تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

حلف الفضول

- وعقدت قبائل من قريش بينها حلف الفضول لما لم يكن لها ملك أو

قائد يمنع ظلم بعضهم من بعض، فكانوا يدا على من ظلم حتى يرتجعوا منه ظلمه. فروي أنّ رجلا من خثعم قدم مكة تاجرا ومعه ابنة له يقال لها القتول أوضأ نساء العالمين [وجها]، فعلقها نبيه بن الحجاج السهميّ، فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها عليك بحلف الفضول. فأتاهم فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج فقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ متبدّ بناحية مكة وهي معه، وإلا فنحن من قد عرفت، فقال: يا قوم متّعوني منها الليلة، فقالوا: قبّحك الله ما أحمقك، لا والله ولا شخب لقحة، وهي أوسع أحاليب الشائل. فأخرجها إليهم فأعطوها أباها، وركبوا وركب معهم الخثعمي، فذلك قول نبيه بن الحجاج:

لولا الفضول وأنهلا أمن من رقبائها
لدنوت من أبياتهاولطفت حول خبائها
ولجئتها أمشي بلاهاد لدى ظلمائها
فشربت فضلة ريقهاولبتّ في أحشائها

- وقد اختلف في سبب حلف الفضول، فروي أنّ قيس بن شيبة السلميّ باع متاعا من أمية بن خلف، فلواه وذهب بحقّه، فاستجار برجل من بني جمح فلم يقوموا بجواره فقال:

يال قصيّ كيف هذا في الحرموحرمة البيت وأعلاق الكرم

أظلم لا يمنع منّي من ظلم

وبلغ الخبر عباس بن مرداس فقال:

إن كان جارك لم تنفعك ذمّتهوقد شربت بكأس العدل أنفاسا
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «إن كان جارك لم تنفعك ذمته»
فأت البيوت وكن من أهلها صددالا تلف ناديهم فحشا ولا ياسا
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «إن كان جارك لم تنفعك ذمته»
وثمّ كن بفناء البيت معتصماتلق ابن حرب وتلق المرء عباسا
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «إن كان جارك لم تنفعك ذمته»

فقام العباس وأبو سفيان حتى ردّا عليه متاعه. واجتمعت بطون قريش فتحالفت على ردّ المظالم بمكّة، وألّا يظلم أحد إلّا منعوه وأخذوا له بحقّه.

وقال آخرون: تحالفوا على مثل ما تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر لا يقرون ظالما ببطن مكة إلّا غيروه، وأسماؤهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة.

- وحدث ابن شهاب قال: كان شأن حلف الفضول وبدء ذلك أنّ رجلا من بني زبيد قدم مكة معتمرا في الجاهلية ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم، فآواها إلى بيته ثم إنه تغيب. فابتغى الزبيديّ متاعه فلم يقدر عليه. فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه فأغلظوا له، فعرف ألّا سبيل إلى ما له، فطوّف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه. فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها في المسجد الحرام وقال:

يا آل فهر لمظلوم بضاعتهببطن مكة نائي الدار والنّفر
ومحرم شعث لم يقض عمرتهيا آل غالب بين الحجر والحجر
أقائم في بني سهم بذمتهمأم ذاهب في ضلال مال معتمر

فلما نزل أعظمت قريش ذلك، فتكلّمت فيه، فقال المطّيبون: والله لئن تكلّمنا في هذا لتغضبنّ الأحلاف. وقالت الأحلاف: والله لئن تكلمنا في هذا ليغضبنّ المطّيبون. وقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفاء فضولا دون المطيبين ودون الأحلاف، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان وصنع لهم يومئذ طعاما كثيرا. وكان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله معهم يومئذ، وهو ابن خمس وعشرين سنة. فاجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم وتحالفوا على أن لا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حرّ ولا عبد، إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه، ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم. ثم عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت منه أركانه ثم أتوا به فشربوه.

فحدثت عائشة أنها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله يقول: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول. أما لو دعيت إليه [اليوم] لأجبت، وما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم وأني نقضته. وكان معهم في الحلف بنو المطلب، فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أنّ رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس [حتى أدخل] في حلف الفضول؛ ولم يكن عبد شمس في هذا الحلف.

وروي أنّ سبب حلف هذه القبائل أمر الغزال الذي سرق من الكعبة.

ب- وقيل: كان بين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وبين الحسين بن

علي ﵉ كلام، والوليد يومئذ أمير على المدينة في زمن معاوية بن أبي سفيان، في مال كان بينهما بذي المروة. قال الحسين بن علي: استطال عليّ الوليد بسلطانه فقلت: أقسم بالله لتنصفنّي من حقي أو لآخذنّ سيفي ثم لأقومنّ في مسجد رسول الله ﷺ ثم لأدعونّ بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير وكان عند الوليد حين قال الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذنّ سيفي ثم لأقومنّ معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك، فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ الوليد بن عتبة ذلك أنصف الحسين من حقه حتى رضي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.