من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أحمد بن طولون
- كان أحمد بن طولون والي مصر متحلّيا بالعدل مع تجبّره وسفكه الدماء، وكان يجلس للمظالم ويحضر مجلسه القاضي بكار بن قتيبة وجماعة من الفقهاء مثل الربيع بن سليمان ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومعمر بن محمد.
وكان ابن طولون يمكّن المتكلّم من الكلام وكشف ظلامته جالسا مقرّبا. قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاويّ الفقيه: فاعترضت ضيعة لنا بالصعيد من ضياع جدّي سلامة، فاحتجت إلى الدخول إليه والتظلّم مما جرى، وأنا يومئذ شابّ، إلّا أنّ العلم ومعرفة الحاضرين بسطني إلى الكلام والتمكّن من الحجة، فخاطبته في أمر الضيعة، فاحتجّ عليّ بحجج كثيرة وأجبته عنها بما لزمه الرجوع إليه. ثم ناظرني مناظرة الخصوم بغير انتهار ولا سطوة عليّ، وأنا أجيبه وأحلّ حججه، إلى أن وقف ولم يبق له حجة، فأمسك عنّي ساعة ثم قال لي:
إلى هذا الموضع انتهى كلامي وكلامك، والحجة فقد ظهرت لك، ولكن أجّلنا ثلاثة أيام، فإن ظهرت لنا حجة ألزمناك إياها، وإلّا سلّمنا إليك الضيعة، فقمت منصرفا. وقال ابن طولون بعد خروجي للحاضرين: ما أقبح ما أشهدتكم به على نفسي أقول لرجل من رعيّتي قد ظهرت له حجة: أنظرني إلى أن أطلب حجة وأبطل الحكم الذي أوجبته حجّته. من يمنعني إذا وجبت لي حجة أن أحضره وألزمه إياها؟ هذا والغصب واحد. أنتم رسلي إليه بأني قد التزمت حجّته، وأزلت الاعتراض عن الضيعة. وتقدّم بالكتاب له، وعرف الطحاوي الحال منهم فصار إلى الديوان وأخذ الكتاب بإزالة الاعتراض عن الضيّعة.
- وروي أنّ بعض قوّاده كان يتولّى كورة من كور مصر، فدخل
راهب من رهبان النصارى متظلّما من ذلك القائد، فرآه بعض الحجّاب الذين يختصّون بذلك القائد فقال له ما لك؟ قال: ظلمني وأخذ مني ثلاثمائة دينار، فقال له الحاجب: لا تتظلّم وأنا أسلّم إليك ثلاثمائة دينار. فأخذه إلى داره ودفع إليه ثلاثمائة دينار فاغتنمها الراهب وطار. ونقل الخبر إلى أحمد بن طولون فأمر بإحضار القائد والحاجب والراهب وقال للقائد: أليس عللك مزاحة ورزقك دارّا، وليس لك سبب يحوجك إلى مدّ يدك؟ قال: كذاك، قال ما حملك على ما صنعت؟ وأمر بصرفه عن الكورة، وصرف الحاجب عن حجبته، وأحضر النصرانيّ وقال: كم أخذ منك؟ قال ثلاثمائة دينار فقال: لعنك الله لم لم تقل ثلاثة آلاف دينار فآخذها لك من ماله بقولك؟ ثم صاح بالقائد: إلى المطبق! المطبق! فحمل إليه.
- وروي أنّ العباس بن أحمد بن طولون استدعى مغنيّة وهو مصطبح، فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره، ودخل العباس إلى أبيه فأخبره، فأرسل أحمد بن طولون فأحضر الرجل الصالح وقال له:
أنت الذي كسرت العود؟ قال: نعم، قال: فعلمت لمن هو؟ قال: نعم، قال:
لمن هو؟ قال: لابنك العباس. قال: أفما أكرمته لي؟ قال: أكرم لك بمعصية، والله ﷿ يقول (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
(التوبة:) وقال رسول الله ﷺ: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأطرق أحمد بن طولون ثم رفع رأسه وقال: كلّ منكر تراه فغيّره وأنا من ورائك، وصرفه مكرّما.
وكان أحمد بن طولون يحبّ العلماء ويحضرهم مجلسه؛ وأراد أبا إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني الفقيه صاحب الشافعيّ أن يحضره، فامتنع عليه زهدا وتورّعا، فتهدّده بهدم داره، فلم يجبه، وأمر سوّارا حاجبه بهدمها. فقام
المزنيّ مع سوّار يريه حدودها حين تقدّم وقال له: لا تهدم هذا الجدار فليس هو لي. فعاد سوّار فأخبره، فعظم في قلب أحمد بن طولون، وقلق إلى رؤيته. وكان أحمد بن طولون يحضر جنائز وجوه البلد وصالحيهم وأشرافهم، ويتولّى الصلاة بنفسه، فحضر يوما جنازة فقيل له: هذا أبو إبراهيم المزني في الجنازة، فقال:
أرونيه من غير أن يعلم لئلّا يتأذّى، فأروه إياه.
- وأراد أن يحمل مالا إلى الحضرة، فأحضر القاضي والشهود ليشهدوا على القابض، فكتبوا وقد عاينوا المال ومبلغه ألف ألف ومائتا ألف دينار، فلما بلغ الكتاب إلى سليم الفانو الخادم المعدّل قال له: أيها الأمير لست أشهد حتى يوزن المال بحضرتي، فغاظه ذلك، فقال للوزّانين: زنوه، فلما فرغ الوزن قالوا: أبقي لك شيء تقوله؟ قال: النقد، فغاظه ودعا بالنقد، وسليم جالس معهم حتى فرغ وختمت، وتسلّمها حاملها، فكتب شهادته وانصرف.
وكان ذلك سبب اختصاص سليم بأحمد بن طولون وقربه منه.
- ومن الجور قصة زيد الخيل الطائيّ وقيس بن عاصم والمكسّر العجلي: وقعت حرب بين أخلاط طيّء، فنهاهم زيد الخيل عن ذلك وكرهه، فلم ينتهوا، واعتزل وجاور بني تميم ونزل على قيس بن عاصم؛ فغزت بنو تميم بكر بن وائل وعليهم قيس وزيد معه، فاقتتلوا قتالا شديدا وزيد كافّ، فلما رأى ما لقيت تميم ركب فرسه وحمل على القوم، وجعل يدعو يال تميم، ويتكنّى
كنية قيس إذا قتل رجلا وأرداه عن فرسه، أو هزم ناحية، حتى هزمت بكر وظفرت تميم، فصار فخرا لهم في العرب، وافتخر بها قيس. فلما قدموا قال له زيد: اقسم لي يا قيس [نصيبي]، فقال: وأيّ نصيب؟ فو الله ما ولي القتال غيري وغير أصحابي، فقال زيد أبياتا منها:
فلست بوقّاف إذا الخيل أحجمتولست بكذّاب كقيس بن عاصم
إذا ما دعوا عجلا عجلنا عليهمبمأثورة تشفي صداع الجماجم
فبلغ المكسر بن حنظلة العجليّ أحد بني سيار قول زيد، فخرج في ناس من بني عجل حتى أغار على بني نبهان فأخذ من نعمهم ما شاء، وبلغ ذلك زيد الخيل فخرج في فوارس من بني نبهان حتى اعترض القوم فقال: ما لي وما لك يا مكسّر؟ فقال قولك:
إذا ما دعوا عجلا عجلنا عليهم
فقاتلهم زيد حتى استنقذ بعض ما كان في أيديهم، ومضى المكسر ببقية ما أصاب. فأغار زيد على تيم الله بن ثعلبة فغنم ما شاء الله، وقال في ذلك:
إذا عركت عجل بنا ذنب غيرناعركنا بتيم اللات ذنب بني عجل
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع