من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
صفة الإمام العادل عند للحسن البصري
- نادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: أيا سليمان، أيا سليمان، اذكر يوم الأذان، فنزل عن المنبر ودعا بالرجل فقال له سليمان: فما يوم الأذان؟ فقال: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)
(الأعراف:
) قال: فما ظلامتك؟ قال: أرضي بمكان كذا أخذها وكيلك، فكتب إلى وكيله أن ادفع إليه أرضه وأرضي مع أرضه.
واستؤمر عمر بن عبد العزيز في البسط على العمّال فقال: يلقون الله بجناياتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم.
- كتب عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة إلى الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العدل، فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين أنّ الله تعالى جعل الإمام العدل قوام كلّ مائل، وقصد كلّ جائر، وصلاح كلّ فاسد، وقوة كلّ ضعيف، ونصفة كلّ مظلوم، ومفزع كلّ ملهوف. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السّباع، ويكنفها من أذى الحرّ والقرّ.
والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده: يسعى لهم صغارا، ويعلّمهم كبارا، يكسب لهم في حياته، ويدّخر لهم بعد وفاته. والإمام العدل يا
أمير المؤمنين كالأمّ الشفيقة، البرّة الرفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربّته طفلا، تسهر لسهره، وتسكن لسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح لعافيته، وتغتمّ بشكاته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده. والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيّده، واستحفظه ماله وعياله، فبدّد المال، وشرّد العيال، فأفقر أهله، وأهلك ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأنّ الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتصّ لهم؟
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع