تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

أخبار في العدل والجور

- وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام.

- وقال ﷺ: من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فقد حادّ الله في ملكه، ومن أعان على خصومة بغير علم فقد باء بسخط الله.

- وقال ﷺ: من أعان على باطل ليدحض بباطله حقا فقد برىء من ذمّة الله وذمة رسوله.

- قال يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله.

- وروي عن جعفر بن محمد أنه قال: قال الله ﷿: وعزتي لأجيبنّ دعوة المظلوم وإن كان كافرا، كفره على نفسه وإزالة الظلم عليّ.

- وعنه قال: ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: أي ربّ، عبدك! ظلمت فلم أنتصر إلّا بك، إلّا قال الله ﷿: لبيك عبدي حقا، لأنصرنّك ولو بعد حين.

وروي أنّ رجلا من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله جلس بين يديه وقال: يا رسول الله إنّ لي مملوكين يخونونني ويعصونني ويكذبونني، فأين أنا منهم؟ فقال ﷺ: يحسب ما خانوك وعصوك وكذّبوك وعقابك

إياهم، فإن كان ذلك بقدر ذنوبهم كان ذلك كفافا لا لك ولا عليهم، وإن كان أكثر من ذنوبهم اقتصّ لهم منك. فبكى الرجل، فقال ﷺ: أما تقرأ (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ)

(الأنبياء:) فقال الرجل: والله يا رسول الله ما لي في صحبة هؤلاء من خير، أشهدك أنهم أحرار كلهم.

قيل أوحى الله إلى نبيّ من بني إسرائيل أن مر ملوك بني إسرائيل أن ينزلوا الجدب وينزلوا الرعيّة الخصب، ويشربوا الرّنق ويسقوا الرعيّة الصّفو، وإلّا حاسبتهم بالذرّة والشعرة.

- سأل الاسكندر حكماء أهل بابل: أيّما أبلغ عندكم الشجاعة أم العدل؟ قالوا: إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة.

- ويقال: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان.

- وتزعم الفرس أنّ فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور كان عادلا إلّا أنّه كان مشؤوما على رعيّته، فقحط الناس في زمانه سنين، وغارت الأنهار والعيون والقنيّ، وقحلت الأشجار والغياض، وتماوتت الوحوش والطيور، وصارت الدوابّ والأنعام لا تطيق حمولة، فأحسن إلى الناس، وكفّ عن الجباية، وقسم ما في بيت الأموال، وأمر بإخراج ما في الهري والمطامير من الطعام، وترك الاستئثار به، وتساوى فيه غنيّهم وفقيرهم، وأخبرهم أنه متى بلغه أنّ إنسيّا مات جوعا عاقب أهل تلك المدينة أو القرية ونكّل بهم أشدّ النكال.

فيقال إنه لم يهلك في تلك المجاعة واللّزبة إلّا رجل واحد من رستاق كورة أردشير. فقام عدله في الرعيّة مقام الخصب.

- ويقال: إذا رغب الملك عن العدل رغبت رعيّته عن طاعته.

موت الملك الجائر خصب شامل.

قيل: أيّ شيء أرفع لذكر الملوك؟ قيل: تدبيرهم أمر البلاد بعدل، ومنعهم إياها بعزّ.

وكان بعضهم يوصي عمّاله فيقول: سوسوا الناس بالمعدلة، واحملوهم على النّصفة، واحذروا أن تلبسونا جلودهم، أو تطعمونا لحومهم، أو تسقونا دماءهم.

ذكر أعرابيّ السلطان فقال: أما والله لئن عزّوا في الدنيا بالجور، لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل.

قال الشعبيّ: كان بين عبد الله بن شريح وبين قوم خصومة، فقال:

يا أبت إنّ بيني وبين قوم خصومة، فإن كان الحقّ لي خاصمتهم. قال: اذكر لي قصتك. فذكرها له، فقال: ائتني بهم، فلما أتاه بهم قضى على ابنه؛ فلما رجع قال: يا أبت لو لم أخبرك بقصتي كان أعذر لك عندي، فقال: يا بنيّ أنت أعزّ عليّ من ملء الأرض مثلهم، والله تعالى أعزّ عليّ منك. كرهت أن أخبرك أنّ القضاء عليك فتصالحهم.

- وانصرف شريح يوما من مجلس القضاء، فلقيه رجل فقال: أما حان لك يا شيخ أن تخاف الله تعالى وتستحيي؟ قال: ويلك من أيّ شيء؟

قال: كبرت سنّك، وفسد ذهنك، وكثر نسيانك، وأدهن كاتبك، وارتشى ابنك، فصارت الأمور تجوز عليك. قال: لا والله لا يقولها لي بعدك أحد، واعتزل عن القضاء ولزم بيته. وقضى شريح بالكوفة ستين سنة، ولّاه عمر بن الخطاب ﵁ وبقي إلى أيّام الحجاج.

ولّى الرشيد عاملا خراج طساسيج السواد، فقال لجعفر ويحيى:

أوصياه؛ فقال جعفر: وفّر واعمر، وقال يحيى أنصف وانتصف، وقال الرشيد:

يا هذا أحسن واعدل. ففضّل الناس كلام الرشيد، فقيل لهما: لم نقص كلامكما عن كلامه؟ فقال جعفر: لا يعتدّ هذا نقصانا إلّا من لا يعرف ما لنا وما علينا، إنما أمرنا بما علينا أن نأمر به، وأمر أمير المؤمنين بما له أن يأمر به.

- وقع جعفر بن يحيى إلى عامل له: أنصف من وليت أمره، وإلّا أنصفه منك من ولي أمرك.

- ووقّع إلى أحمد بن هشام في قصة متظلّم: اكفني أمر هذا، وإلّا كفيته أمرك.

كتب الفضل بن يحيى إلى عامل له: بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد.

- تنازع إبراهيم بن المهدي وبختيشوع المتطبّب بين يدي أحمد بن أبي دواد القاضي في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد، فأربى عليه ابن المهدي وأغلظ له بين يدي ابن أبي دواد، فأحفظه ذلك فقال: يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم فلا أعلمنّ ما رفعت عليه صوتا، ولا أشرت بيدك، وليكن قصدك أمما، وطريقك ثبجا، وريحك ساكنة. ووفّ

مجالس الحكومة حقّها من التوقير والتعظيم والتوجيه إلى الواجب، فإنّ ذلك أشبه بك، وأجمل لمذهبك في محتدك وعظيم قدرك، ولا تعجل فربّ عجلة تعقب ريثا، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتمّ نعمته عليك كما أتمّها على أبويك من قبل. قال إبراهيم: أصلحك الله، أمرت بسداد، وحضضت على رشاد، ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتي، ويسقطني من عينك، ويخرجني عن مقدار الواجب إلى الاعتذار؛ فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقرّ بذنبه، باخع بجرمه، فإنّ الغضب لا يزال يستفزّني بهواه، فيردّني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛ وقد وهبت حقي في هذا العقار لبختيشوع، فليت ذلك يقوم بأرش الجناية، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق.

- كتب المنصور إلى سوّار بن عبد الله القاضي في مال كان له على سلمة بن سعيد، لما مات سلمة، وكان عليه ديون للناس وللمنصور، فكتب إليه: استوف لأمير المؤمنين دينه، وفرّق ما يبقى بين الغرماء. فلم يلتفت إلى كتابه وضرب للمنصور بسهم من المال كما ضرب لواحد من الغرماء، ثم كتب إليه: إني رأيت أمير المؤمنين غريما من الغرماء. فكتب إليه المنصور: ملئت الأرض بك عدلا.

- قيل: أول من أظهر الجور في القضاء في الحكم بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري، وكان أمير البصرة وقاضيها. كان يقول: إنّ الرجلين يتقدّمان إليّ فأجد أحدهما أخفّ على قلبي فأقضي له.

- وخاصم خالد بن صفوان إليه رجلا فقضى على خالد، فقام خالد وهو يقول: سحابة صيف عن قليل تقشّع.

فقال بلال: أما إنها لا تقشّع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، وأمر به إلى الحبس. فقال خالد: علام تحبسني فو الله ما جنيت جناية، فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت، وأقياد ثقال، وقيّم يقال له حفص.

- وخطب بلال بالبصرة فعرف أنهم قد استحسنوا كلامه فقال: لا يمنعنّكم ما تعلمون فينا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منّا.

- تقدّم المأمون بين يدي يحيى بن أكثم مع رجل ادّعى عليه ثلاثين ألف دينار، فطرح المأمون مصلّى يجلس عليه، فقال يحيى: لا تأخذ على خصمك شرف المجلس. ولم يكن للرجل بيّنة، فحلف المأمون، فلما فرغ وثب يحيى فقام على رجليه فقال: ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حقّ الله تعالى حتى أخذته منك، وليس الآن من حقّك أن أتصدّر عليك. فأعطى الرجل ما ادّعاه، وهو ثلاثون ألف دينار، وقال: خذه، والله إني ما كنت لأحلف على فجرة ثم أسمح لك بالمال فأفسد ديني ودنياي. وو الله ما دفعت إليك هذا المال

الساعة إلّا خوفا من هذه العامة فلعلها ترى أني تناولتك من جهة القدرة، ومنعتك حقّك بالاستطالة عليك. فأما الآن فإنها تعلم أنّي ما كنت لأسمح باليمين والمال، وأمر ليحيى بثلاثين ألف دينار، وتصدّق بثلاثين ألف دينار.

- وكان أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز السّكونيّ قاضيا للمعتضد، مات في أيامه الضّبعيّ صاحب الطعام، وله أطفال، وعليه للمعتضد دين قدره أربعة آلاف دينار. فقال المعتضد لعبيد الله بن سليمان: قل لعبد الحميد أن يدفع إلينا هذا المال من تركة الضبعي، فذكر له ذلك، فقال أبو خازم: إنّ المعتضد كأسوة الغرماء في تركة الضبعي. فقال له عبيد الله: أتدري ما تقول؟

فقال أبو خازم: هو ما قلت لك. وكان المعتضد يلحّ على عبيد الله في اقتضاء المال، وعبيد الله يؤخر ما قال له أبو خازم، فلما ألحّ عليه أخبره بما قال أبو خازم، فأطرق المعتضد ثم قال: صدق عبد الحميد هو كما قال: نحن كسائر الغرماء وأسوتهم.

- أخذ عمر بن الخطاب، ﵁، من رجل فرسا على سوم، فحمل عليه رجلا فعطب الفرس، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فقال له الرجل: أجعل بيني وبينك شريحا العراقيّ. فقال: يا أمير المؤمنين أخذته صحيحا سليما فعليك أن تردّه كما أخذته، فأعجبه ما قال، وبعث به قاضيا. ثم قال: ما وجدته في كتاب الله سبحانه فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يستبن في كتاب الله فالزم السنّة، فإن لم يكن في السنة فاجتهد رأيك.

- وقال له عمر حين استقضاه: لا تشارّ ولا تضار، ولا تشتر ولا تبع، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين:

إنّ القضاة إن أرادوا عدلاودفعوا قول الخصوم فصلا
وزحزحوا بالحكم عنهم جهلاكانوا كغيث قد أصاب محلا

- ويقال: إنّ شريحا عاش مائة وستّ سنين، فقضى منها ستين سنة.

- قال مسروق: لأن أحكم يوما بحقّ أحبّ إليّ من أن أغزو سنة في سبيل الله.

- سمع ابن شبرمة ينشد:

يمنّونني الأجر الجزيل وليتنيأجوز كفافا لا عليّ ولا ليا

قال أحمد بن وزير القاضي: لما ولّاني المعتزّ القضاء قال لي: يا أحمد قد ولّيتك القضاء، وإنما هي الدماء والفروج والأموال ينفذ فيها حكمك، ولا يردّ أمرك، فاتّق الله وانظر ما أنت صانع.

- قال القاضي أبو عمر، وقدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى يوسف بن يعقوب- يعني أباه- في حكم فجاء فارتفع في المجلس، وأمره الحاجب بموازاة خصمه فلم يفعل إدلالا بعظم محلّه من الدولة، فصاح القاضي

عليه وقال: قفاه، أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع؟! يا غلام عمرو بن أبي عمرو النخاس لتقدم إليه الساعة ببيع هذا العبد وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين. ثم قال لحاجبه: خذ بيده، وسوّ بينه وبين خصمه؛ فأخذ كرها وأجلس مع خصمه.

فلما انقضى الحكم انصرف الخادم، فحدّث المعتضد بالحديث وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك إلى ملكي أبدا، وليس خصوصيّتك بي تزيل مرتبة الحكم فإنه عمود السلطان وقوام الأديان.

- قال الأحنف: ما عرضت الإنصاف قطّ على رجل فقبله إلّا هبته، ولا أباه إلّا طمعت فيه.

- كتب المنصور إلى سوّار في شيء كان الحقّ في خلافه، فلم ينفذ سوّار كتابه وأمضى الحكم عليه، فتغيّظ المنصور عليه وتوعّده. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما عدل سوّار لك ومضاف إليك وزين خلافتك، فأمسك عنه.

- وكتب المهديّ إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة أن ينظر الأنهار التي كانت في أيام عمر وعثمان، ﵄، فيأخذ الصدقة منها، نحو نهر معقل ونهر الأبلّة وما أشبههما، ويأخذ من الأنهار التي أحدثت بعد ذلك الخراج، فلم ينفذ كتابه، فتوعّده، فلما بلغ عبيد الله الخبر أحضر أشراف أهل البصرة من أهل العلم بالقضاء، وأشهدهم أنه قد قضى لأهل الأنهار كلّها التي بجزيرة العرب بالصدقة، فلم يردد المهديّ شيئا عليه من فعله.

وقيل: كان حفص بن عتاب جالسا في الشرقية يقضي، فأنفذ الخليفة يستدعيه، فقال للرسول: أفرغ من أمر الخصوم، إذ كنت أجيرا لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين. ولم يقم حتى تفرّق الخصوم.

- حدث وكيع القاضي قال: كنت أتقلّد لأبي خازم وقوفا في أيام المعتضد، منها وقوف الحسن بن سهل، فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر الحسنيّ أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل التي كانت في يدي، وبلغت السّنة آخرها وقد جبيت مالها إلّا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرّفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبله وعلى أهل الوقف، فقال لي:

فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟

قال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه؛ والله لئن لم يزح العلة لا وليت له عملا، ثم قال: امض إليه الساعة وطالبه، فقلت من يوصلني؟ قال: امض إلى صافي الحرمي وقل له إنك رسول أنفذتك في مهمّ، فإذا وصلت فعرّفه ما قلت لك. فجئت إلى صافي فأوصلني، وكان آخر النهار، فلما مثلت بين يدي الخليفة ظنّ أنّ أمرا عظيما قد حدث، وقال: هي قل، كأنه متشوّق، فقلت له: إني ألي لعبد الحميد قاضي أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جبيت مال هذه السنة امتنع من تفرقته إلى أن أجبي ما على أمير المؤمنين، وأنفذني الساعة قاصدا بهذا السبب، وأمرني أن أقول إني

حضرت في مهمّ لأصل إليك. فسكت ساعة مفكرا ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي هات الصندوق. فأحضر صندوقا لطيفا فقال: كم يجب لك؟

فقلت: الذي جبيت عام أول من ارتفاع هذه العقارات أربعمائة دينار. فقال:

كيف حذقك بالنّقد والوزن؟ قلت: أعرفهما. قال: هاتوا ميزانا، فجاءوا بميزان حرّانيّ عليه حلية ذهب، وأخرج من الصندوق دنانير عينا فوزن لي منها أربعمائة دينار، فانصرفت بها إلى أبي خازم فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرّقه في غد في سبله، ففعلت.

- وكان عافية القاضي يتقلّد للمهديّ أحد جانبي بغداد، وكان عالما زاهدا، فصار إلى المهدي في وقت الظهر في يوم من الأيام وهو خال، فاستأذن عليه فأدخله، وإذا معه قمطره، فاستعفاه من القضاء واستأذنه في تسليم القمطر إلى من يأمره بذلك. فظنّ أنّ بعض الأولياء قد غضّ منه أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك فقال: ما جرى من هذا شيء فقال: ما سبب استعفائك؟ فقال: كان يتقدّم إليّ خصمان موسران وجيهان مذ شهران في قصة معضلة مشكلة، وكلّ يدّعي بيّنة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبت.

فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا أو يعنّ لي وجه فصل ما بينهما. قال:

فوقف أحدهما من خبري على أني أحبّ الرّطب السكر، فعمد في وقتنا وهو أول أوقات الرطب إلى أن جمع من الرطب السكر ما لا يتهيأ في زماننا جمع مثله إلّا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوّابي جملة دراهم على أن يدخل

الطبق إليّ ولا يبالي أن يردّ. فلما أدخل إليّ أنكرت ذلك وطردت بوّابي وأمرت بردّ الطبق. فلما كان اليوم تقدم إليّ مع خصمه فما تساويا في قلبي ولا في عيني. وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف تكون حالي لو قبلت؟ ولا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني فأهلك. وقد فسد الناس. فأقلني أقالك الله وأعفني، فأعفاه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.