من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب (٤)
- قال رجل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم تقل هذا إلّا وفي نفسك خير تصنعه إليّ.
- وقيل: إنه لم يمت شريف قط من أهل المدينة إلّا استعدى أشعب على وصيّه أو وارثه [وقال له: احلف أنه لم يوص لي بشيء قبل موته].
- وسأل سالم بن عبد الله بن عمر أشعب عن طمعه فقال: قلت لصبيان مرة هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتى يطعمكم تمرا فلما أحضروا ظننت أنه كما قلت فعدوت في أثرهم.
- وقال مرّة: بلغ من طمعي أني إذا رأيت دخان جاري أثرد. وما رأيت اثنين يتسارّان إلّا ظننت أنهما يأمران لي بشيء.
- وقال: ما رأيت عروسا بالمدينة تزفّ إلّا كنست بيتي ورششته طمعا في أن تزفّ إليّ.
- ووقف على رجل يعمل طبقا من الخيزران فقال له: وسّعه قليلا، قال الخيزراني: كأنك تريد أن تشتريه؟ قال: لا ولكن يشترى لبعض الأشراف فيهدي إليّ فيه شيئا.
- وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم كلب أمّ حومل تبعني فرسخين وأنا أمضغ كندرا ولقد حسدته على ذلك.
- وسئل مرة عن مثل ذلك فقال: نعم، خرجت إلى الشام مع رفيق لي، فنزلنا بعض الديارات فتلاحينا في شيء، فقلت: أير الراهب في حر أمّ الكاذب، فلا نشعر إلّا بالراهب قد اطّلع علينا وقد أنعظ وهو يقول: أيّكما الكاذب؟
- قال أشعب: تعلّقت بأستار الكعبة فقلت: اللهمّ أذهب عنّي الحرص والطلب إلى الناس، فمررت بالقرشيّين وغيرهم فلم يعطني أحد شيئا، فجئت إلى أمي فقالت: ما لك قد جئت خائبا؟ فأخبرتها فقالت: لا والله لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربّك، فجعلت أقول: يا ربّ أقلني. ثم رجعت فما مررت بمجلس لقريش ولا غيرهم إلّا أعطوني. ووهب لي غلام فجئت إلى أمي بحمّال موقر من كلّ شيء فقالت: ما هذا الغلام؟ فخفت أن أخبرها فتموت فرحا، فقلت: وهبوا لي، فقالت أيّ شيء قلت؟ قلت: غين. قالت: أيّ شيء
قلت؟ قلت: لام، قالت: أيّ شيء قلت؟ قلت: ألف، قالت: أيّ شيء قلت؟ قلت: ميم. قالت: وأيّ شيء ميم؟ قلت: غلام. فغشي عليها، ولو لم أقطّع الحروف لماتت الفاسقة فرحا.
- وكان لأشعب خرق في بابه، فينام ويخرج يده من الخرق، يطمع أن يجيء إنسان فيطرح في يده شيئا.
قطع على رجل فلقيه صديق له فقال: أحسبك جئت بخفّي حنين، فقال: تلقّاني حنين في الطريق فأخذ الخفّين من رجليّ وتركني حافيا.
ومما وضع على لسان الحيوان:
قالوا: جاء روميّ بخنزير فشدّه على اسطوانة، ووضع القتّ بين يديه ليسمّنه، وإلى جنبه أتان لها جحش كان يلتقط ما تناثر منه، فقال لأمه: ما أطيب هذا العلف، قالت: لا تغترّ بهذا العلف فإنّ وراءه الطامة الكبرى. فلما وضع السكين على حلق الخنزير ورآه الجحش وهو يضرب وينفح هرب وأتى أمه وأطلع أسنانه وقال: ويحك انظري هل بقي في خلال أسناني شيء من ذلك العلف؟
- ومنه: أنّ قصّارا كان يعمل على شاطىء نهر، وكان يرى كلّ يوم كركيا يجيء فيلتقط من الحمأة دودا ويقتصر في القوت عليه، فرأى يوما بازيا قد ارتفع في الجوّ فاصطاد حماما فأكل منها بعضا وترك في موضعها البعض وطار، فتفكر الكركي في نفسه وقال: ما لي لا أصطاد الطير كما يصطاد البازيّ، وأنا أكبر جسما منه، فارتفع في الجوّ وانقضّ على حمام فأخطأه وسقط في الحمأة فتلطّخ ريشه ولم يمكنه أن يطير، فأخذه القصّار وحمله إلى منزله، فاستقبله رجل
فقال له: ما هذا؟ فقال: كركي يتصقّر.
منصور الحراني:
سعى نحونا يبغي القرى طاوي الحشالقد عملت فيه الظنون الكواذب
فبات له منّا إلى الصبح شاتميعدّد تطفيل الضيوف وضارب
قال عبد الملك حين حجّ لحبّى المدينية: ما فعلت خزيرتك؟
فقالت: البرمة عندي، وعندي أقط وسمن. فعملتها له، فأكل منها وقال: يا حبّى ليست كما كنت أعهد. فقالت: ألهاك عنها زمكّى الدجاج، قال:
صدقت، وأمر لها بمال.
- قال رجل لمدنيّ: أيسرّك أنّ هذه الدار لك؟ قال: نعم، قال:
وليس إلّا نعم؟ قال: وكيف أقول؟ قال: تقول نعم، وأحمّ سنة وأعوّر.
- وروي عن معاوية أنه قال لجلسائه مرّة: وددت لو أنّ الدنيا في يدي بيضة نيمبرشت وأحسوها كما هي. وهذا خبر غريب بعيد أورده الزمخشريّ اللغويّ في كتابه المعروف بربيع الأبرار.
كتب على عصا ساسان: الحركة بركة، والتواني هلكة، والكسل شؤم، والأمل زاد العجزة، وكلب طائف خير من أسد رابض، ومن لم يحترف لم يعتلف.
خرج جماعة إلى سلطان يتطلّبون شغلا فلم يجدوا، فقال بعضهم: تقوّتوا الإرجاف وانتظروا الدّول.
- كان رجل يأكل الحوّارى ويطعم عبده الخشكار، فاستباع العبد فاشتراه آخر، فكان يأكل الخشكار ويطعمه الشعير، فاستباع فاشتراه آخر فكان يأكل الشعير ويطعمه النّخالة، فاستباع فاشتراه آخر فكان يجيعه وإذا قعد بالليل وضع السراج على رأسه فلم يستبعه، فقيل له في ذلك، فقال: أخشى إن باعني أن أقع إلى من يضع الفتيلة في حدقتي.
يتلوه:
باب صون السرّ وتحصينه وذمّ السعاية والنميمة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع