من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
آيات وأحاديث وحكم (٣)
العدل شيمة تستوجب الصفة بالكمال، ومن أوتيها ملك نفسه، ومن ملكها نجا. وقد ندب الله ﷿ إليه فعلا وقولا وخلقا، قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى)
(النحل:) وقال سبحانه: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
(المائدة:
) وكفى شرفا فضيلة يحبّ الله فاعلها. وقال ﷿: (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)
(الأنعام:) وقال ﵎ (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً)
(الفرقان:) والآيات في ذلك وفي ذمّ الجور والوعيد عليه أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)
(هود:) وقال ﷿ َ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)
(الجن:
) وقال سبحانه (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ)
(ابراهيم:) قيل هذه تعزية للمظلوم ووعيد للظالم.
وقال تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً)
(الكهف:) وقال تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
(الشعراء:). ومن أمره بالعدل قوله سبحانه (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
(ص:).
وسئل رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: من أفضل الناس؟ قال:
أكثرهم ذكرا لله؛ قيل فمن أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله؛ قيل: فمن المؤمن؟
قال: من يخشى الله بالغيب، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويؤدي الأمانة إلى أهلها، ويتّقي دعوة المظلوم، ويعدل لسانه عند الرضى والغضب.
وقال له رجل: يا رسول الله أيّ الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حقّ عند سلطان جائر.
- وقال صلّى الله عليه وعلى آله: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر. وفي لفظ آخر: إنّ أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدّهم عذابا إمام جائر.
- وقال ﷺ: لا قدّست أمّة لا تأخذ للضعيف حقّه غير متعتع.
- وروي عن عبادة بن الصامت انه قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة وعلى أن نقول الحقّ أيضا حيثما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم.
- وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: إنّ الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلّى الله منه ولزمه الشيطان.
- وروي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال: إنّ الله نظر إلى أهل عرفات فباهى بهم الملائكة، فقال: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أقبلوا يضربون إليّ من كلّ فجّ عميق، فاشهدوا أني قد غفرت لهم إلّا التبعات التي بينهم.
- وقال صلّى الله عليه وعلى آله: رحم الله عبدا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال، فأتاه فتحلّله منها قبل أن يأتي يوم ليس معه دينار ولا درهم.
- وعنه صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال: نفس المؤمن معلّقة بدينه حتى يقضى عنه.
وجاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وعلى آله فقال: أرأيت إن ضربت بسيفي هذا في سبيل الله محتسبا مقبلا غير مدبر، أتكفّر خطاياي؟
قال: نعم. فلما أدبر قال: تعال، هذا جبريل ﵇ يقول إلا أن يكون عليك دين.
- وقال صلّى الله عليه وعلى آله: من اقتطع حقّ امرىء مسلم أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة. فقال رجل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا؟
قال: ولو كان قضيبا من أراك.
- وجاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وعلى آله تقاضاه فأغلظ له، فهمّ أصحابه به، فنهاهم وقال: ألا كنتم مع الطالب؟ ثم قال: دعوه فإنّ لصاحب الحقّ مقالا، واشتروا له بعيرا. فلم يجدوا له إلّا فوق سنّه فقال: اشتروا له فوق سنّه، فأعطوه، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أخذت حقّك؟ قال: نعم، قال:
كذلك افعلوا، خيركم أحسنكم قضاء.
- وقيل: مرّ عليّ ﵇ في سوق الكوفة ومعه الدرّة، وهو يقول: يا معشر التجّار، خذوا الحقّ وأعطوا الحقّ تسلموا، لا تردّوا قليل الربح
فتحرموا كثيره، ما منع مال من حقّ إلّا ذهب في باطل أضعافه.
وقال رسول الله ﷺ: لا تغبطنّ ظالما بظلمه فإنّ له عند الله طالبا حثيثا ثم قرأ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
(الإسراء:).
- وقال ﵇: يا عليّ إيّاك ودعوة المظلوم فإنما يسأل حقّه، وإنّ الله لا يمنع من ذي حقّ حقّه.
- وقال ﷺ: من روّع مسلما لرضى سلطان جيء به معه يوم القيامة.
- وقال صلّى الله عليه وعلى آله: من تزوّج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زان، ومن ادّان دينا لا ينوي أن يقضيه فهو سارق.
- قال الأحنف: إذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس فاذكر قدرة الله على عقوبتك، وانتقام الله لهم منك، وذهاب ما أتيت إليهم عليك.
- ويقال: ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان حقيقا على الله أن يزيلها.
وقال أبو سعيد: بينما النبي صلّى الله عليه وعلى آله يقسم شيئا إذ أكبّ عليه رجل فطعنه النبي ﷺ بعرجون معه، فصاح الرجل، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله: تعال فاستقد، فقال الرجل: بل قد عفوت يا رسول الله.
وخبر عكاشة مشهور وله موضع آخر من هذا الكتاب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع