تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر من هذا الباب (٦)

- اختصم رجلان إلى قاض، فدنا أحدهما منه وقال له سرا: قد وجهت إلى الدار فراريج كسكرية وحنطة بلديّة وكذا وكذا، فقال القاضي بصوت عال: إذا كانت لك بينة غائبة انتظرناها، ليس هذا مما يسارّ به.

- حضر جماعة من أهل زنجان باب السلطان، فشكوا ثقل متولّيهم وتضاعف المؤن عليهم، فأجيبوا إلى حطيطة، فقالوا نحبّ أن يقتصر منّا على الأخماس بدل الأعشار، فصار ذلك بجهلهم رسما عليهم.

- كان الفضل بن العباس اللهبي ثقيل البدن تتعذر الحركة عليه، وكان بخيلا فاشتري له حمار، فقال للذي اشترى له الحمار: إني لا أطيق علفه، فإمّا أن بعثت إليّ بقوته وإلّا رددته. فكان يبعث إليه بعلف كلّ ليلة، ولا يدع هو أن يطلب من كلّ أحد يأنس به علفا، ويعلف الحمار التبن، ويبيع الشعير، حتى هزل وعطب. فرفع الحزين الكنانيّ إلى ابن حزم أو غيره قصة، وكتب في رأسها «قصة حمار الفضل اللهبي»، وشكا فيها أنه يركبه ويأخذ علفه وقضيمه من الناس، فيبيع الشعير ويعلفه التبن، ويسأل أن ينصف منه فقراء الرقعة، وضحك وقال: لئن كنت مازحا إني لأظنك صادقا، فأمر بتحويل الحمار إلى اصطبله ليعلفه ويركبه اللهبي متى أراد.

ابن حجاج من قصيدة له مشهورة:

ومن الجور والحديث شجونجائع بات أيره شبعانا

- قيل: كان على الريّ قاض يكنى أبا حزوة، اختصم إليه قوم في عقد من لؤلؤ وجوهر، فوضع الجوهر بين يدي القاضي وهم يختصمون، فأخذ القاضي حجرا منه فوضعه في فيه ثم ابتلعه، وأعرابيّ ينظر إليه، ففطن له الأعرابي وأنشأ يقول:

دعوت ربّ شعيب أن ينجّينيمن كورة يبعر الياقوت قاضيها
إنّ التي كان أوعاها فأخرجهادلّت على عذرات كان يخفيها

- ولّى المنصور سليمان بن راميل، وضمّ إليه ألفا من العجم، فقال:

قد ضممت إليك ألف شيطان تذلّ بهم الخلق. فعاثوا في نواحي الموصل، فكتب إليه كفرت النعمة يا سليمان، فأجاب (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا)

(البقرة:) فضحك المنصور وأمدّه بغيرهم.

- شكا رجل إلى كسرى بعض عماله وأنه غصبه ضيعة، فقال له: قد أكلتها أربعين سنة، فما عليك أن تتركها على عاملي سنة؟ قال: أيها الملك وما عليك أن تسلّم ملكك إلى بهرام فيأكله سنة؟ فأمر أن يوجأ في عنقه فقال: أيها الملك دخلت بمظلمة وأخرج بمظلمتين؟ فأمر بردّ ضيعته وقضى حوائجه.

غزا محمد بن واسع خراسان مع قتيبة، فرعوا الزرع، وأخذ هو بعنان فرسه يتخلّل به الأودية. فقال له دهقان القرية: أنت الذي أهلكتني، قال:

كيف؟ قال: لولا أنت لهلك هؤلاء.

دخل رجل على الحجاج فقال: ما عندك؟ قال: علم ألسنة الطير، فإذا هامتان تجاوبتا فقال: ما تقولان؟ قال: تخطب إحداهما بنت الأخرى فتقول لها: لا أزوّجك إلّا بأربعمائة قصر منيف خراب؟ قال: أين تجد ذلك؟ قال: ما دام مثلك حيّا لا نعدمه، قال: كيف؟ قال: إنك تقتل الأخيار وتعطّل الديار.

- ألحّ رجل من المتظلّمين على أحمد بن الخصيب وهو راكب إلى المنتصر، فركله فقيل فيه:

قل للخليفة يا ابن عمّ محمداشكل وزيرك إنّه ركّال
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «قل للخليفة يا ابن عم محمد»

- ومثله ما رفع إلى المأمون أنّ قاضيا له كان يعضّ الخصوم فوقّع في الرقعة: يشنق.

خطب عليّ ﵇ أهل الكوفة ودعا إلى الجهاد، فقال أريد الفزاريّ: والله لا نجيبك، فضربه قوم من همدان حتى مات، فوداه عليّ من بيت المال، فقال علاقة بن عركي التميمي:

معاذ إلهي أن تكون منيّتيكما مات في سوق البراذين أربد
تعاوره همدان خصفا نعالهاإذا رفعت عنه يد وقعت يد

أخرج أبو علي ابن رستم عاملا إلى بعض النواحي، وكان في القرية حمام كثير، فعدّها وأخذ واحدة منها وشقّ حوصلتها، وعدّ الحبوب الموجودة فيها، واحتسب بذلك وقال: إنّ كلّ حمامة تأكل في السنة من الحنطة كذا، فألزمهم ذلك، فكتب إليه أبو عليّ كتابا وفي آخره:

عجبت من نفسي ومن إشفاقهاومن طرادي الطير عن أرزاقها

في سنة قد كشّفت عن ساقها

وهي من أبيات لرؤبة بن عيينة.

ب-[وقال آخر]:

يتغنّى القيد في رجليه ألوان الغناء
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
باكيا لا رقأت عيناه من طول البكاء
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

أقام عامل على دهقان عونين وأمرهما بنتف سباله، فقال: لم تفعل هذا أصلحك الله؟ قال: حتى تصحّح خراجك، وخراج أهل بيتك، وخراج شركائك، فلما أطال رفع رأسه إلى العونين فقال: انتفا على بركة الله.

كان معلّم يقعد أبناء المياسير في الظلّ، وأبناء الفقراء في الشمس ويقول: يا أهل الجنّة ابزقوا على أهل النار.

كان صاحب ربع يتشيّع، فارتفع إليه خصمان اسم أحدهما عليّ والآخر معاوية، فتحامل على معاوية فضربه مائة مقرعة من غير أن اتجهت عليه حجّة، ففطن من أين أتي فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو

أبو عبد الرحمن، فبطحه وضربه مائة مقرعة، فقال لصاحبه: ما أخذت مني بالاسم استرجعته منك بالكنية.

- كان أبو ضمضم على شرطة الكوفة، فلم يحدث في عمله حادث، فأخذ رجلا من عرض الناس فجرّده للسياط، واجتمع عليه النظارة، فقال الرجل: ما ذنبي أصلحك الله؟ قال: أحبّ أن تجمّلنا بنفسك ساعة.

- قال كعب: نهيق الحمار دعاء على الظلمة، فحدّث به المسيّب بن شريك فقال: لو علمت أنّ هذا حقا لزدت في قضيم حماري.

- قال أبو المطراب وهو من لصوص الحجاز وقد تاب فظلم:

ظلمت الناس فاعترفوا بظلميفتبت فأزمعوا أن يظلموني
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة
فلست بصابر إلّا قليلافإن لم ينتهوا راجعت ديني
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة

- تقدّم رجلان إلى قاض، فتكلّم أحدهما ولم يترك الآخر يتكلّم، فقال: أيها القاضي يقضى على غائب، قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أن أتكلّم.

- بنى ابن أسد قصرا بالبصرة، وكانت في جانب منه حجرة صغيرة لعجوز كانت تساوي عشرين دينارا، فاحتاج إليها وطلبها بمائتي دينار، فأبت.

فقيل لها: إنّ القاضي يحجر عليك لسفاهتك لأنك ضيّعت مائتين فيما قيمته عشرون، فقالت: ولم لا يحجر على من يشتري بمائتين ما يساوي عشرين؟

فحجّت فاشتريت بثلاثمائة دينار.

كان لسعيد بن خالد القرشي طائر اسمه كسرى، وفرخ له اسمه ساسان، فأكل الفرخ سنّور جار له يعرف بأنس، فكتب إلى العلاء بن منظور صاحب شرطة الكوفة، وهو الذي وهب له كسرى:

يا ابن منظور بن قيس دعوةضوءها أنور من ضوء القبس
إنّ ساسان بن كسرى غالهفي سواد الليل سنّور أنس
فأقدنا منه أو أخلفه أوخلّ بين الناس من عزّ افترس

قيل: أخذ رجل ذئبا وهو يعظه ويقول له: إياك وأخذ أغنام الناس فيعاقبك الله، والذئب يقول: خفّف واقتصر، فقدّامي قطيع من الغنم لا يفوتني.

انحدر القاضي أبو بكر ابن قريعة إلى ضيعة له، فلما وصلت سميريّته إلى شاطىء القرية سبق أكّار من أكرته يهوديّ اسمه شعيب، ومعه جماعة، فتظلّم من وكيله وأعطاه رقعة كان قد كتبها له معلّم في القرية في وقتها بالحبر، وأخذها وطواها وهي رطبة فانطمس أكثرها. فلما دفعها إلى القاضي أعطاها لكاتبه فقال: اقرأ ما فيها، فلم يفهم شيئا من المكتوب فيها، فأطال استخراجه لها، والقاضي مستوفز والأكرة يصيحون، فضاق صدره واستبطأ كاتبه، فأخذ الرقعة من يديه ليقرأها فكانت صورته مثل صورة الكاتب فردّها إليه وقال له: وقّع فيها (يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)

(هود:) وادفع الرقعة إليه، ونهض من السميرية صاعدا.

يتلوه: باب العقل والحمق.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.