تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

عمر بن الخطاب

- قال أنس: بينا عمر ﵁ قاعد إذ جاء رجل من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ فقال عمر: لقد عذت عائذا، فما شأنك؟ قال: سابقت على فرسي ابنا لعمرو بن العاص، وهو يومئذ على مصر، فمحك فجعل يقنّعني بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين، وبلغ عمرا فخشي أن آتيك فحبسني في السجن، فانفلتّ منه، فهذا حين أتيتك. فكتب عمر إلى عمرو ابن العاص: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وابنك فلان، وقال للمصريّ: أقم حتى يأتيك مقدم عمرو؛ فشهد الحاجّ فلما قضى عمر الحجّ، وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جنبه، قام المصريّ فرمى عمر إليه بالدرّة. قال أنس: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه، فلم ينزع عنه حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين. قال: يا

أمير المؤمنين قد اشتفيت، قال: ضعها على صلعة عمرو، قال: يا أمير المؤمنين قد ضربت الذي ضربني؛ قال: أم والله لو فعلت لما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع. ثم قال: يا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟! فجعل يعتذر ويقول: إني لم أشعر بهذا.

قال رجل للمنصور كان يعاشره أيام بني مروان: كنت تحدّث يا أمير المؤمنين قبل هذا الوقت بشيء أين أنت عنه الساعة؟ قال ما هو؟ قال كنت تقول: إنّ الخلافة إذا لم تقابل بإنصاف المظلوم من الظالم، ولم تعارض بالعدل في الرعية، وقسمة الفيء بالسويّة، صار عاقبة أمرها بوارا، وحاق بولاتها سوء العذاب. قال: فتنفّس الصّعداء ثم قال: قد كان ما تقول، ولكن استعجلنا ما في الفانية على ما في الباقية، وكأن قد انقضت هذه الدار. فقال له الرجل: فانظر على أيّ حالة تنقضي، فقال المنصور: تبا تبا لعالم أصاره علمه غرضا لسهام الخطايا، وهو عالم بسرعة أزوف المنايا، اللهم إن تقض للمسيئين صفحا فاجعلني منهم، وإن تهب للظالمين عفوا فلا تحرمني منه ما يتطوّل به المولى على أخسّ عبيده.

قال الأصمعيّ: سمعت أعرابيا يقول: من اقتصد في الغنى والفقر فقد استعدّ لنائبة الدهر.

وقال آخر: الاقتصاد ينمّي القليل، والإسراف يبير الكثير، وهذا من عدل الأفعال.

حدث إياس بن سلمة عن أبيه قال: مرّ عليّ عمر وأنا في السوق وهو مارّ في حاجة ومعه الدرة، فقال: هكذا أمط عن الطريق يا سلمة. قال: ثم عفقني بها عفقة فما أصاب إلّا طرف ثوبي، فأمطت عن الطريق. فسكت عنّي حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق فقال: يا سلمة أردت الحج العام؟

قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأخذ بيدي فما فارقت يده حتى دخل في بيته، فأخرج كيسا فيه ستمائة درهم فقال: يا سلمة استعن بهذه، واعلم أنها من العفقة التي عفقتك عام أوّل. قلت: والله يا أمير المؤمنين ما ذكرتها حتى ذكرتنيها؛ قال: أنا والله ما نسيتها بعد.

وقال الأحنف: كنت مع عمر فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدني على فلان فإنه قد ظلمني، فرفع الدرة فخفق بها رأسه وقال:

تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم، حتى إذا شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه: أعدني أعدني، قال: فانصرف الرجل وهو يتذمّر فقال: عليّ بالرجل، وألقى المخفقة فقال: امتثل، قال: ولكن أدعها لله ولك. قال: ليس هكذا، إما أن تدعها لله وإما أن تدعها لي، فاعلم ذلك. قال: أدعها لله. قال: انصرف.

ثم جاء يمشي حتى دخل منزله ونحن معه، فافتتح الصلاة فصلّى ركعتين ثم قال: يا بنيّ الخطاب، كنت وضيعا فرفعك الله، وكنت ضالّا فهداك الله، وكنت ذليلا فأعزّك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاء رجل يستعدي فضربته، ما تقول لربك إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسه في صلاته تلك معاتبة ظننا أنه من خير أهل الأرض.

- دخل عمر على أبي بكر ﵄ فسلّم عليه فلم يردّ، فقال لعبد الرحمن بن عوف: أخاف أن يكون قد وجد عليّ خليفة رسول الله ﷺ.

فكلم عبد الرحمن أبا بكر فقال: أتاني وبين يديّ خصمان، وقد فرّغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أنّ الله سائلي عنهما وعمّا قالا وعمّا قلت.

كان لعثمان عبد فاستشفع بعليّ أن يكاتبه فكاتبه، ثم دعا عثمان

بالعبد فقال: إني كنت عركت أذنك فاقتصّ مني، فأخذ بأذنه ثم قال عثمان:

شدّ شدّ، يا حبذا قصاص الدنيا لا قصاص الآخرة.

قال عبد الملك: لقد كنت أتحرّج أن أطأ نملة، وإنّ الحجاج يكتب إليّ في قتل فئام من الناس فما أحفل بذلك. فقال له الزهري: بلغني أنك شربت الطلاء قال: أي والله والدّماء.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.