من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب (٥)
عوتب رجل على إظهار ما في نفسه فقال: لا بدّ للملآن أن يفيض.
وعوتب آخر فقال: من طال صبره ضاق صدره.
وقال آخر: راحة ذي الأحزان في شكواه.
- وقيل: كان أبو إسحاق النظام أضيق الناس صدرا بحمل سرّ، وكان شرّ ما يكون إذا يؤكد عليه صاحب السرّ، وكان إذا لم يؤكد عليه [ربما] نسي القصة، فسلم عليه صاحب السرّ؛ فقال له قاسم التمار: سبحان الله ما في الأرض أعجب منك، أودعتك سرّا فلم تصبر عن نشره يوما واحدا، والله لأشكونّك في الناس. فقال: يا هؤلاء سلوه، نممت عليه مرة ومرتين وثلاثا وأربعا، فلمن الذنب الآن؟ فلم يرض بأن يشاركه في الذنب حتى صيّر الذنب كلّه لصاحب السرّ.
- وقال شاعر:
لا أكتم الأسرار لكن أنمّهاولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
فإنّ قليل العقل من بات ليلهتقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
- وقال آخر:
وأمنع جارتي من كلّ خيروأمشي بالنميمة بين صحبي
- ضرط رجل بحضرة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فلما حضرت الصلاة قال عمر: عزمت على من كانت هذه الضرطة منه إلّا توضّأ، فقال جرير بن عبد الله البجلي: لو عزمت علينا جميعا أن نتوضّأ كان أستر للرجل وأكرم في الفعل. فقال عمر: جزاك الله خيرا، فلقد كنت سيّدا في الجاهلية، وأنت سيّد في الاسلام، عزمت عليكم إلّا توضّأتم. ثم قاموا جميعا، وسترت على الرجل.
- وضرط أبو الأسود الدؤلي بحضرة معاوية فقال: اكتمها عليّ، وكانا خاليين. ثم دخل عليه الناس فأحبّ أن يضع منه فأشاعها، فقال أبو الأسود: إنّ رجلا اؤتمن على ضرطة فلم يكتمها لحريّ أن لا يؤتمن على أمر الأمّة.
- كان المتوكل على بركة يصيد السمك وعنده عبادة المخنّث، فتحرك المتوكل فخرجت منه ريح، فقال لعبادة: اكتمها عليّ فإنّك إن ذكرتها ضربت عنقك. ودخل الفتح فقال: أيّ شيء صدتم اليوم؟ فقال له عبادة: ما صدنا شيئا، والذي كان معنا أفلت.
- قيل للوطيّ: ويحك، إنّ من الناس من يسرق ويزني ويعمل العظائم سنين كثيرة وأمره مستور، وأنت إنما لطت منذ شهور، وقد شهرت
وافتضحت. فقال: من يكون سرّه عند الصبيان كيف تكون حاله؟! - كان ببغداد رجل يتعبّد اسمه رويم، فولي القضاء، فلقيه جنيد فقال: من أراد أن يستودع سرّه من لا يفشيه فعليه برويم، فإنه كتم حبّ الدنيا أربعين سنة حتى قدر عليها.
- انقطع عبد الملك بن مروان عن أصحابه فانتهى إلى أعرابيّ فقال له:
أتعرف عبد الملك؟ قال: نعم جائر بائر، قال: ويحك، أنا عبد الملك بن مروان، قال: لا حيّاك الله ولا بيّاك ولا قرّبك، أكلت مال الله وضيّعت حرمته، قال:
ويلك أنا أضرّ وانفع، قال: لا رزقني الله نفعك، ولا دفع عني ضرّك. فلما وصلت خيله قال: يا أمير المؤمنين، اكتم ما جرى فالمجالس بالأمانة.
يتلوه:
باب في العدل والجور.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع