب محارم الله، وأدّ فرائض الله تكن عاقلا، واعمل بالصالحات من الأعمال تزدد في عاجل الدنيا رفعة وكرامة وتنل من ربّك القرب والعزّ.

وعن سعيد بن المسيب أنّ عمر وأبيّ بن كعب وأبا هريرة دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله فقالوا: يا رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله من أعلم الناس؟ فقال: العاقل، فقالوا: فمن أفضل الناس؟ قال: العاقل، قالوا: أليس العاقل من تمّت مروءته، وظهرت فصاحته، وجادت كفّه، وعظمت منزلته؟ فقال ﵇: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)

(الزخرف:) إنّ العاقل هو المتقي وإن كان في الدنيا خسيسا دنيّا. وقال في حديث آخر: إنما العاقل من آمن بالله، وصدّق رسله، وعمل بطاعته.

ويشبه أن يكون الاسم في أصل اللغة لتلك الغريزة وكذا في الاستعمال، وإنما أطلق على العلوم من حيث أنها ثمرتها كما يعرف الشيء بثمرته، فيقال:

العلم هو الخشية، والعالم من يخشى الله، فإنّ الخشية ثمرة العلم، فيكون كالمجاز لغير تلك الغريزة. ولكن ليس الغرض البحث عن اللغة. والمقصود أنّ هذه الأقسام الأربعة موجودة، والاسم يطلق على جميعها، ولا خلاف في وجود جميعها إلّا في القسم الأول؛ والصحيح وجودها بل هي الأصل. وهذه

العلوم كأنها مضمنة في تلك الغريزة بالفطرة، ولكن تظهر إلى الوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود حتى كأنّ هذه العلوم ليست شيئا واردا عليها من الخارج، وكأنها كانت مستكنّة فيها فظهرت. ومثاله الماء في الأرض، فإنه يظهر بحفر القنيّ ويجتمع ويتميّز للحسّ لا بأن يساق إليها شيء جديد، وكذلك الدهن في اللوز وماء الورد، ولذلك قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى)

(الأعراف:

) فالمراد به إقرار نفوسهم لا إقرار الألسنة، فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص، ولذلك قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)

(الزخرف:) معناه إن اعتبرت أحوالهم شهدت بذلك نفوسهم وبواطنهم (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)

(الروم:) أي كلّ آدميّ فطر على الإيمان بالله بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه، أعني أنها كالمضمّنة فيها لقرب استعدادها للإدراك. ثم لما كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم الكفّار، وإلى من أجال خاطره فتذكّر فكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكّرها. لذلك قال تعالى:

(لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)

(البقرة:) (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)

(ص:) (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ)

(المائدة:) (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)

(القمر:)؛ وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد، وكأنّ التذكر ضربان أحدهما: أن تذكر صورة كانت حاضرة الوجود في القلب لكن غابت بعد الوجود، والآخر أن يكون عن صورة كانت

مضمّنة فيه بالفطرة. وهذه حقائق ظاهرة للناظر بنور البصيرة، ثقيلة على من ستر وجه السماع والتقليد دون الكشف والعيان، ولذلك تراه يتخبّط في مثل هذه الايات ويتعسّف في تأويل التذكّر وإقرار النفوس أنواعا من التعسّفات، ويتخايل إليه في الأخبار والآيات ضروب من المناقضات، ومثاله مثال الأعمى الذي يدخل دارا فيعثر فيها بالأواني المصفوفة في الدار، فيقول: ما لهذه الأواني لا ترفع من الطريق وتردّ إلى مواضعها؟ فيقال له: إنها في مواضعها وإنما الخلل في بصرك.

فكذلك خلل البصيرة يجري مجراه وأعظم، إذ النفس كالفارس والبدن كالفرس، وعمى الفارس أضرّ من عمى الفرس. ولمشابهة بصيرة الباطن لبصيرة الظاهر قال الله تعالى (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى)

(النجم:) قال (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)

(الأنعام:) وسمى ضده عمى فقال (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)

(الحج:

) وقال تعالى: (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا)

(الإسراء:) وهذه الأمور التي كشفت للأنبياء: بعضها كان بالبصر، وبعضها بالبصيرة، وسمّي الكلّ رؤية.

قال أبو حامد: والحقّ الصريح أنّ التفاوت يتطرّق إلى الأقسام الأربعة، سوى القسم الثاني، وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات. فإنّ من عرف أنّ الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضا استحالة كون الشخص في مكانين، وكون الشيء الواحد قديما وحادثا، وكلّ من يدركه يدركه محققا من غير شك. فأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرّق إليها.

أما القسم الرابع وهو استيلاء القوة على قمع الشهوات لا يخفى تفاوت الناس فيه، بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد. وهذا التفاوت تارة يكون لتفاوت الشهوة إذ قد يقدر العاقل على ترك بعض الشهوات دون بعض ولكن غير مقصور عليه، فإنّ الشابّ قد يعجز عن ترك الزنا وإذا كبر وتمّ عقله قدر عليه؛ وشهوة الرياء والرياسة تزداد قوة بالكبر لا ضعفا، وقد يكون سببه التفاوت في

العلم المعرّف لغائلة تلك الشهوة. ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرّة، وقد لا يقدر من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبا، وإن كان يعتقد على الجملة فيه مضرّة. وإذا كان علم الطبيب أتمّ كان خوفه أشدّ، فيكون الخوف جندا للعقل وعدّة في قمع الشهوة وكسرها. ولذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من العامي لقوة علمه بضرر المعاصي. فإن كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع إلى تفاوت العقل، وإن كان من جهة العلم فقد سمّينا هذا الضرب من العلم عقلا فإنه يقوّي غريزة العقل فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه. وقد يكون لمجرد التفاوت في غريزة العقل فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشدّ.

وأما القسم الثالث وهو علم التجارب فتفاوت الناس فيها لا ينكر، فإنهم يتفاوتون بكثرة الإصابة وبسرعة الإدراك، ويكون سببه إما تفاوت في الغريزة، وإما تفاوت في الممارسة. أما الأول وهو الأصل- أعني الغريزة- فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده فإنه مثل نور يشرق على النفس ويطلع صبحه، ومبادي إشراقه عند سنّ التمييز، ثم لا يزال ينمي ويزداد نموّا خفيّ التدرج إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة، ومثاله نور الصبح، فإنّ أوائله تخفى خفاء يكاد يشقّ إدراكها، ثم يتدرّج إلى الزيادة إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس.

وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور البصر، فالفرق مدرك بين الأعمش وبين الحادّ البصر، بل سنّة الله جارية في جميع خلقه بالتدريج في الايجاد حتى إنّ غريزة الشهوة لا تركن في الصبي عند البلوغ دفعة وبغتة، بل تظهر شيئا شيئا على التدريج، وكذا جميع القوى والصفات. فمن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة

فكأنه منخلع عن ربقة العقل، ومن ظنّ أنّ عقل النبي ﷺ مثل عقل آحاد السواديّة وأجلاف البوادي فهو أخسّ في نفسه من آحاد السواديّة وأجلاف البوادي. وكيف ينكر تفاوت الغريزة ولولاه لما اختلف الناس في فهم العلوم ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم إلّا بالتفهيم بعد تعب طويل من المعلّم وإلى ذكيّ يفهم بأدنى رمز وإشارة، وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور دون التعليم، يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار؛ وذلك مثل الأنبياء صلوات الله عليهم إذ يتضح لهم في باطنهم أمور غامضة من غير تعلّم وسماع، ويعبّر عن ذلك بالإلهام، وعن مثله عبّر نبيّنا ﷺ حيث قال: إنّ روح القدس نفث في روعي: أحبب من أحببت فإنك مفارقه، وعش ما شئت فإنك ميّت، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به. وهذا النمط من تعريف الملائكة للأنبياء يخالف الوحي الصريح الذي هو سماع للصوت بحاسّة الأذن ومشاهدة للملك بحاسّة البصر، ولذلك أخبر عن هذا بالنّفث في الروع.

ودرجات الوحي كثيرة والخوض فيها لا يليق بعلم المعاملة، بل هو من علم المكاشفة، ولا تظنّنّ أنّ معرفة درجات الوحي تستدعي منصب الوحي، إذ لا يبعد أن يعرّف الطبيب للمريض درجات الصحة، ويعلّم [العالم] الفاسق ودرجات العدالة وإن كان خاليا عنها. فالعلم شيء ووجود المعلوم شيء آخر، فلا كلّ من عرف النبوة والولاية كان نبيّا، ولا كلّ من عرف التقوى والورع ودقائقه كان تقيا. وانقسام الناس إلى من ينتبه من نفسه ويفهم، وإلى من لا يفهم إلّا بتنبيه وتعليم، وإلى من لا ينفعه التعليم أيضا ولا ينبّهه، كانقسام الأرض إلى ما يجتمع فيه الماء ويقوى فيتفجّر بنفسه عيونا، وإلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج في القنوات، وإلى ما لا ينفع فيه الحفر وهو اليابس، وذلك لاختلاف جواهر الأرض في صفاتها؛ فكذلك هذا لاختلاف النفوس في غريزة العقل. ويدلّ على تفاوت

العقل من جهة النقل ما روي أنّ ابن سلام سأل رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله في حديث طويل في آخره وصف عظم العرش، وأنّ الملائكة قالت: يا ربّ خلقت شيئا أعظم من العرش؟ قال: نعم العقل، قالوا: وما بلغ من قدره؟ قال:

هيهات لا يحاط بعلمه، هل لكم علم بعدد الرمل؟ قالوا: لا، قال: فإني خلقت العقل أصنافا شتّى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي حبّة، ومنهم من أعطي حبتين، ومنهم الثلاث والأربع، ومنهم من أعطي فرقا ومنهم من أعطي وسقا، ومنهم أكثر من ذلك. آخر كلام أبي حامد.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.