من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أشعار في صون السر
- قول امرىء القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانهفليس على شيء سواه بخزّان
- وكان عليّ ﵇ ينشد كثيرا هذين البيتين، فقوم ينسبونهما إليه وقوم يقولون إنما كان ينشدهما متمثلا:
فلا تفش سرّك إلّا إليكفإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرّجال لا يتركون أديما صحيحا
- وقال قيس بن الخطيم:
إذا جاوز الاثنين سرّ فإنهببثّ وتكثير الحديث قمين
وإن ضيّع الإخوان سرّا فإننيكتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ضمنتهمكان بسوداء الفؤاد مكين
- وقال آخر:
سأكتمه سرّي وأحفظ سرّهولا غرّني أني عليه كريم
حليم فينسى أو جهول يضيعهوما الناس إلّا جاهل وحليم
- وقال آخر:
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسهفصدر الذي يستودع السرّ أضيق
- وقال كعب بن سعد الغنويّ:
ولست بمبد للرجال سريرتيولا أنا عن أسرارهم بسؤول
- وقال مسكين الدارمي:
وفتيان صدق لست مطلع بعضهمعلى سرّ بعض غير أني جماعها
يظلون شتّى في البلاد وسرّهمإلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
لكلّ امرىء منهم من القلب شعبةوموضع نجوى لا يرام اطّلاعها
- وقال أبو مسلم صاحب الدولة:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزتعنه ملوك بني مروان إذ جهدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهموالقوم في غفلة بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوامن نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنما في أرض مسبعةونام عنها تولّى رعيها الأسد
- وقال ابن المعتز:
وربّ سرّ كنار الصخر كامنةأمتّ إظهاره مني فأحياني
- وقال أبو إسحاق الصابي:
لسرّ صديقي مكمن في جوانحيتمنّع أن تدنو إليه المباحث
تغلغل مني حيث لا تستطيعهكؤوس الندامى والأنيس المحادث
إذا الفحص آلى جاهدا أن ينالهتراجع عنه وهو خزيان حانث
فقل لصديقي كن على السرّ آمناإذا لم يكن ما بيننا فيه ثالث
كأنه أشار في هذا البيت إلى قول جميل:
ولا يسمعن سرّي وسرّك ثالثألا كلّ سرّ جاوز اثنين ضائع
- وقال الصابي أيضا:
وللسرّ فيما بين جنبيّ مكمنخفيّ قصيّ عن مدارج أنفاسي
أضنّ به ضنّي بموضع حفظهفأحميه عن إحساس غيري وإحساسي
فقد صار كالمعدوم لا يستطيعهيقين ولا ظنّ لخلق من الناس
كأنّي من فرط احتياطي أضعتهفبعضي له واع وبعضي له ناس
- وقال كثير:
كريم يميت السرّ حتى كأنهإذا استنطقوه عن حديثك جاهله
رعى سرّكم مستودع القلب والحشاشفيق عليكم لا تخاف غوائله
وأكتم نفسي بعض سرّي تكرّماإذا ما أضاع السرّ في الناس حامله
- وقال الرقاشي:
إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطقكلاما تكلّمنا بأعيننا سرّا
فنقضي ولم يعلم بنا كلّ حاجةولم نكشف النجوى ولم نهتك السترا
- وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه:
إذا كان لي سرّ فحدثته العدىوضاق به صدري فللنّاس أعذر
هو السرّ ما استودعته وكتمتهوليس بسرّ حين يفشو ويظهر
- وقال الحسن: ما كتمته عن عدوّك لا تظهره لصديقك.
- شاعر:
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحيوجرّعته من غيظ ما أتجرّع
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظةإذا جعلت أسرار نفسي تطّلع
وقال الآخر:
لعمرك ما الشكوى بأمر حزامةولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
- وكان خالد بن صفوان يقول: احترزوا من العين فإنّها أنمّ من اللسان.
- وقد قال المتغزّل في حفظ سرّ محبوبه ما لو قاله مستودع سرّ الملك لكان محسنا:
ومستخبر عن سرّ ريّا رددتهبعمياء من ريّا بغير يقين
فقال ائتمنّي إنني ذو أمانةوما أنا إن خبّرته بأمين
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع