من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
في الغيبة والسعاية
- كتب محمد بن خالد إلى ابن الزيات: إنّ قوما صاروا إليه منتصحين فذكروا أنّ رسوما للسلطان قد عفت ودرست، وأنه توقّف عن كشفها إلى أن يعرف موقع رأيه فيها، فوقّع على رقعته: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وسوق السّعاة تكسد عندنا، وألسنتهم تكلّ في أيامنا، فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك، فلم ترد الناحية لكشف الرسوم العافية، ولا لتحيي الأعلام الداثرة، وجنّبني وتجنّب قول جرير:
وكنت إذا حللت بدار قومرحلت بخزية وتركت عارا
فأجر الأمر على ما يكسبنا الدعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدّة تنقضي فإما خزي طويل، وإما ذكر جميل.
قال أنس: من اغتاب المسلمين، وأكل لحومهم بغير حقّ، وسعى بهم إلى السلاطين، جيء به يوم القيامة مزرقّة عيناه، ينادي بالويل والثبور والندامة، يعرف أهله ولا يعرفونه.
- ابن الرومي:
ولو بلّغتني عنك أذني أقمتهالديّ مقام الكاشح المتكذّب
ولست بتقليب اللسان مصارماخليلي إذا ما القلب لم يتقلّب
- قال رجل لعمرو بن عبيد: إنّ الأسواريّ لم يزل يذكرك ويقول:
الضالّ، فقال عمرو: يا هذا والله ما رعيت حقّ مجالسته حين نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقّي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه. اعلم أنّ الموت يعمّنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا.
المستورد رفعه: من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله مثلها من نار جهنّم (وهو أن يسعى بأخيه ويجترّ نفعا بسعايته).
- قال عليّ ﵇: الساعي ظالم لمن سعى به، خائن لمن سعى إليه.
- وقال معاوية للأحنف في شيء بلغه عنه، فأنكره الأحنف: بلّغني عنك الثقة، فقال الأحنف: إنّ الثقة لا يبلّغ.
- وقال عبد الله بن همام
أنت امرؤ إمّا ائتمنتك خاليافخنت وإما قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننابمنزلة بين الخيانة والإثم
- وكان الفضل بن سهل يبغض السعاة، وإذا أتاه ساع قال له: إن صدقتنا أبغضناك، وإن كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك.
- ويشبهه ما ذكر عن الوليد بن عبد الملك أنه قال لمنتصح أتاه يستخليه: إن كانت نصيحتك لنا فأظهرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة بنا إليها.
فقال: لي جار أخلّ ببعثه، فقال له: أما أنت فقد خبّرتنا أنك جار سوء، فإن شئت أن ننظر فإن كنت صادقا أقصيناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت تاركناك، فقال: تاركوني.
- وكتب الفضل بن سهل في جواب كتاب ساع: ونحن نرى أنّ قبول السعاية شرّ من السعاية، لأنّ السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء وأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتّقوا الساعي فإنه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة.
- وجاء رجل إلى الوليد بن عبد الملك فقال: إنّ فلانا نال منك، فقال: أتريد أن تقتصّ أو تارك من الناس بي؟
- وقال له رجل: إنّ فلانا شتمك، فقال: أتراه شتمك؟! - رفع بعض السعاة إلى أبي العباس السفاح قصة بسعاية على بعض عماله، فوقّع فيها: هذه نصيحة لم يرد بها ما عند الله ﷿، ونحن لا نقبل قول من آثرنا على الله تعالى.
وقال بعضهم: رأيت المأمون قد ضرب غسّان بن عباد خمس عشرة درة لإعادته حديثا على النبيذ.
- لما ولي عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك دمشق ولم يكن في بني أميّة ألبّ منه مع حداثة سنّه، قال أهل دمشق: هذا غلام شابّ لا علم له بالأمور وسيسمع منا. فقام إليه رجل فقال: أصلح الله الأمير، عندي نصيحة، قال:
ليت شعري ما هذه النصيحة التي ابتدأتني بها من غير يد سبقت إليك مني؟
قال: جار لي عاص متخلّف عن ثغره، فقال له: ما اتّقيت الله تعالى، ولا أكرمت أميرك، ولا حفظت جوارك. إن شئت نظرنا فيما تقول: فإن كنت صادقا لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت أقلناك. قال:
أقلني. قال: اذهب حيث شئت لا صحبك الله، إني أراك شرّ جيل رجلا. ثم قال: يا أهل دمشق، أما أعظمتم ما جاء به الفاسق؟ إنّ السعاية أحسب منه سجية، ولولا أنه لا ينبغي للوالي أن يعاقب قبل أن يعاتب، كان لي في ذلك رأي، فلا يأتينّي أحد منكم بسعاية على أحد بشيء، فإنّ الصادق فيها فاسق، والكاذب فيها بهّات.
قيل: من سعى بالنميمة حذره الغريب ومقته القريب.
قال ابن المعتز: النمام جسر الشرّ.
- قال السريّ الرفّاء يذمّ مذيعا للسرّ:
سرّي لديك كأسرار الزجاجة لايخفى على العين منها الصفو والكدر
فاحذر من الشعر كسرا لا انجبار لهفللزجاجة كسر ليس ينجبر
وقال أيضا في مثله:
وانك كلّما استودعت سرّاأنمّ من النسيم على الرياض
- وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
أناس أمنّاهم فنمّوا حديثنافلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا
- والجيّد في ذلك قول الأول:
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعواشرّا أذيع وإن لم يسمعوا كذبوا
- وقال آخر:
إنّ النّموم أغطّي دونه خبريوليس لي حيلة في مفتري الكذب
- خطب أبو الأسود الدؤلي امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد، فأسرّ أمرها إلى صديق له من الأزد يقال له الهيثم بن زياد، فحدّث به ابن عم لها كان يخطبها، وكان لها مال عند أهلها [فمشى ابن عمها الخاطب لها إلى
أهلها] الذين مالها في أيديهم، فأخبرهم خبر أبي الأسود وسألهم أن يمنعوها من نكاحه ومن مالها الذي في أيديهم، ففعلوا وضارّوها حتى تزوّجت ابن عمها، فقال أبو الأسود في ذلك:
لعمري لقد أفشيت يوما فخاننيإلى بعض من لم أخش سرّا ممنّعا
فمزّقه مزق العمى وهو غافلونادى بما أخفيت منه فأسمعا
حديثا أضعناه كلانا فلن أرىوأنت نجيّا آخر الدهر أجمعا
وكنت إذا ضيّعت سرّك لم تجدسواك له إلّا أشتّ وأضيعا
- كان مسلم بن الوليد جالسا بين يدي يزيد بن مزيد فأتاه كتاب فيه مهمّ له فقرأه ثم أراد القيام، فقال له مسلم:
الحزم تخريقه إن كنت ذا حذروإنما الحزم سوء الظنّ بالناس
لقد أتاك وقد أدّى أمانتهفاجعل أمانته في بطن أرماس
قال فضحك يزيد وقال: صدقت لعمري، وخرّق الكتاب.
- قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: من سمع بفاحشة فأفشاها فهو الذي أتاها.
ب- أبو تمام:
منيع نواحي السرّ منه حصينها
- المتنبي:
وللسرّ مني موضع لا ينالهنديم ولا يفضي إليه شراب
- ابن نباتة:
أكاتم قلبي رأي عيني وإنهليكتم عنّي سرّ كلّ خليل
- الأحوص:
كريم يميت السرّ حتى كأنهعم بنواحي أمره وهو خابر
دنا رجل من آخر فكلّمه فقال: ليس ها هنا أحد فقل، فقال: من حقّ السرّ التداني.
- شاعر في ضد ذلك:
فلا تودعي الأسرار أذني فإنماتصبّين ماء في إناء مثلّم
- آخر:
أمنت على السرّ امرءا غير حازمولكنّه في النصح غير مريب
أذاع به في الناس حتى كأنّهبعلياء نار أوقدت بثقوب
- ليم بعضهم على إفشاء السرّ فقال: المصدور إذا لم ينفث جوي، والمهجور إذا لم يشك وري.
- قال الزبير: لما وفدت على المتوكل قال لي: ادخل إلى أبي عبد الله
يعني المعتز، فدخلت إليه وهو صبيّ فحدثته وأنشدته، وسألني عن الحجاز وأهله، ثم نهضت لأنصرف فعثرت فسقطت فقال لي المعتز: يا زبير:
كم عثرة لي باللسان عثرتهاتفرّق من بعد اجتماع من الشمل
يموت الفتى من عثرة بلسانهوليس يموت المرء من عثرة الرجل
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع