تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

حكايات في الباب

- قال النبي ﷺ: زيّن الله السماء بثلاث: بالشمس والقمر والكواكب، وزيّن الأرض بثلاث: بالعلماء، والمطر، وسلطان عادل.

- قيل: إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب ملكه بالعصيان.

- قيل لأنوشروان: أيّ الجنن أوقى؟ قال: الدين، قيل فأيّ العدد

أقوى؟ قال العدل.

- قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: جلس أبي يوما للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا فقال له: ألك حاجة؟ قال:

نعم، تدنيني إليك فإنني مظلوم، فأدناه فقال: إني مظلوم وقد أعوزني الإنصاف، قال ومن ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك فأذكر حاجتي.

قال: ومن يحجبك وقد ترى مجلسي مبذولا؟ قال: يحجبني عنك هيبتك، وطول لسانك، وفصاحتك واطّراد حجتك. قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصبا بغير ثمن، وإذا وجب عليها خراج أدّيته باسمي لئلّا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلّتها وأنا أؤدّي خراجها، وهذا ما لم يسمع في الظلم بمثله. فقال له محمد: هذا قول يحتاج إلى بيّنة وشهود وأشياء، فقال له الرجل: أيؤمّنني الوزير من غضبه حتى أجيب؟

قال: قد أمّنتك. قال: البيّنة هم الشهود، وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء، فما معنى قولك: فيه شهود وأشياء؟ ما هذه الأشياء إلّا العيّ والحصر والتغطرس؟ فضحك وقال: صدقت، والبلاء موكّل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعا. ثم وقع له بردّ ضيعته وبأن يطلق له كرّ حنطة وكرّ شعير ومائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، وصيّره من أصحابه واصطنعه.

- قيل لأعرابيّ من بني أسد: كيف تركت الناس قال: بشرّ، من مظلوم لا ينتصر، وظالم لا يقلع.

قال عبد الملك بن مروان: كنت أجالس بريرة قبل أن ألي هذا الأمر، فقالت لي: يا عبد الملك إنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته فاحذر

الدماء، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله يقول: إنّ الرجل ليحال بينه وبين الجنة بعد أن ينظر إليها بملء كفّ من دم مسلم سفكه بغير حقّ.

وروي أنّ رجلا من عمّال عمر ﵁ أمر رجلا أن ينزل في واد ينظر كم عمقه، فقال الرجل: إني أخاف، فعزم عليه فنزل، فلما خرج كزّ فمات، فنادى: يا عمراه، فبعث عمر إلى العامل فقال: أما لولا أني أخاف أن تكون سنة بعدي لضربت عنقك، ولكن لا تبرح حتى تؤدي ديته، والله لا ولّيتك شيئا أبدا.

- وروي أنّ يهوديا جاء إلى عبد الملك بن مروان فقال: إنّ ابن هرمز ظلمني، ثم أتاه الثانية ثم الثالثة فلم يلتفت اليه، فقال له اليهودي: إنا نجد في التوراة أنّ الإمام لا يشرك في ظلم أحد ولا جوره حتى يرفع إليه فإذا رفع إليه ولم يغيّر شرك في الظلم والجور. ففزع عبد الملك وأرسل إلى ابن هرمز فنزعه.

قال سريع الأهوازيّ: بعث إليّ عيسى بن جعفر فسألني عن النبيذ فقلت: سل عن الماء الذي يشربه النصارى واليهود والمجوس والكلاب والخنازير حلالا وتشربه أنت حراما، قال: وكيف ذاك؟ قلت: إنّ غلمانك يسخّرون الناس ويستقونه لهم. فبكى.

- قال محمد بن صفوان الضبي: كنت أقوم على رأس سليمان بن عبد الملك، فدخل عليه رجل من حضرموت من حكمائهم، فقال له سليمان: تكلّم بحاجتك، فقال: من كان الغالب على كلامه النصيحة وحسن الإرادة أوفى به كلامه على السلامة، وإني أعوذ بالذي أشخصني من أهلي حتّى أوفدني عليك أن ينطقني بغير الحقّ، وأن يذلّل لساني بما فيه سخطه عليّ، وإنّ إقصار الخطبة أبلغ في أفئدة أولي الفهم من الإطالة والتشديق في البلاغة، ألا وإنّ من البلاغة يا أمير

المؤمنين ما فهم وإن قلّ، وإني مقتصر على الاقصار مجتنب لكثير من الإكثار.

أشخصني إليك وال عسوف ورعية ضائعة، وانك إن تعجل تدرك ما فات، وإن تقصّر تهلك رعيتك هناك ضياعا، وها فخذها إليك قصيرة موجزة. فقال سليمان: ادع لي رجلا من الحرس فاحمله على البريد وقل له: إذا أتيت البلاد فلا تنزل من مركبك حتى تعزله، ومن كانت له ظلامة أخذت له بحقّه. ثم أمر للحكيم بمال فأبى أن يقبل وقال: إني والله يا أمير المؤمنين أحتسب سفري على الله ﷿، وإني أكره أن آخذ عليه من غيره أجرا. قال: انطلق بارك الله عليك. فلما ولّى قال سليمان: ما أعظم بركة المؤمن في كلّ شيء.

- أتي المنصور ببشير الرحّال ومطر الوراق مكبّلين، وقد كانا خرجا مع إبراهيم بن عبد الله فقال لبشير: أنت القائل أجد في قلبي غمّا لا يذهبه إلّا برد عدل أو حرّ سنان؟ قال: نعم. قال: فو الله لأذيقنّك حرّ سنان يشيب منه رأسك، قال: إذن أصبر صبرا يذلّ به سلطانك، فقطعت يده فما قطّب ولا تحلحل، وقال لمطر: يا ابن الزانية، قال: إنك تعلم أنها خير من سلامة، قال: يا أحمق، قال: ذاك من باع دينه بدنياه، فرمي به من سطح فمات.

ظلم كبير من بني أمية حجازيا في ماله، فما تظلّم منه إلى أحد إلّا ضلع للأمويّ عليه. فخرج إلى سليمان وجعل لخصيّ أثير عنده مائتي دينار ليوصله إليه خاليا، فأوصله إليه حين سلّم في صلاته وجعل يدعو ويخطر بإصبعه نحو السماء ويتضرّع. فلما رآه كذلك رجع عنه، فسأل عنه سليمان وأمر بطلبه حتى صودف خارجا من باب دمشق، فأدخل عليه بعد شدّة شديدة وإلحاح،

فقال له: ما شأنك؟ قال: جددت في التوصّل إليك، فلما رأيتك تخطر بإصبعك نحو السماء وتتضرّع علمت أني قد أخطأت موضع طلب الحاجة، فرجعت لأطلبها من حيث طلبت أنت حوائجك. فبكى سليمان وقال: إنّ الذي طلبت إليه حاجتك قد قضاها، وأمر بردّ ما أخذ منه وإعطائه ما يصلح ماله، ووصله وكساه وحمله وأمر له بفرائض.

- قال الحجاج: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله: إنّ الله يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)

(التغابن:) فجعل فيها مثنويّة وقال (وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)

(التغابن:) فلم يجعل فيها مثنوية، فلو قلت لرجل ادخل من هذا الباب فلم يدخل لحلّ لي دمه.

- وخطب مرّة فقال: أتزعمون أنّي شديد العقوبة، وهذا أنس حدثني أنّ رسول الله ﷺ قطع أيدي رجال وأرجلهم وسمل أعينهم، قال أنس:

فوددت أني متّ قبل أن أحدّثه، جعل عدوّ الله فعل رسول الله ﷺ في أعداء الله حيث نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين احتجاجا لنفسه في قتل الصالحين وخيار الأمّة.

- إياس بن قتادة:

وإنّ من السادات من لو أطعتهدعاك إلى نار يفور سعيرها

- قيل لأبي مسلم: لقد قمت بأمر لا يقصّر بك عن الجنّة، فقال:

خوفي فيه من النار أولى من الطمع في الجنة. إني أطفأت من بني أمية جمرة، وألهبت من بني العباس نيرانا، فإن أفرح بالإطفاء فواحزنا من الإلهاب.

- قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وقرّة ابن شريك بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، ومحمد بن يوسف باليمن:

امتلأت الأرض والله جورا.

- محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن:

متى نرى للعدل نورا فقدأسلمني ظلم إلى ظلم ضأمنيّة طالت عداتي بها

كأنني فيها أخو حلم

- طرفة:

والظلم فرّق بين حيّي وائلبكر تساقيها المنايا تغلب
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «ما تنظرون بحق وردة فيكم»

- رفع إلى أنوشروان أنّ عامل الأهواز قد جبى من المال ما يزيد على الواجب، فوقع: يردّ المال على الضعفاء، فإنّ الملك إذا كثرت أمواله بما يأخذ من رعيّته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنائه.

شاعر:

لا تبع عقدة مالخيفة الجار الغشوم
واصطبر للفلك الجاري على كلّ ظلوم
فهو الدائر بالأمس على آل سدوم

- كان معلم أنوشروان يضربه بلا ذنب، ويأخذه بأن يمسك الثلج في يده حتى يكاد كفّه يسقط، فآلى لئن ملكت لأقتلنّه. فلما ملك هرب فأمّنه، فلما أتاه سأله عن الضرب ظلما فقال: لتعرف حقد المظلوم إذا ظلمته. قال:

أحسنت، فالثلج الذي كنت تعذّبني به؟ قال: ستعرف ذلك. فغزا فأصبحوا في غداة باردة فلم يقدروا على توتير قسيّهم، فوترها لهم فقاتل وظفر، فعلم مراد مؤدّبه.

- لما ولي الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة:

محرّمكم ديوانكم وعطاؤكمبه يكتب الكتّاب والكتب تطبع
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أيها الركب المخبون أبلغوا»
ضمنت لكم إن لم تعقني منيّتيبأن سماء الضرّ عنكم ستقلع

وهذا الشعر له وأوّله:

ألا أيها الركب المخبّون بلّغواسلامي سكان البلاد فأسمعوا
وقولوا أتاكم أشبه الناس سنّةبوالده فاستبشروا وتوقعوا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أيها الركب المخبون أبلغوا»
سيوشك إلحاق لكم وزيادةوأعطية تأتي تباعا فتنفع

فقال حمزة بن بيض يردّ على الوليد لما فعل خلاف ما قال:

وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعدمازعمت سماء الضرّ عنا ستقلع
فليت هشاما كان حيا يسوسناوكنّا كما كنّا نرجّي ونطمع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.