من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
مزيد من الأخبار والأشعار
قال المنصور لبعض أصحابه: سلني، فقال: يبقي الله أمير المؤمنين. فقال: ويحك اذكر ما تريد فليس كلّ وقت تؤمر بهذا. فقال: والله ما أغتنم مالك، ولا أخاف بخلك، ولا أستقصر عمرك، وإنّ سؤالك لزين، وإنّ عطاءك لشرف، وما بامرىء بذل وجهه إليك من عار. فتلافى المنصور بالمدح بما ليس فيه، وكفته القناعة من اجتدائه.
رئي بهلول في مقبرة فقيل له: هلّا خالطت الناس؟ فقال: إني بين قوم إن حضرت لم يؤذوني، وإن غبت لم يغتابوني. قيل له: فادع الله تعالى فإنّ الناس في ضرّ وشدة من الغلاء، فقال: وما عليّ من ذاك ولو بلغت الحبة دينارا، وإنما عليّ أن أعبد الله تعالى كما أمرني، وعليه أن يرزقني كما وعدني.
- قال رجل: دخلت على هند بنت المهلب فرأيت بيدها مغزلا تغزل به، فقلت لها: تغزلين؟ قالت: نعم سمعت أبي يذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال:
أعظمكنّ أجرا أطولكنّ طاقة؛ وهو يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس.
- وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: المغزل في يد المرأة مثل الرمح في يد الغازي في سبيل الله تعالى.
- روي أنّ كعبا لقي عبد الله بن سلام فقال: يا ابن سلام، من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما أذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ علموه ووعوه؟ قال: الطمع وشره النفس وطلب الحوائج إلى الناس.
- قال شيخ كوفيّ من بني عبس: سألت الحسن عما تنبسط فيه أيدينا من الطعام فقال، قال عمر: كفى شرها إذا اشتهيت شيئا أكلته؛ وقال: إن كان عمر ليشتهي الشيء فيدافعه سنة.
قال فيلسوف: الإنسان يزداد على كثرة المال نهما كما تزداد النار على الحطب ضرما.
الطامع في وثاق الذلّ.
ربّ مغرق قد خاب، ومقتصد قد فاز.
قال الأصمعي: لقيت أعرابيّا في بعض نواحينا فقلت: ممّن الرجل؟
قال: من بني أسد، قلت: من أين أقبلت؟ قال: من البادية بأرض ما نريد بها بدلا ولا نبغي عنها حولا، بعجتها الغاديات، وحفّتها الفلوات، فنحن فيها بأرقّ عيشة وأنعم معيشة، فقلت: ما طعامكم فيها؟ فقال: بخ بخ أطيب طعام وأهنأه وأمرأه: الهبيد والفطس والعنكث والعلهز، وربّما والله أكلنا القديد واشتوينا
الجلد، فما نرى أنّ أحدا أحسن منا حالا، ولا أرضى منا بالا ولا أخصب رحالا، فالحمد لله على ما رزقنا من القناعة وحسن الدعة، أما سمعت ما قاله قائلنا؟ قلت: وما قال؟ فأنشدني:
إذا ما امتذقنا كلّ يومين مذقةبخمس تميرات صغار كوانز
فنحن ملوك الأرض خصبا ونعمةونحن ليوث الحرب عند الهزاهز
- وقال يزيد بن الحكم الثقفي:
رأيت السخيّ النفس يأتيه رزقههنيئا ولا يعطى على الحرص جاشع
وكلّ حريص لن يجاوز رزقهوكم من موفّى رزقه وهو وادع
- وقال عمرو بن مالك الحارثي:
الحرص للنفس فقر والقنوع غنىوالقوت إن قنعت بالقوت مجزيها
والنفس لو أنّ ما في الأرض حيز لهاما كان إن هي لم تقنع بكافيها
- وقال آخر:
لعمرك لليأس عند اليقين خير من الطمع الكاذب
- وقال ابن هرمة:
إذا أنت لم تأخذ من اليأس عصمةتشدّ بها في راحتيك الأصابع
شربت بطرق الماء حيث لقيتهعلى رنق واستعبدتك المطامع
- وقال أيضا:
وفي اليأس عن بعض المطامع راحةويا ربّ خير أدركته المطامع
- وقال هدبة بن خشرم:
وبعض رجاء المرء ما ليس نائلاعناء وبعض اليأس أعفى وأروح
- وقال مكنف بن معاوية التميمي:
ترى المرء يأمل ما لن يرىومن دون ذلك ريب الأجل
وكم آيس قد أتاه الرجاءوذي طمع قد لواه الأمل
- قال عبد الله بن مسعود: لو أنّ العلماء أعزّوا العلم بما أعزّه الله تعالى، ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم، وصار الناس لهم تبعا.
ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من فضلهم فهانوا عليهم.
ب- كان سويد بن غفلة إذا قيل له قد ولي فلان قال: حسبي كسرتي وملحي.
وقيل: من أمّل رجلا هابه، ومن قصرّ عن شيء عابه.
- قال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرزق، فبينا هو يمشي إذ أعيا، فأوى إلى خراب يستريح فيه، فبينا هو يدير بصره إذ وقعت عيناه على بناء فيه كتاب:
إني رأيتك قاعدا مستقبليفعلمت أنك للهموم قرين
هوّن عليك وكن بربّك واثقاوأخو التوكّل شأنه التهوين
طرح الأذى عن نفسه في رزقهلما تيقّن أنه مضمون
قال: فرجع الفتى إلى بيته وقال: اللهم أدّبنا أنت.
قال عامر بن عبد قيس: ما أبالي ما فاتني من الدنيا بعد آيات في كتاب الله ﵎: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)
(هود:) (ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)
(فاطر:) (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
(الأنعام:) قال أنس: كان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله لا يدّخر شيئا لغد. وأهدي إليه صلّى الله عليه وعلى آله ثلاث طوائر فأطعم خادمه طائرا، فلما كان من الغد أتته به فقال لها لله: ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد فإنّ الله يأتي برزق كلّ غد.
وقال ﷺ: قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه.
وقال ﷺ لابن مسعود: لا تكثر همّك، ما يقدّر يكن، وما ترزق يأتك.
قيل: ما ترك عيسى ﵇ حين رفع إلّا مدرعة من صوف، وخفّي راع، وحذّافة يحذف بها الطير.
- وروى بعض أصحاب عليّ ﵇ قال: دخلنا عليه وبين يديه طبق من خوص عليه قرص أو قرصان من خبز شعير، وإنّ أشطاب النّخالة لتبين في الخبز، وهو يكسره على ركبته، ويأكله بملح جريش، فقلنا لجارية له سوداء يقال لها فضّة: ألا نخلت هذا الدقيق لأمير المؤمنين؟ فقالت: يأكل هو المهنّا ويكون الوزر في عنقي، فتبسّم عليّ ﵇ وقال: أنا أمرتها أن لا تنخله. قلنا: فلم يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك أجدر أن يذلّ النفس، ويقتدي بي المؤمن، وألحق بأصحابي.
وقال سلمان الفارسي: قسمت الدنيا على درهمين: أبتاع بأحدهما خوصا والآخر طعاما، فأعمل الخوص، وإلى أن ينفد طعامي [أكون] قد عملت الخوص فأبيعه بدرهمين فأبتاع بأحدهما طعاما والآخر خوصا.
يقال: من لزم العفاف هانت عليه موجدة الملوك.
قيل للزهريّ: ما الزهد؟ قال: ليس هو تقشّف الجلد ولا خشونة المطعم ولكن ظلف النفس عن محبوب الشهوات.
- قال عليّ ﵇: لا تجاهد في الطلب جهاد المغالبة، ولا تتّكل على القدر اتّكال المستسلم، فإنّ ابتغاء الفضل من السنّة، والإجمال في الطلب من العفة.
- قال عيسى ﵇ للحواريين: أنتم أغنى من الملوك، قالوا:
كيف؟ قال: لأنكم لا تطلبون وهم يطلبون.
أصحر الحسن يوما فرأى صيادا فقال: ما أكثر ما يقع في شبكتك؟
قال: كلّ طير زاقّ، فقال الحسن: هلك المعيلون.
- في الحديث: إنّ الصفاة الزلّاء التي لا تثبت عليها أقدام العلماء الطمع.
شدة الحرص من سبل المتالف.
المرء توّاق إلى ما لم ينل.
- النابغة الذبياني ويروى لأوس بن حجر:
ولست بخابىء لغد طعاماحذار غد لكلّ غد طعام
آخر:
إذا كنت تأتي المرء توجب حقّهويجهل منك الودّ فالهجر أوسع
آخر:
لا تنكرنّ كلامي إنّ مخرجهمن جرأة اليأس لا من هيبة الأمل
- ضده لجرير:
إني لآمل منك خيرا عاجلاوالنفس مولعة بحبّ العاجل
هشام بن إبراهيم البصري:
وكم ملك جانبته عن كراهةلإغلاق باب أو لتشديد حاجب
ولي في غنى نفسي مراد ومذهبإذا انصرفت عنّي وجوه المذاهب
- بشار:
اسكن إلى سكن تسرّ بهذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغد كحاملةفي الحيّ لا يدرون ما تلد
- استشار ابن المعتز صديق له في عمل فقال: ربّما أورد الطمع ولم يصدر، وضمن ولم يف، ومن تماسكت حاله في أهل طبقته وجب على عقله القناعة، وربّما شرق شارب الماء قبل ريّه، ومن تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار، وكلّما عظم قدر المتنافس فيه عظمت الفجيعة به. ومن ارتحله الحرص أنضاه الطلب. والأماني تعمي أبصار البصائر، والحظّ يأتي من لا يأتيه. وربما كان الطمع وعاء حشوه المتالف. وأشقى الناس بالسلطان صاحبه كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا.
- حكيم: عزّ النزاهة أحبّ إليّ من فرح الفائدة، والصبر على
العسرة أحبّ إليّ من احتمال المنّة.
- قال قدامة بن زياد الكاتب: دخلت والحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك الزيات وعنده جماعة من خاصّة إخوانه، فجعل الجماعة منهم يشكون أحوالهم والحسن ساكت، وكنت فيمن شكا، فقال له محمد: يا أبا عليّ، إن كانت حالك تستغني عن الشكوى فإنّ ذلك يسرّني، وإن كانت على غير ذلك وأنفت من الشكوى إليّ لقد سؤتني، فقال الحسن: لا ولكني أخذت بقول الكميت حيث يقول:
صموت إذا ضجّ المطيّ كأنّماتكرّم عن أخلاقهنّ وترغب
- قال الجاحظ: إنّ الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفّق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلّهم الملك والسياسة، أو التجارة والفلاحة، وفي ذلك ذهاب المعاش وبطلان المصلحة. فكلّ صنف من الناس مزيّن لهم ما هم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيرا أو خرقا قال: يا حجّام، والحجّام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: يا حائك، فأراد الله تعالى أن يجعل الاختلاف سببا للائتلاف، فسبحانه من مدبّر حكيم. وترى البدويّ في بيت من قطعة كساء، معمّد بعظام الجيف مع كلبه، لباسه شملة من وبر أو شعر، ودواؤه بول الإبل، وطيبه القطران وبعر الظباء، وحلي امرأته الودع وثمار المقل، وصيده اليربوع في مفازة لا يسمع فيها إلّا نئيم بومة، وزقاء هامة، وعواء ذئب، وهو راض بذلك مفتخر به.
- قال الأصمعي: سمعت أعرابيّا يقول: عجبت للحريص المستقلّ لكثير ما في يده، والمستكثر لقليل ما في يد غيره، حتى طلب الفضل بذهاب الأصل، فركب مفاوز البراري ولجج البحار معرّضا نفسه للممات وماله للافات، ناظرا إلى من سلم، غير معتبر بمن عدم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع